المقالة

رحلة إلى لبنان

علي لطيِّف

من أعمال التشكيلي عبدالرزاق حريز

“تخيل أنك في بيتك ومحاصر بأربع قبضايات بدهم يقتّلوك وإنْت ما عندك شِيء بتدافع به على نفسك؟ شو بتعمل؟”
“وهذا بيعني إنك تستنجد بإسرائيل؟” سأل الرفيق
“أنا ما باستنجد بإسرائيل فقط، أنا بستنجد بالشيطان بذاته.” رد عليه جوزيف صاحب بار (الجحيم) في سبعينات القرن الماضي.

لبنان هو لبنان. قال السيد حسن نصر الله في أحد خطاباته خلال أو (بعد) حرب تموز. لبنان لم تكن لبنان، كأن الجميع يكذبون على بعضهم البعض أن ستة عشر سنة من القتل والدمار لم تحدث قط. أول ما لاحظته وأنا قاطن في هوتيل لا كريون (فندق القلم) أنني محاصر بالكتائب اللبنانية والأغنياء من كل مكان. لست أحمل أي ضغينة على الأغنياء، لكن منظر المتسولين في شارع الحمراء في بيروت يثير فيّ أفكاراً عن الثورة البلشفية والعنف.

*ما هي بيروت؟
بيروت مدينة تاريخية يقطنها بعض البشر، صغيرة وضيقة، مليئة بالمراكز الفنية النخبوية والنساء الجميلة والأغنياء والهائمين والبؤساء والعاهرات والسوريين والأوروبيين.

في يوم 27 نوفمبر من العام الماضي، كنت في مركز ثقافي صغير يدعى دواوين، به مكتبة صغير، فيها كتب على السينما والموسيقى والكثير من اللبنانيات واللبنانيين والأجانب وأنا. شاهدنا فيلم لمخرجة أجنبية عن الثورة المصرية، كان فيلماً سخيفاً يتحدث عن الجرافيتي، كل من يرسم شيئاً على الحائط يظن نفسه بانكسي! كان وهما استشراقيا أخر، وهم فن الثورة المصرية، الفن النخبوي، وهم جمال الثورات. الثورات ليست جميلة، الثورات لعنات بشرية نتيجتها متعلقة بمدى امتلاك الشعوب للحظ، إن لم تكن تملك حظاً ستتحول إلى ليبيا أو “اليمن”، ميليشيات قبلية ودينية تتقاتل من أجل الصحراء والنفط. أنا لا أفهم لما يتقاتل البشر من أجل تراب ونفط؟ الحرب أبداً ما كانت مجيدة، الحرب بشعة وكريهة.
إيلي سائق حافلة الفندق في بيروت كان مقاتلاً في حزب الكتائب اللبنانية (الموارنة)، كان مقاتلاً فخوراً، قتل وسرق ودمر وهو فخور بما فعله، أغلب المقاتلين في الحرب الأهلية من جميع الأطراف فخورون بمشاركتهم في الحرب، ربما يوجد بعض منهم ندموا على كونهم جزء من الحرب، إلا أنني للأسف لم أقابل أي أحد منهم. في طرابلس الغرب العكس، بعضُ ممن أعرفهم نادمون على قتالهم في عام 2011، أتذكر أن صديق لي يدعى أحمد قال لي : لو كنت أعرف ما كان سيحدث في المستقبل لما قاتلت. أحمد ما بعد الحرب كان يستيقظ مرعوباً من النوم بسبب ما رأه خلال المعارك التي خاضها، نصحته أن يأخذ بعض الحبوب المنومة، نصف حبة لورازيبام تجعلك تنام كالرضيع، لا أعرف إن إستمع لنصيحتي أو لا، لكنه متأكد أنه لا يريد أن يستيقظ مرعوباً مرة ثانية.

في جبل لبنان، الكل أغنياء، معظمهم أعتقد، وبطريقة جيدة ما، الكل كان يناصر رفيق الحريري بالرغم من كونه مسلم ومن الطائفة السنية، لا يساندونه لأن مباديء المواطنة غمرتهم هكذا فجأة، بل لأنه بنى لهم بيروت، الداون تاون، حي الأِشرفية، شارع الحمراء.. إلخ، أعتقد أن المذهب أو الدين عامةً لا يهم إن كان السياسي قادر على البناء والتنمية، رفيق الحريري كان قادراً على ذلك، لذا أحبه الجميع، ما عدا حزب البعث السوري بالطبع، الذي يعتقد أن لبنان جزء من سورية وأن رفيق ينفذ أجندات “الخنازير” و”عملاء الإمبيريالية”.
رفيق كان ببساطة مثالاً صريحاً على أن الله قبل أن يكون في السماء هو في الأرض ودينه الاقتصاد وأنبيائه الأوراق النقدية.
عندما سألت االلبنانيين في بيروت عن الخليجيين، معظمهم كان يشكرهم، أظن أن رأس المال ومتوسط رواتب يبلغ 450 دولار يجعلك تشكر كل السياح الذين يصرفون العديد من الدولارات من أجل أن تعيش، وكما نعرف الخليجيون يملكون مالاً كافياً ليُغرقوا به العالم.

