سرد

رحله الى اسطنبول

(1)

تمام.. افندم !!

هذه اسطنبول التى (دفن السلطان فى اضوائها.. قلبه الواهى المعنى واشتياقه).. والتى نصفها فى اوروبا.. ونصفها الاخر فى اسيا.. هذه الاستانه.. وذلك الباب العالى.. وهناك البسفور والقرن الذهبى وذكريات فتوح ابى ايوب الانصارى.. ومحمد الفاتح (وحتى لاتزعلون.. الثانى!). هنا رائحة الليبين منذ استنجد عبدالله المرابط وبعض صحبه من تاجوراء بمراد اغا ثم درغوت باشا لكى يحرروا طرابلس من الاسبان . هنا الشيخ ظافر المدنى. والشيخ العالم احمد بن شتوان وذاك قبره وزوجته بجوار محمد الثانى فى المقبره الملاصقه لمسجده الشهير. هنا اثار الطلبه الذين تعلموا فى مدرسة العشائر . لقد قدموا من طبرق ودرنه وبنغازى ومسلاته ومصراته وطرابلس والخمس والزاويه وغيرها. هنا اثار نوابهم فى المبعوثان. هنا بحر مرمره حيث تغنى رفيق بقصائده نحو الوطن البعيد . هنا بقايا العائلات والاسر.. التى تغيرت اسماؤها والقابها بعد التتريك.. المهدوى واسكليل ونجم والجاضره والغناى وبن سعود والمدنى والبوصيرى وحباق.. وغيرهم. هذه اسطنبول. وهذه اثارنا واثارهم.. فارحل ايها القلب فى الدروب على جناح الشوق والانطلاق.

(2)

وفى هنا.. فى هذه الارجاء.. فى اسطنبول وماحولها كان احمدالشريف السنوسى.. العالم المجاهد.. وصل اليها قادما من العقيله فى غواصة المانيه عام 1918 بعد اقامة فى هون بالجفره. كان الرجل نائبا للخليفه العثمانى فى عموم القاره الافريقيه. كان قد اتى معه فى رحلته مجموعة من اصحابه وطلبته.. منهم طبيبه الدكتور عبدالسلام بوقشاطه العريبى الذى توفى هناك.. كان له ذلك الحضور القوى والمؤثر فى تركيا وفى مرحلة لاحقه اسهم بفاعليه فى حل بعض المعضلات التى واجهت اتاتورك فى ديار بكر. فى اسطنبول اصدر ثاني مؤلفاته وهى رسالة فى اجازة الطريقه الاحمديه طبعه فى مطبعة غامره.. تحدث فيه باستفاضه عن الطريقه السنوسيه ومجموعة من اعلام علماء ليبيا فى مقدمتهم الشيخ احمد الطبولى والشيخ حافظ المعدانى.. وغيرهما.. (من يسمع او يهتم الان من هذا الجيل). وارسل بالكثير من الرسائل الى المجاهدين فى انحاء الوطن كافه. ولاول مره شاهد هطول الثلج فى حياته.. فسر بذلك واشار اليه فى تلك الرسائل. اتاتورك الذى كان لدينا فى الظهر الحمر بدرنه عام 1911 وانور باشا وغيرهما من الضباط الاتراك اشاح بوجهه عن صديقه فغادر تركيا الى الحجاز عام 1923.

وفى الدروب.. تنثال الصور والمشاهد . اغلب الاسماء لدينا من بر الترك.. عصمت ورشاد ونظيم وفتحيه ونظيمه وهمشر وتركيه.. وغير ذلك.. والاطعمه والحلويات.. السفنز ولقيمة القاضى.. وبعض العبارات.. ياساق وعفارم وامان امان وكحنى.. وغيرها غلبت على لهجتنا ووردت نتيجة للتاثير والتاثر فى قصائد شعرائنا العاميين.. صالح بو مازق الرفادى وعبدالله البويف الدينالى وسواهما. نحن نحتاج للاهتمام كثيرا باللغة العثمانية القديمه.. وكثيرا ايضا بالايطاليه لان تاريخنا كله يكاد يكون مختفيا فى ثنايا سطورهما.

وفى مرزق البعيده التى كانت عاصمة لفزان ايام الترك. راْيت شواهد عثمانيه لقبور هناك. كانت منفى للعصاة والموظفين المخالفين من ارجاء دولة الرجل المريض . كان هناك الحزن الذى تسلل الى اغانى الشجن..امان امان ولحق ايضا بالفن المرسكاوى مع اغانى الجباده.. وحكايات الحب وقصص الغرام المحرمه!!

