تاريخ

رحلة المريد.. 800 عام من التصوف في ليبيا

تطالع القارئ في تاريخ نشأة التصوف في ليبيا أسماء أعلام مروا أو استقروا فيها وكان لهم دور اجتماعي مهم، حيث دخل التصوف الطرائقي ليبيا في القرن السابع أولها الطريقة الشاذلية، لمؤسسها أبوالحسن الشاذلي – توفي العام 656هـ، ويرجع ذلك لقرب ليبيا من موطن انتشار «الشاذلية» في تونس ومصر، وقد تفرع منها عدد من الطرق الصوفية في ليبيا كالعروسية والزروقية والعيساوية.

وفي هذا التقرير المنشور على صفحات العدد الأسبوعي لـ«الوسط» المزيد من التفاصيل:

التصوف الفلسفي لم ينجح في ليبيا
لم يجد التصوف الفلسفي أرضاً خصبة في ليبيا، وإن تسرب إليها شيء منه في الآونة الأخيرة، ويرجع عدم شيوع التصوف الفلسفي في ليبيا إلى أنه تصوف تعليمي معقد في دلالاته، وإشاراته، بالإضافة لطبيعة البلاد المناخية والحضارية التي حالت دون إقامة علماء التصوف ومفكريه وعزلت ليبيا عن التأثير الحضاري الذي وجد بالعراق وسورية ومصر.

الطرق الصوفية في ليبيا
الطرق الصوفية في ليبيا رغم قلتها فإن لها جذوراً تاريخية تمتد لمئات السنين، ومن أهمها الطريقة الزروقية لمؤسسها الشيخ أحمد زروق البرنسي في القرن التاسع (899 هـ) دفين مصراتة وتتميز بـ «الوظيفة الزروقية» أو «سفينة النجا لمن إلى الله التجا»، وهي مجموعة آيات وأحاديث نبوية تقرأ بعد الفجر، وما زالت تقرأ في المساجد الليبية حتى الآن، ومن الصعب أن نجد في ليبيا زوايا زروقية، رغم وجود مريدين، ويرجع المؤرخ والباحث د. علي فهمي خشيم ذلك إلى الطريقة السلامية المنسوبة لعبد السلام الأسمر التي حجبت شهرة «الزروقية» وحدت من انتشارها.

وفي القرن التاسع الهجري ظهرت أيضاً الطريقة العروسية نسبة للشيخ العارف أبي العباسي أحمد بن عروس بن عبد الله، ولد وتوفي في تونس العام 869 هـ، ولاقت الطريقة العروسية انتشاراً واسعاً على يد أكبر أتباعها الشيخ عبد السلام الأسمر الإدريسي الحسني أحد كبار متصوفة القرن العاشر (981هـ)، وصارت في ليبيا وتونس من الطرق الشعبية التي ينخرط في صفوفها عامة الشعب، وتعد أكثر الطرق انتشاراً في ليبيا وإن كان المد الصوفي يلقى انحساراً ظاهراً في الآونة الأخيرة بسبب ما خالطه من معتقدات تتعارض مع النصوص الشرعية.

وفي القرن العاشر ظهرت الطريقة العيساوية وترجع إلى محمد بن عيسى الفهري السفياني(933 هـ)، وتعتبر من منافسين الطريقة العروسية، ويشتهر أتباعها بإتقان الأناشيد الدينية، والقيام ببعض خوارق العادات كضرب السيوف ومداعبة الثعابين، مما جعلها محل استغراب واتهامها بمخالفة الشرع.

ومن أهم الطرق أيضاً الطريقة السنوسية نسبة للشيخ محمد بن علي السنوسي المستغانمي نسبة لمدينة مستغائم بالجزائر، وإليه يعود الفضل في بث الوعي الديني في شرق ليبيا,.
يقول المؤرخون لمدينة طرابلس «أشهر الطرق في الولاية هي الطريقة السنوسية، وأكثر مناطق نفوذها في البلدان الداخلية وفي مناطق سرت وبنغازي»، من أشهر زواياها في ليبيا زاويتا البيضاء والجغبوب.

أما الطريقة القادرية نسبة للشيخ عبد القادر الجيلاني، أحد متصوفة القرن الخامس، وهو من أشهر متصوفة الإسلام، ولا يوجد في شرق ليبيا أتباع للطريقة القادرية إلا في الآونة الأخيرة، قد لا تصل إلى مئة عام بخلاف مدينة طرابلس فهي أقدم زمناً في احتضان أتباع هذه الطريقة، ولمنتسبيها فضل يذكر في نشر الوعي الديني بطرابلس ونشاط ملحوظ في التأليف.

والطريقة الرفاعية نسبة للشيخ أحمد الرفاعي أحد متصوفة القرن الخامس، وتعد ليبيا من الدول التي دخلتها في وقت متأخر لا يتعدى مئتي عام، ومن أوائل المؤسسين لزواياها الشيخ أحمد الطبجي دفين الزاوية الرفاعية في بنغازي وهي موجودة إلى اليوم.

والطريقة التيجانية نسبة لأبي العباس أحمد بن محمد المختار التيجاني المتوفى العام 1815م، ودخلت هذه الطريقة ليبيا منذ زمن قريب، وأصبحت لها زوايا في بنغازي وطرابلس ودرنة.

