قصة

رحلتك طالت

من أعمال التشكيلي الليبي عبدالحميد الجليدي

رحلتك طالت…
وتقول لك (سوزان) النادلة في مقهى (فانيس) :
ألا تنوي دعوتي للعشاء ذات مرة ؟

كانت صفيقة إلى حد مخجل ، وكانت تعتقد دائما أنك طالب كويتي ، وكانت تعرف بالتجربة أنك إذا دعوتها للعشاء فإنك ستصحبها بعذئذ إلى احدى المراقص أو الحانات ثم تحضر لها هدية صغيرة في اليوم التالي على عادة الطلبة المتخمين!
وتطرق رأسك ملياً ثم تقول لها:
انني في الواقع ، قد جئت لكي اقترض منك مبلغاً ما !
ويكتسي وجهها بالذعر على الفور ، كما لو أنك قد وطأت على ذيل قطة ، ثم تتطلع اليك بازدراء واضح ، وتترك المائدة.

كان ثمة طالبان يجلسان حول المائدة المجاورة ، وكان أحدهما يحكي _ ببساطة _ عن خسارته الليلة الماضية في نادي (كيرزون) للقمار.. كان قد خسر أربعين جنيها ، وكان ينوي تعويض ذلك بالذهاب مرة أخرى الى هناك ، وفيما كان الحسد يحرق أمعاءك ، أقبل صديقك (جو) .
قال بينما كان ينفض معطفه:
الجليد سقط مبكرا هذه السنة ! أجل ، مبكرا.
_ قل لي ، أين كنت خلال اليومين الماضيين ؟
_ لقد انتقلت للسكن في مدينة (بون).. هذا كل ما هنالك.
قال متهللا:
هل تحصلت على عمل ؟
_ لا. لم أتحصل على تصريح بعد.
ويطلب قهوته ، واذ يلاحظ الكتاب الذي أمامك ، يسألك:
_ حسنا ، ماذا كنت تقرأ ؟
_ كتاب همنجواي: (عيد متنقل) .
_ أوه ، أنا لم أقرأه بعد !
وتقول له:
_ انه يحكي بداية حياة همنجواي ككاتب.
اسمع ما يقول هنا:
“حين لا تنال كفايتك من الطعام في باريس ، تشعر أنك جائع الغاية ، ذلك أن كل المخابز تعرض باتصال أشياء شهية في واجهات المحلات… انك تتطلع أيضا إلى الناس المستغرقين في الأكل حول موائد المطاعم المنتشرة فوق الأرصفة ، ويظل في امكانك أن ترى ، وتشم رائحة المأكولات. فأنت عندما تكون قد تركت عملك كصحفي ، ولم تعد تكتب أي شيء مما يود أحد ما في أمريكا شراءه ، مما يفسر لأهلك انك تستطيع أن تصطحب صديقاً معك لتناول الغذاء معاً ، عندئذٍ فإن أروع مكان يتعين عليك الذهاب إليه في باريس هو حدائق لوكسمبورج ، حيث لا يكون في وسعك أن تشم أو ترى أيما شيء يؤكل.. “
أنت تدرك ماذا يعني هذا.. أليس كذلك ؟
وقال (جو) بخفوت:
أجل…. أجل!

رحلتك طالت
وتقول لك العجوز التي تسكن معها:
_ أريدك أن تخلي لي الغرفة.
_ لماذا ؟
وتتوقف الإبرتان في أصابعها عن الغزل ، قائلة:
_ معذرة. ولكنني أحتاج إليها !

كان ثمة سريران في تلك الحجرة ، وتكتشف بعدئذ أن العجوز تريد أن تؤجرهما معا لطالبتين سويديتين ، ثم تكتشف أيضا أنها قد سئمت رائحة جواربك ، وتدخينك حين استلقائك فوق السرير ، مستغرقا في قراءاتك الغبية إلى آخر الليل.
وتحك رأسك كالعادة ، ثم تقول لها بهدوء :
_ أنا يا سيدتي ، غريب محترف ، وقد نمت في كل مكان ، بما في ذلك المحطات ، والأرصفة ، وصناديق الهاتف العامة ، والحدائق… ولست أسفا قط على مغادرة هذه الغرفة… الآن !
ولكن حين تحمل حقيبتك ، وتخرج إلى عرض الطريق ، تدرك انك كنت تتحدث بكبرياء أجوف

رحلتك طالت..
طالت إلى مدى لم تعد تعرف فيه من أين بدأت.. وإلى أين يريدك الله أن تذهب.. وأنت لا زلت تذرع أرض الله بلا زاد تحمله معك سوى رؤاك القديمة ، وذكريات التسول على باب الأصدقاء ، وانتظار الصدقات خلف السور ، والحلم عبر المطر ببيت.. بكوخ ملون ، وشمعة ، ونار ، وزوجة نحيلة تطهو لك طعاما جيدا ، وكلمتين مبهجتين مثل عيني طفل!!

رحلتك طالت..
ولقد شعرت مرارا بأن ثمة شيئا يغتم في قاع قلبك مثلما ينتابك ذلك الإحساس المفاجئ حين يلج بك القطار أحد الأنفاق الطويلة المعتمة ، فيما كنت تتطلع من النافذة إلى الحقول والمراعي الغارقة في ضوء الشمس على مدى البصر ! ولكنك لم تكن تملك أي تذكرة من أي نوع ، وقد مل الكمساريون من شدك من أذنيك مثل أرنب ، وإخراجك من مراحيض القطارات المختبئ فيها ، ثم دفعك خارج القطار في المحطة التالية !!

رحلتك طالت..
وأنت لا تملك سوى حذائك القديم ، ورغبتك الحمقاء في التطلع إلى أقصى مدى ، على حين تعشعش في رأسك كل الرؤى ، وتظل تقاسي عذاب غياب الكلمات.. وعيون الأصدقاء ، والحروف الباردة المعلقة على واجهات المحلات الكبيرة: (ممنوع الدخول بلا رباط عنق) !.

مقالات ذات علاقة

الكرة

عزة المقهور

دجاج عمي الطيب

عزة المقهور

مـلامـح مـأسـاة

عبدالواحد حركات

اترك تعليق