بدأت الحرب الأهلية اللبنانية بسبب ذعر الجميع وخوفهم من بعضهم البعض. في السادس من مارس مات السياسي القومي “معروف سعد” مؤسس التنظيم الشعبي الناصري مثأثراً بجراحه بعد محاولة اغتياله في مدينة صيدا يوم السادس والعشرين من فبراير خلال مظاهرة لصيادي السمك للمطالبة بحقوقهم. لا أحد يعلم من اغتال معروف، فلقد ظلت ملابسات الجريمة غير واضحة إلى اليوم. اغتياله كان أحد الأسباب الرئيسية لتهئية وضع نشوب الحرب الأهلية في لبنان. ما بين مظاهرة لصيادي السمك وحفل تدشين كنيسة للكاثوليك ومحاولة اغتيال بيار الجميل الغبية بدأت الحرب. الإله والبحر أوسع ما وُجدَ في الوجود احتضنا الحرب وباركاها.
ليس مهماً من كان السبب في بدأ الحرب، المهم هو ما حدث بسببها. لم يحدث مرةً في التاريخ أن كانت نتيجة الحرب الحياة، النهاية دائماً الموت، والأبرياء هم الخاسرون الأكبر دائماً وأبداً. بدأت لبنان بأقل من 3 مليون إنسان، مليون منهم هاجر بسبب الحرب، 200 ألف منهم قُتل، 17 – 20 ألف مفقود، وأكثر من 100 ألف معاق. الحرب انتهت عندما قرر ممولوا الحرب نهايتها، كان ذلك اليوم من أسعد أيام الأخضر الإبراهيمي، استيقظ الرجل العجوز في الصباح الباكر، حلق ذقنه، غنى أغاني عن الحب والسلام وارتدى بذلته الايطالية ولبس نظاراته الطبية الضخمة وخرج من غرفته وهو يبستم ويبدو كحذقٍ من وول ستريت.
اجتمع الفرقاء مرتدين بذلاتهم الغالية، كانوا يبدون كالغانيات اللاتي ارتدن فساتين شانيل جديدة، جلسوا على طاولة فخمة في قاعة فخمة بعد أن أكلوا فطوراً دسماً في الطائف غرب المملكة السعودية ووقعوا اتفاق نهاية الحرب في يوم الثلاثين من سبتمبر 1989. وهكذا انتهى كل شيء، توقفت الحرب، وُقعت بعض الأوراق بأقلام لا تساوي شيئاً وابتسم الجميع ثم تغذوا مع بعضهم البعض وانتهى الأمر بعد 15 سنة من الموت والبؤس، انتهى الأمر ببعض النكات السعودية عن الصحراء.

كنتُ جالساً في فندق لا كريون، انتهت العاصفة أمس، للأسف اصبت بالبرد، حمى وأنف أحمر وحلق ملتهب وشفتان حمروان وهربس على شفتي السفلى. كانوا يعزفون على العود وينكتون نكتاً على سورية والله والوجود والحرب، عازف العود كان سيئاً، كوني سكران ومريض لم يجعلاني أنزعج من عزفه السيء. معي كانوا مجموعة من الأصدقاء التونسيين من منظمة تعمل في الجنوب التونسي، وعدة مصريين من منظمات ثقافية مختلفة، كانوا يغنون ويضحكون ويشربون العرق والنبيذ وجاك دانييلز ويدخنون السجائر، سألوني من أين؟ أجبتهم أنني من ليبيا، كعادة العرب هم لا يعرفون عن ليبيا سوى معمر القذافي، وكعادة العرب عندما يقابلون أي ليبي يسألونه : هل حقاً فعل القذافي ذلك الأمر؟ هل حقاً قام بذلك الشيء؟ وفي أغلب الأحيان يطلقون النكت على معمر القذافي، بعضهم يقلده والبعض الآخر يشعر بالشفقة علينا ثم يضحك، ونحن بالطبع دائماً ما نجدنا في موقف محرج، إما نتظاهر بالضحك، إما نرد عليهم بجفاف تام، إما ندافع عن معمر القذافي عن طريق اطلاق النكات عليهم. معمر يطاردني في كل مكان، لقد استطاع أن يكون ليبيا، وليبيا هو. أظن أنني أهنئه على ذلك، أغار منه أيضاً، استطاع الرجل أن يجعل وطناً كاملاً أكبر من المملكة البريطانية مساحةً بثلاث مرات له، لا تتكلم إلا كلماته ولا يتنفسون إلا هوائه، وأصبحنا لمدة أربعة عقود ونيف نصدر شخصه وبطولاته وثورته الأبدية ومقولاته وحروبه لا غير (بجانب النفط طبعاً).
المحزن، السيء، التعيس، أننا لا نحب الاعتراف أن الشيء المشترك الوحيد فينا كليبيين هو القذافي، لا يوجد ليبي لم يؤثر فيه القذافي؛ هوية القذافي هي هوية ليبيا الحديثة، وهوية ليييا الحديثة هي هوية القذافي. لقد صنع الديكتاتور ديكتاتوريته وكانت تدعى الجماهيرية وكل من فيها تعلم في فصله من يديه، تعلم منه كيف يكون ليبياً مثالياً كالأخ قائد تماماً.