ومن الطرق الصوفية التي انتشرت في ليبيا في القرن العشرين أيضا الطريقة العلاوية نسبة إلى الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي، وهو من كبار صوفية القرن العشرين وله العديد من الكتب مثل الرسالة العلاوية، والبحر المسجور في تفسير القرآن مجلدان، ومنهل العرفان، ووجدت «العلاوية» طريقها إلى ليبيا عن طريق الشيخ محمد الفيتوري العام 1935م من مدينة مصراتة ثم انتشرت في بنغازي، ومن أقدم مشايخها اليوم بليبيا عبد القادر بن صالح بن السنوسي الفزاني.

ومن الطرق الشهيرة في العالم الإسلامي الطريقة الدسوقية أو البرهانية نسبة إلى الولي إبراهيم بن عبد العزيز الدسوقي الحسيني المتوفى سنة 676 هـ، التي وجدت طريقها إلى ليبيا عن طريق أحد مشايخ السودان الكبار وهو الشيخ إبراهيم بن فخر الدين البرهاني، وشهدت البرهانية في ليبيا نشاطاً في فترة الثمانينات وكان بدء دخولها إلى مدينة بنغازي، ثم إلى المناطق الأخرى، ولا تصل شهرتها في ليبيا مبلغ شهرة الطرق الأخرى، ولعل مرجع ذلك قرب زمن دخولها إلى ليبيا.

والطريقة الخليلية نسبة للشيخ إبراهيم أبو خليل في محافظة الشرقية بمصر، وكان رجلاً أمياً، ودخلت الخليلية ليبيا منذ فترة قريبة لا تتجاوز أربعين سنة ومركزها مدينة بنغازي.

وهناك طرق أخرى دخلت ليبيا منها ما أصبح نشاطها يزداد، مثل الطريقة الجعفرية، إلا أن انتشارها ما زال محدوداً، وهناك أشخاص ينتسبون إلى طرق لم تدخل إلى ليبيا بصفة رسمية مثل النقشبندية، والخلوتية.

اتهامات وجهت للصوفية والمتصوفين في ليبيا
ذكر بحث نشره مركز المؤرخ للدراسات التاريخية والأثرية «أن عدد الطرق الصوفية الحقيقي في ليبيا الآن هو13 طريقة يتوزع 73% من مريديها على الثلاثة الأكثر انتشاراً، و10% على أربعة طرق تليها في الانتشار، و17% على الطرق الست المتبقية، أما عدد الزوايا الصوفية فهو 659 زاوية منتشرة في البلاد، وهو رقم إداري فقط إذ أن قرابة نصفها خال أو شبه خال من المريدين .

ويؤخذ على التصوف في ليبيا أن أتباعه يشيع بينهم الجهل، وعدم معرفة قواعد الشرع إلا عند فئة قليلة لا تكاد تذكر، ومرجعه إلى عدم وجود الشيخ المربي، والاقتصار على المدائح والأذكار، وخلط كثير من أتباعه بين التصوف السني والاستشراقي، وعدم وجود منهج محدد يسير عليه أتباعه.

كتابات وثقت الحركة الصوفية في ليبيا
واكب نشاط التصوف في ليبيا حركة توثيق وتأريخ لرحلة المريد على أرض ليبيا، فنجد منها «التذكار في من ملك طرابلس وما كان بها من الأخبار» لأبي عبدالله محمد بن خليل بن غلبون، و«المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب» لأحمد النائب الأنصاري، الصادر عن دار الفرجاني، «اليوميات الليبية» لحسن الفقيه حسن، وفي هذا الكتاب نجد إشارات مهمة حول وفيات عدد من العلماء والمتصوفة في أرض ليبيا.

و من المراجع التاريخية الحديثة التي تناولت بعض لأعلام الصوفية مثل «تاريخ ليبيا الإسلامي من الفتح حتى بداية العصر العثماني» للدكتور عبداللطيف البرغوثي، و«النشاط الثقافي في ليبيا من الفتح الإسلامي حتى بداية العصر التركي» لأحمد مختار عمر تناول فيه باختصار ظاهرة التصوف وأورد تراجم لكثير من المتصوفة، و«الزروق والزروقية» للمؤرخ علي فهمي خشيم، و«حكاية مدينة» للأستاذ خليفة محمد التليسي، و«دراسة في الواقع الاجتماعي الليبـي» لجميل هلال، كتاب عبدالله كنون «التبوغ المغربي»، والطاهر الزاوي «أعلام ليبيا» ومؤلفات محمد ظاهر المدني، ومحمد بن علي الخطابي، وعلى الامين سيالة، و«دراسة حول الحياة الصوفية في ليبيا ملف المساجد والطرق الصوفية» بدار المحفوظات التاريخية بطرابلس.

_____________________________
المصادر: بحث نشره مركز المؤرخ للدراسات التاريخية والأثرية.
بحث لعبدالحفيظ عوض ربيع عن المصادر العربية لتاريخ الصوفية في ليبيا.

نشر بموقع بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

جامع احمد باشا القره ملى

حسين بن مادي

ليبيا في العشرينيات..

سالم أبوظهير

ليبيا 21 – عمان 0

بدرالدين المختار

اترك تعليق