وفى الدروب.. استمر فى المشى واتذكر بعض الامثله التى استعملها الاجداد ايام زمان.. فى العجله والتسرع.. وتى الحطب وماخطب.. وجاب القابله من اسطنبول . وكذا حلوة بر الترك.. التى كانت (طرفه). ثم اضحك كثيرا عندما اتذكر عبر الدروب الملتويه والمستقيمه.. جحا. انه احد الاتراك ذلك الظريف الساخر من كل شى.. نصر الدين جحا التركى الذى اذهل العالم بسخريته العجيبه.. قبره فى تركيا . وامان امان.

(3)

وفى الايام التركيه تلوح قصص وتتداعى حكايات ايها القلب المسافر. الى اسطنبول فى بدايات القرن العشرين وصلت فتاة من بنغازى اسمها حميده طرخان تعلمت ودرست (..قلت فى بدايات القرن)وتخرجت وزميلتها بديعه سرور. الخوجه حميده او المعلمه اصبحت حميده العنيزى بعد زواجها من احد الضباط فى الجيش التركى وابن بنغازى.. عبدالجليل العنيزى. ولتنير الدرب امام البنات فى ازقة المدينه الملتويه بكثير من الضوء وسط الظلام . ثم لتشارك فى عام 1916 وفى عز ايام الحرب العالميه الاولى وعبر الجوع والتشرد مع الشيخ محمد بن عامر والشيخ خليل الكوافى وابراهيم كانون فى انشاء دار تاْوى البنات المسلمات اللواتى فررن من المناطق المجاوره الى بنغازى فوجدن الرعايه والاهتمام والتعليم. كانت الدار فى احدى البيوت القديمه فى زنقة الكوافى المتفرعه من سوق الجريد. ايام صعبه يبرز فيها التطوع والتضحيه وتشارك فى كل ذلك احدى فتيات بنغازى.. مجتمع مدنى مبكر!! ويعلق بالذهن عبدالوهاب عبدالصمد.. صحافى وطنى من بنغازى يؤسس ويصدر صحيفة (فاتح)فى اسطنبول.. يناضل بالكلمه.. ويصارع الايام ويعيش فى مصر لاحقا.. ثم يموت فى روما فى 1 سبتمبر 1969 (يبدو انه فجع)ويدفن بها. ثم تتراءى المرئيات.. البعثات العسكريه بعد الاستقلال للدراسه فى تركيا وبعثات اخرى فى الطب والهندسه.. ومجلة الافكار.

اتذكر ذلك الان ايها القلب المسافر وجموع الليبين تمتلىْ بهم الساحات والحدائق والبازارات والباصات والاماكن السياحيه والمرتفعات والمنخفضات والمقاهى والشقق والفنادق.. غزوة ليبيه متكامله فيما بعضهم اتجه الى الارشيفات الرسميه العاصمه لملاحقة (الطابوات القديمه).. كل الى مااْتى اليه.. والاعمال بالنوايا.. فلا تحزن اْيها القلب!! وجموع اخرى من العراقيين والسوريين والمصريين والافارقه والروس.. اقتسموا المناطق والضواحى والميادين.. هذه السوريه.. هذه المصريه.. سوق مصر. وفى الليل ترى الافارقه وكاْنك فى سوق واغادوغو سابقا. الكتب والصحف العربيه نادره. الاصرار على الهويه التركيه يلاحظ باستمرار لدى السواقين والعمال والصبايا فى الاسواق.. الاذان بالعربى فقط. ثمة كشك صاحبه اضحى صديقى ياْتى بالحياة والشرق الاوسط . الخميس والجمعه والسبت كتب الصديق الكبير سمير عطاالله فى عموده الجميل فى الشرق الاوسط عن ايامه فى بنغازى اواخر 67 وحتى مارس 1968 . وذكرياته فى الحقيقه.. الصحيفه المدرسه . وفاء فيه حب وود لبنغازى ورشاد الهونى وعمال المطبعه وكل شىْ.. هل قلت الصحيفة المدرسه..؟!

