النقد

رجل بأسره يـمشي وحيداً.. للشاعر الليبي مفتاح العماري

الأنا المنجزة والأنا التائقة


إن الكتابة عن شاعر مثل مفتاح العماري ليست في منأى عن المغامرة بقدر ما تبدو نصوصه الأنيقة – المتكئة عن تجربة ذاتية حافلة مقتنصة بشكلها البصري لتبني فضاءها المعرفي.. ممتدة من الذاتي إلى الموضوعي ومن التخييلي إلى التجسيدي ومن الحواسي إلى الفكرة ومن الرؤية إلى الرؤيا – بقدر ما تبدو أكثر مغامرة في تفكيك مكونات هذه الذات المكتظة.

العماري الذي بدا في مجموعته الأولى (قيامة الرمل) أكثر إيغالا في تلمسه المحموم لهاجس الحرية عبر نفس صوفي خالقاً عالمه الغيبوبي العصي على التجسد، هذا بالرغم مما حفلت به القصيدة الطويلة (قيامة الرمل) من صور بصرية وحضور للذاكر كثيرا ما كان يكسر حدة التهويمات الصوفية والتي كانت من الطبيعي أن تفضي بنا إلى نهاية رومانسية لحالة متشربة تحاول مقارعة الواقع بكل تجلياته.

نراه في هذه المجموعة اكثر التصاقا بجزئيات محددة في هذا الفضاء الشعري المترامي الدلالات.

إن القصيدة الأجد كما يفترض هي القصيدة التي لا تتطاول على المطلق ولا تتنطع لقول العالم بكليته بل هي قصيدة الجزئي التي تسعى للقبض على العالم في لحظة منه أو جانب فيه بعيدا عن البذخ القاموسي المبتذل أو اللغة الشعاراتية والسياقات المكررة لمفاهيم محنطة.

وهذا ما يجعلنا ننظر إلى تجربة الشاعر مفتاح العماري – الذي تعد قصيدته نموذجاً لهذا النص الجديد وان كان كثيراً ما تستهويه أناقة المفردات ويستدرجه إغراء الصورة الشعرية بعيدا عن رؤيا القصيدة ويظل هذا المنحى الجمالي من أهم ما يميز تجربة العماري – ننظر إليه باعتباره يكرس فترة مخاض طويلة للقصيدة الجديدة في ليبيا التي تحاول أن تخلع عنها سلطات النص المتعددة.

سأحاول هنا أن اركز على جزئية حضور الذات في بناء قصائد ديون (رجل بأسره يمشي وحيداً) أي بمعنى إلى أي مدى كان اتكاء الشاعر على التاريخ الذاتي منهجاً لقراءة الواقع التاريخي الذي يعيش فيه والى أي مدى تصعد (أناه) إلى محاولة التماس الأخر… الآخر الكائن أو الأخر المحتمل.. خصوصاً في هذه الفترة التي بدأت تخرج علينا بشكل هائل وفي الشعر العربي عموما – تجارب الذات المحتفية بنفسها المكتفية بتاريخها والمغلقة، والتي كثيرا ما تسقط أمام أسئلة الواقع.

إذا نحس في هذه المجموعة أننا أمام تجربة ذاتية خصبة سنحاول التركيز عليها كجزئية في نصوص لا تخلو من بناها اللغوية والفلسفية التاريخية والتي حسب ما بدا لي من قراءتي لهذه النصوص أنها تأتي امتدادا لتجربة ذاتية تصوغ من جغرافيا الذاكرة مكانا لرؤى تحتكم إلى واقع يركن إلى معرفة محددة أو إطار ثابت، وبما أن التاريخ الشخصي حاضر وبأشكال مختلفة وسياقات متباينة في معظم قصائد هذا الديوان فإنني سأركز على حضوره اللفظي.. ويمكن وأرجو أن أكون مجحفا أن اختصر تاريخ الشاعر في مرحلتين:

– الطفولة الغامضة المختلفة عادة وراء حضور الأم.

– والجندية كمرحلة مهمة تشكل خلالها العماري ثقافياً وشعرياً.

من خلال هاتين المرحلتين برزت (أنا) الشاعر -وكما قلت سأركز على حضورها اللفظي- والتي كانت عبر قصائده تتأرجح بين الأنا المتحققة.. والأنا التائقة.

من أولى قصائد الديوان (الشيطانة النائمة) لم يكن للأنا حضورها المتضخم أو المعزول.. ولكن كانت هناك أخرى مخاطبة تخلق علاقتها الجدلية معها.. الأخرى.. ربما العشيقة.. البلد أحياناً أو الحرية.

(أنا المغرور بكِ

العابر مكتفياً بنفسه لأنك معي

لأنك امرأة تشبه نفسها

لم أرها تخالف الغد أو تشتكيه)

هذا الأنا ذات تحققت بوجودها هي المخاطبة. ورغم أنه يكتفي بنفسه وهي أيضاً تشبه نفسها.. فإنه داخل هذا الانكفاء كانت تتشكل علاقة تحاول القرار من عزلة الراهن وصدمة السائد إلى مستقبل خال من الخوف يشكل حلما رومانسيا أكثر منه رؤيا تعتمد على قراءة واقع أو إخصاب رؤية وهكذا يندرج حضور الأنا بكل أزماتها وتأرجحها بين التحقق والتوق بين الواقع والحلم.

(أنا الفتى الخائف

الشاب العربيد

العابر الضروري

الضيف خالق الوقت والمسرات

الزوج الآبق الوفي

الولد الشقي

حامل الألعاب والمطر)

مقالات ذات علاقة

حقوق على ضفاف الوحل

المشرف العام

البناء النصّي في شعر عبدالمنعم المحجوب (13) .. عداء الأمكنة وقوس التحولات

المشرف العام

قصيدة النثر في ليبيا..

المشرف العام

اترك تعليق