المقالة

رجلٌ يُهدى لامرأة لا تباع!

من أعمال الفنان محمد الشريف.

(أبجد)

وصلتُ إلى العُمُر الذي يرى فيه المجتمع، عدم زواجي؛ منقصة يجب تداركها سيما بعد إغراءات رئيس نجعنا الموقّر، وإجراءاته. هناك قـنـBـلة موقوتة على جبينك أيّها الثلاثينيّ العَزَب، تزداد مع مرور ما تبقّى من سِنيّ عمرك في ليبيا؛ تكتكةً، وبصوت مستفزّ.

كلّ من تلقاه يسألك ذاك السؤال الأهوج، الذي تعرفه عزيزي الوحداني، ولا داعي لكتابته -ولكلّ سائل دوافعه-، حتى القطط التي تؤنسني في وحشتي، وأطعمها كلّ صباح؛ أظنّ أنّها تتمتم مُواء السؤال نفسَه.

(هوّز)

هناك سؤال آخر موازٍ: ما هي المواصفات التي تبحث عنها، يا غزال أمّك؟ إذ لا بدّ لهم أن يبحثوا لك، فلا صاحِبة لي ولا بلد. سؤال المواصفات لم أستسغه يوما، حيث يُحيلك استخدامه في سياقه الثقافيّ إلى الشكليّات فورا، وهو سؤال يعكس ثقافة المجتمع الاستهلاكيّة، التي حوّلت الزواج إلى تكاثر، والمودّة إلى مِصيدة، فكان من الطبيعيّ أن استحالت السكينة سُوقا.

تقول أمّي: تزوّج بنت خالتك فنحن نعرفهم. يقول شريكي في الصيدليّة: تزوّج صيدلانيّة تعينك. يقول صديقي العازب: تزوّج “سوّاية” تجيد الطبخ. يقول ابن عمّي المتزوّج: لا تتزوّج!

كلٌّ يقيس نُصحه على نفسه. وما من صاحب نصيحة إلا وله حظّ منها، بدرجة من الدرجات؛ فتنبّه!

(حِطّي)

لا يوجد أشدّ ضررا على الجمال من الاعتياد؛ فألفة الشيء تحجبك عن مواطن تفرّده. ينطبق الأمر كذلك على الكلام، فهناك كلمات عميقة المعنى، واستعارات جليلة الأثر؛ كتمت بلاغتَها كثرةُ لوك الألسنة لها. فاز -حقّا- من استطاع أن يحافظ على دهشة الطفل في تعرّفه على الأشياء، وتفرّد من رأى بعينه لا بنظّارات مجتمعه، وقبليّاته.

من بين هذه الكلمات لفظ “زوج” ودلالاته، وبعيدا عن تراكماتها الاجتماعيّة والدينيّة، نجد أنّ الكلمة في إحدى حقولها اللغويّة؛ تدلّ على ثنائي يكمّل أحدهما الآخر، بحيث يتشابهان ولكن لا يتطابقان. لذلك ترى أنّ الأفصح لغةً في لفظ “زوج” ألّا يؤنّث ولكنّه يُثنّى، إذ هما زوجان وكلّ منهما زوج الآخر؛ فهما وحدة واحدة (A Set of Two Things Regarded As a Unit).

وهذا لعمري يختصر فكرة الشراكة الحياتيّة برمّتها، ويختزل فلسفتها دون كثرة هذر. ويبقى التكافؤ والتغافل -على كلّ الصُّعُد- مفتاح نجاح التجربة، لزوج بهيج.

(كلمُن)

لعلّك لاحظتَ أنّي أتهرّب من الإجابة، بذكر أمور ثانويّة تلهيك عن سؤالي، محاولا استغفالك. أعترف بذلك، وسأجيبك عن شرطي المهم، فأقول: أبحث عن زوجٍ لا تزيد عليّ غُربتي في بيتي وبيئتي. غربةٌ أعيشها، وأخشى أن تكون قَدَرِي، وأخاف أن أضيف قناعا آخر فيخنقني. والله المُستعان.

مقالات ذات علاقة

المفكر الليبي عبدالله القويرى ومشكل الهوية

أحمد الفيتوري

فك اشتباك بين الكتاب والصحفيين

عبدالرزاق الداهش

فماذا تمطر سماء طرابلس؟

قيس خالد

اترك تعليق