حمى الاسواق الماليه ومحلات الصرافه مع توقعات الضربه لسوريا تزداد.. الدولار يرتفع.. والليره تهبط . هكذا مصائب قوم عند قوم.. فلوس وغلاء فى الاسعار. وطلب.. الحرب لعينة فى كل الاحوال.. والاْلعن من ذلك مشاهد اطفال الغوطتين ومافعله فيهم الكيماوى بشار.. وغاز السارين . كاْنهم نائمون.. الوداعه والبراءه رغم الغاز اللعين الذى يقتل ولايشوه الوجوه والاطراف. واعود الى الوراء خمسين سنه.. الى عام 1963.. حيث توفى شاعر تركيا الكبير ناظم حكمت . الذى طورد ولوحق ونفى من موطنه. كان شاعرا عظيما رغم التزامه السياسى.. مضى ورحل بعد ان قال.. اروع الايام مالم نعشه بعد.. وكذا الاحلام والاطفال. والشعر المناضل لايموت.. يظل قرونا عديده.. والنضال بالكلمه والموقف من اجل الحريه والانسان يظل شامخا. هنا تذكرت الرجل النبيل مارثن لوثر كنج.. وخطابه العملاق فى 28 اغسطس 1963 مطالبا بحقوق بنى جلدته من الزنوج. انها صرخة.. او لعنة الحريه التى تقصت اثاره الى ان اغتالته يد الحقد فى ربيع 1968.. وتذكرت المطرب العراقى العظيم ناظم الغزالى.. حياك بابا حياك.. وطالعه من بيت ابوها.. وسمراء من قوم عيسى. الذى توفى ايضا عام 1963. كلما شاهدت عراقيا تذكرت على الوردى وناظم الغزالى وعفيفه اسكندر وسليمه باشا ومحمد الجواهرى وعبدالجليل الطاهر وبدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتى ونازك الملائكه.. وغيرهم ذكرت بغداد يابلد الرشيد.. ومنارة المجد التليد.. وكان زمان!!

ثم تذكرت وانا ارتشف القهوة التركيه . الدكتور ابراهيم صبرى استاذ اللغات الشرقيه فى الجامعه الليبيه فى الستينات . كان اْستاذا مهيبا. عاش فى بنغازى بعد ان ترك موطنه. والده العلامه صبرى شيخ الاسلام فى تركيا الذى اختلف مع اتاتورك… ادور فى الدروب.. واتنقل وسحابات النارجيله ترتفع. انها تركية ايها الساده وصل دخانها الينا مبكرا.. فامض اْيها القلب بلا توقف.

(4)

ويرحل الخاطر.. تتزاحم الرؤى والصور وصدى السنين الحاكى.. هذا البسفور وهناك الحد الفاصل وسطه بين اسطنبول الاسيويه واسطنبول الاوروبيه . قارتان فى مدينة واحده.. تتشكل الابعاد وتنزاح المسافات ويقترب البشر دون استثناء. ثم يرحل الخاطر.. كان الاتراك عندنا.. كانوا يحكمون العالم ايضا من هنا.. من على ضفاف البسفور. كانت الفرامانات تصدر من هنا وتنتشر على امتداد الدنيا. كان الموظفون يوزعون على مناطق الولايه العثمانيه.. يتم اختيارهم ويعينون فى مناطق خارج بلدانهم.. حدث هذا لبعض رجالنا.. حسين بسيكرى وحسين كويرى كانا فى اليمن وعمر فائق شنيب فى القنيطره وبشير السعداوى فى بنت جبيل.. وعبدالقادر الغناى.. وغيرهم. ثم تتذكر القول اوغليه او الكراغله وكيف انتشروا فى ليبيا وبلدان اخرى.

فى ابريل 1974 التقيت الفقى والشاعر المعروف مفتاح بوعميه الفاخرى فى نجعه برويس العبد جنوب سلوق . كان عمره يقترب من المائه. كانت ذاكرته حاضره.. وبداْ شريط التسجيل امامى يدور.. تحدث.. ايها الكبتى كنت (حدرت)الى بنغازى وكانت المعارك تشتعل ضد الايطاليين فى بداية وصولهم الى جليانه.. ذهبت الى نقطة نجيب فى الفعكات وهى تجمع تاْلف من سكان المدينه والدواخل للدفاع عنها.. وجدت منشورات تلقيها قوات الاحتلال. كان يحفظها بوعميه عن ظهر قلب رغم الاعوام التى داسته بتجاربها واحداثها. فى نهايتها تشير الى امر واحد هو (اتركوا الاتراك والا فاْن اخر الدواء الكى)!