كنتُ أريد التبول على صخرة الروشة، إلا أن ضميري لم يدعني أفعلها، كنتُ أريد التبول على صخرة الروشة من أجل لبنان، من أجل الرئيس الذي لم ينتخب بعد، من أجل رحيل زياد الرحباني إلى موسكو، من أجل حزب الله وحزب الكتائب والجيش اللبناني، من أجل الشيخ الأسير، من أجل تيار المستقبل، من أجل ملكة جمال لبنان، من أجل هيفاء وهبي، من أجل حسن نصر الله وفلسطين والحريري، من أجل جريدة الأخبار وتلفزيون المستقبل، من أجل العاهرات في جونيه، من أجل اللاجئين السوريين، من أجل القذافي، من أجل ليبيا، من أجل الإنسانية جمعاء؛ لكن البرد كان شديداً وقضيبي كان ليتجمد إن تبولت على صخرة الروشة.

“معذرة لو ضايَّتك بدخان السيجار.” قال الرجل
“لا توجد مشكلة، على العموم السيجار الذي تدخنه جيد حقاً.” قلت له
“اَلولي إنه أوريجنال من كوبا، بس ما بْظُن، ما في أي شِيء أصلي في لبنان.” قال لي الرجل
كنت قد دخنت السيجار ذاته بيومٍ ما، عمي كان في كوبا وجلب منه لأبي، سألتُ والدي لو كان بامكاني أخذ واحد. كان سيجاراً جيداً حقاً. عمي اليوم مستقر في هولندا، أمستردام على الأرجح، على مدار أكثر من 4 سنوات بعدما تخرج من كلية الطب بسنتين قرّر أن لا شيء يستحق البقاء من أجله في ليبيا، فلا شيء أصلي، لا شيء أورويجنال؛ أتذكر نصحيته لي ذات مرة :
“أكبر خطأ في عمرك أنك تدرس الطب؛ على العموم أنت لا تستطيع العودة بالزمن، سأقول لك شيئاً، عندما تتخرج لا تبقى هنا طويلاً، إعمل لمدة ثم سافر وشاهد العالم بالمال الذي تحصلت عليه، وأعد الكرة مجدداً، وهكذا إلى أن تجد مكان كل شيء فيه أوريجنال بالنسبة لك، عندها لا تعد إلى ليبيا مجدداً.”
أكمل الرجل سيجاره ثم ودعني وذهب، بقيت هناك جالساً أراقب البيروتيين (أهل بيروت)، يبدوون عرباً مثلنا! هذا ما خطر على بالي في باديء الأمر، ثم فاجئني أنني وجدت شيئا في نظراتهم لا نملكه، الخبرة، أجل هذه هي، الخبرة التي تكتسبها من العيش في الحرب وجمهورية الموز، ربما لهذا كان الرجل الذي يدخن السيجار ودوداً معي، ربما لأنه نظر إلى عينيّ ورأى ذات الشيء الذي رأيته في أعين البيروتيين بعدما ذهب، أننا كلانا نعيش في بلدان دمرتها الحرب الأهلية والصراعات التي لا يبدو كأنها ستنتهي قريباً، أننا كلانا رأينا جثثاً تنهشها الكلاب، أننا كلانا سمع صرخات والدته عندما يبدأ اطلاق النار ، أننا كلانا فقدنا أرواحنا منذ فترة، أننا كلانا فقدنا إنساناً عزيزاً علينا بسبب الحرب، أننا كلانا نعيش في بلد لا شيء فيه أوريجنال، لكننا نختلف في شيء واحد مهم جداً، هو تعوّد على الحرب، أنا لم أستطع أن أتعّود بعد.

على العموم يبدو أن الحرب ستبدأ من جديد في لبنان، حزب الله يتوعد وإسرائيل ستكون في الميعاد.

سألني صديقي (م) بعدما عدت إلى طرابلس – التي يبدو أنها ستتحول إلى إمارة يحكمها البغدادي من الرقة عما قريب – :
“ماذا عنت لك بيروت؟”
“عنت لي الواقع المُجرّد من أوهام الشعراء.”
“ماذا عن العاهرات؟”
“لم أفهمهن لأقترب منهن.”
“عن المقاومة؟”
“بلا فائدة.”
“هل أحببت لبنان؟”
“إنها تُشبهني في يومٍ جيد.”
“في الأيام الجيدة يا رفيق، أنت تبدو كفيروز!”
“فيه أمل, إيه فيه أمل, أوقات بيطلع من ملل.”.

مقالات ذات علاقة

حكاية لطفل أعرفه في غزة

الصادق النيهوم

خربشة على حائط الفجيعة

المشرف العام

طيوب و..”تكنوفوبيا”

المشرف العام

اترك تعليق