والواقع ان الاتراك تركونا عام 1912 بعد اتفاقية لوزان وبقى بعض الضباط والعساكر يناضلون معنا بصفة شخصيه واستفاد منهم المجاهدون فى كل الادوار.. نسيت ان اقول ان نجيب هو نجيب الحورانى.. قدم من الشام وتزوج السيده خديجه كويدير من نساء بنغازى واستشهد فى معركة الشليظيمه وقبره فى مسوس.. مدحه الشعر الشعبى واشاد ببطولاته وصارت النسوه يفتخرن بذلك ويطلقن اسماء موالديهن عليه.

كان الجيش العثمانى الاسلامى قوة ضاربه فى زمانه .يوم 30 اغسطس احتفلت تركيا بذكرى تاْسيس الجمهوريه.. كان عطلة فى الدوائر الرسميه وفى شارع الوطن احد الشارعين الكبيرين فى اسطنبول (الثانى اسمه شارع الشعب) سارت الدبابات والاسلحه والقوات برجالها احياء للذكرى. الاعلام الحمراء ذات الهلال والنجمه وصور الذئب الاغبر اتاتورك اب الاتراك تعلو كل الامكنه. جلت بعد ايام فى متحف الحربيه فى تقسيم وشاهدت على مدى اربع ساعات تاريخ ذلك الجيش وتفاصيله . كان تاريخا مذهلا.

ويمضى الخاطر.. يرحل بلا توقف. اْتذكر صحفيا وطنيا كبيرا اخر من بنغازى.. عوض بونخيله اْحد شبابها المناضلين والمتنورين فى زمن الاحتلال . اْسس جريدة الوطن واْدارها فى سوق سيدى على الوحيشى عام 1921 ثم اْغلقتها السلطات وغادر الى تركيا وحكمت عليه بالاعدام غيابيا. كان بونخيله قد نشط فى تنظيم سرى وطنى ضد الاحتلال.. تكون هذا التنظيم من مجموعه من شباب بنغازى.. بالاضافة اليه كان معه خاله الشاعر المعروف اْبوبكر جعوده وعمر فخرى المحيشى واْحمد مخلوف (شقيق الكاتب حسين مخلوف)وصاحب البيت الشهير.. عمرى عليه الوطن ماننهاكن… على كيفكن سيلن ان ضاق وعاكن.. ومهدى الكيخيا وساسى بن شتوان.. شباب يتقد وطنية ويتوهج نارا لاتنطفى بالكلمه والموقف.. كان لديه حلم بالحريه.. بحياة افضل.. تفرق الشباب نتيجة للمطارده.. بونخيله لم تهداْ حركته فى تركيا.. واصل الكتابه وبعث الرسائل . اخر مره وصل فى زيارة الى بنغازى عام 1958 وحضر جنازة الدكتور فتحى الكيخيا السفير الليبى فى واشنطن انذاك . كان بونخيله يقيم فى اضنه الى وفاته بها اواخر عام 1959 حيث دفن بعد ان ترك مؤلفات لم تزل مخطوطه . واحمد رفيق.. شاعر الوطن الذى غادره مكرها بالنفى وصاح قائلا.. رحيلى عنك عز على جدا.. وداعا ايها الوطن المفدى.. يجوس فى الخاطر ولاينساه.. اقام فى جيحان.. مدينة بالقرب من الحدود السوريه قرب انطاكيا.. منطقه زراعيه ممتازه . اشتغل فى مزارع الكروم وفى بعض المناجم.. وتزوج من تركيه. ثم طلقها بعد ستة اشهر. لم تكن تعلم انه يسمعها عندما اتى من عمله وهى تتحدث مع صويحباتها.. هذا العربى.. بالكثير من التبرم والعبارات المسيئه . لم يتحمل رفيق ذلك فطلقها. من جيحان كان الحنين يسعر فى اعماق الشاعر الى الوطن.. الى قهوة العرودى والبركه وجليانه والفويهات والاصدقاء ومقرونة الحاج الدوكالى.. وكانت القصائد تتواصل بلا انقطاع. فى ابريل 1961 غادر رفيق الى تركيا واليونان . كان يود حضور حفل تخرج الدكتور امين ابن شقيقه حسين كامل المهدوى من كلية الطب . كان الموت اسبق. انطفاْ قلب رفيق.. احضر جثمانه الى بنغازى ودفن.. وداعا ايها الشاعر المفدى!!

(5)

كان الوقت صباحا عندما انطلقت العباره من رصيف قبطاش صوب جزيرة الاميرات. الشمس رائعه.. والبحر (غلينى).. وزحام فى تلك التى تسير بنا.. سواح واسر واطفال وعجائز.. واكواب شاى وقهوه.. ونوارس تطير فوقنا وتلامس السطح . تركيا تهتم كثيرا بالسياحه وتستغل مصادرها برا وبحرا.. وتفتح ذراعيها لهؤلاء البشر.. وتستفيد بالطبع.. وتلعب كثيرا على وتر التاريخ وتشرع صفحاته لكل قادم من بعيد . السياحة فن وصناعه. السائح والزائر لايبحث عن التقنيه او مصانع الشكلاطه التى لديه فى بلاده.. لايبحث عن الابراج.. لايبحث عن مثل هذه الامور. انه يريد ان يلامس المدن والبلدان التى يزورها باقدامه واصابعه وعيونه. انه يبحث عن شىْ يفتقده فى وطنه. يريد المعامله الحسنه والتعريف الجيد بالبلاد وتاريخها. عن ناسها ومقاهيها واغانيها وتراثها.. عن جلسه.. عن حكايه.. عن دروب عتيقه.. عن معالم ومشاهد ليست لديه.. يريد ان يقترب من الناس ويشكل معهم معرفة وصداقة . السياحة ثقافه والمتاحف وحدها لاتجدى.. ينبغى ان تكتمل بالواقع والمنظور. واتذكر الجبل الاخضر وراْس الهلال وسوسه وصبراته ولبده.. ولا اقدر على البكاء!!

جزيرة الاميرات.. بسيطة جدا.. كانت سجنا للعائلات الاوروبيه المالكه التى ساقتها الدولة العليه الى هناك . وتصفر العباره اشارة للوصول وتتدفق الجموع.. وتتزاحم فى تلك الدروب وامامها المقاهى والاسواق والصناعات التقليديه والتحف والمطاعم النظيفه.. والنوارس ايضا!!

وامامنا العربات والخيول (الحناطير) والدراجات والحمير.. فاتخذ لك مركبا كيفما شئت.. والبحر يحيط بك من كل جانب.. وترى الى الغابات والاشجار والبنايات العتيقه.. ويسير التاريخ معك باْلامه واحزانه وظلمه.. وتعود فى المساء من حيث اتيت فيما لايزال الجو بديعا ايها القلب.

وفى اليوم التالى.. تسير فى شارع (فاتح) الطويل. بريد اسطنبول على اليمين وعلى اليسار بقايا السور العثمانى القديم الذى كان يحيط بالمدينه القديمه. زمان كان خارج السور سوقان.. الاول للنساء والجوارى والثانى بجواره للخيول.. ولك ان تقارن.. الاحصنه والنساء.. كلها للاعتلاء.. والسلطان ظل الله على الارض.. هذا قصره امامى.. السراى.. وحديقة يلدز.. وضفاف البسفور.. معمار وفن وعلو ايضا فى البناء!

هذا مبنى المبعوثان.. او البرلمان العثمانى.. وهو كلمة فارسيه صوابها المبعوثين . كان السلطان عبدالحميد قد عطل الدستور (رغم مواقفه الشهيره من اليهود وفلسطين.) وعام 1908 اعيد ذلك الدستور فيما سمى باعلان الحريه او (تعميم حريت).. وابتهج الناس فى طرابلس وصار لديهم (باب الحريه).. بالقرب من السرايا.. ثم ازيح السلطان فى العام التالى.. غادر الباب العالى.. وبقى مجرد ذكريات فى التاريخ البعيد.

نص الدستور على تكوين البرلمان بحيث يضم اضافة الى المواطنين المحليين مبعوثين (نوابا) من الولايات الخاضعه لدولة الخلافه. وتم الاختيار.. كان عمر الكيخيا ويوسف بن شتوان عن بنغازى. وسليمان البارونى ومحمد فرحات الزاوى ومصطفى بن قداره ومحمد الصادق بالحاج ومحمود ناجى الارناؤطى عن طرابلس. وعبدالقادر جامى الضابط التركى وقائد حامية غات عن فزان. هذه النخبه وصلت الى تلك الضفاف وشاركت فى الاجتماعات والتقت بقية النخب والافنديه من ديار العروبه.. الاميران فيصل وعبدالله بن الحسين شريف مكه. وعبدالحميد الزهراوى وسليمان البستانى وروحى الخالدى ومعروف الرصافى وعبدالمحسن السعدون وشكيب ارسلان وطالب النقيب وحسين الكبسى.. وغيرهم. بالطبع لم يتحقق اْى شيئ من احلامهم او طموحهم. ولدينا فى الولايه انتكست التجربه او المحاوله او المشاركه.. سمها ما شئت عندما وصل الطليان الى شارع الشط وجليانه قائلين عبر صوت المدافع (بو نجورنو).

(6)

وزحام لايتوقف فى الصباحات الجميله . بجوارك البسفور.. وبعيدا بعيدا البحر الاسود. وتدخل مباشرة الى سراي السلطان عبدالحميد. هذه اثاره.. هذه بقاياه.. هذه ذكرياته.. كان هنا يدير دولة الخلافه. السراى كبيرة (وماكبير الا الله).. الاضواء والقاعات والثريات والاعمده والسجاد والاثاث والمكتبه والصور واللوحات والزخارف.. وتحت ارشيف مذهل من الوثائق والاوراق النادره.

النوافذ تطل من جانب على البسفور.. ومن جانب اخر على جنبات السراى او الحديقه. من هنا كانت تدار الدوله وعلى الحيطان صور ولوحات السلاطين رسمها الفنانون.. بعضهم من اليونان من رعايا الدولة العثمانيه.

ومع السراى مبنى المبعوثان.. هنا جلس النواب ومنهم نوابك عن بنغازى وطرابلس وفزان.. وتطوف بسمعك اصداء قصيدة بعيده قيلت فى مجلس النواب ببرقه عام 1921.. (مبعوثان وشيخ مشايخ.. حلما كايخ.. يفرغ غير وكال طبايخ).. وفرغ الامر.. وراح كل الى ما افضى اليه.. هناك وهنا.. وظل التاريخ يسجل.. فاما ان تستفيد.. واما ان تستعيد.. واما ان تولى ظهرك له!!

السواح والزوار يجوبون الردهات الفخمه.. يفغرون افواههم.. يشرح لهم الادلاء.. ويستعرضون لهم تاريخ السلاطين. كانت الدولة العثمانيه.. ثم غدت رجلا مريضا.. وبعد حين اتى اتاتورك.. وخاطبه شوقى.. ياخالد الترك جدد خالد العرب.. وترحل عبر تموجات البسفور.. وتعود.. ثم تجد نفسك فى الزحام والبشر والسيارات والحافلات.. وحرارة اسطنبول فى الخريف.

العالم كان مشدودا الى الضربه ثم تاْجلت.. واطفال الغوطتين راحوا هباء.. والالعاب السياسيه تنفجر مثل الالعاب الناريه المزعجه فى رمضان.. وتتوقف. يتابع الناس مشدودى الاعصاب.. ثم يتركون ولا (يعدلون).. لاشىْ يهم.. لكنها اْتية لاريب .وهذا الاسبوع وانت فى رحلتك.. تتذكر فرنسا مولد مفكرها واديبها البير كامو. تحتفى بمئوية ميلاده. ولد فى الجزائر فى مثل هذه الايام عام 1913.. كان جزائريا اكثر من كونه فرنسيا. شعر بالعار مما تفعله بلاده.. كان كامو روائيا فى الطاعون ومسرحيا وفيلسوفا نظر للتمرد والحريه واختلف مع سارتر ونال جائزة نوبل للاداب عام 1957 وتوفى اثر حادث سياره قبيل مدخل باريس فى يناير 1960. كان رائعا وانسانا التزم بقضية الحريه فى الجزائر وكره المذابح والعسف والمقاصل والتعذيب وارتبط باقليم القبائل واحبهم وكتب عنهم.

مضى كامو مثل غيره من الفلاسفه ورواد الحريه والفكر.. ورغم ان (كلما فتح الله بابا للانسان.. اقامت الفلسفه امامه زنزانه)على راْى النيهوم.. فقد عاشت الطاعون واسطورة سيزيف.. وظلت كلمات لكامو حية تقول (لاتسر امامى فقد لااتبعك.. ولاخلفى فقد لااقودك.. بل سر الى جانب وكن صديقى)… وايضا..(لسنا ننشد عالما لايقتل فيه احد.. بل عالما لايمكن فيه تبرير القتل)!! كنت قراْتها منذ سنوات.. واستعدتها منذ يومين من كتاب لم يمروا بذكرى كامو مرورا سريعا.. لايمكن تبرير القتل.. عاشت الحياه!!

مقالات ذات علاقة

تشظّي المرايا

عبدالدائم اكواص

ثلاثُ نمْلات تعبرُ كِتابا *

مفتاح العماري

رواية الحـرز (3)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق