النقد

رجـفـة الاشـعـاع

 

محمد الزيات

قراءة في  أعمال رضوان بوشويشة التشكيلية تحدث عملية الجدل المرجوة بين اللون وأدوات إظهاره من ناحية ومن ناحية أخرى الإحساس الكامن بالداخل ذلك الغامض الخبيئ الذي لولا تلك الومضات الحدسية لبقي  في  القمة.

يؤسس رضوان بوشويشة لوحاته الأخيرة بألوان تضمن التأثير على اللون الأخير  ،  فالأصفر ليس أصفر،ولكنه أصفر مشع بإضاءة   داخلية   تأتي  ليس فقط عبر مزج معين بمجموعة ألوان،وإنما للتأسيس الخفي  الظاهر في  شكل إضاءة تعمل على تحويل الأصفر إلى أصفر خاص برضوان بوشويشة.

كما في  الأخضر الذي  تحمله أرضية سوداء بضربات عمودية تخفي  تحتها طبقة بيضاء،ليتحول بذلك الأخضر بلونه المحال الذي  تحصّل عليه إلى مختزن للوعة تنعكس على استقبالنا له، لا تحيل إلى شيء خارجنا،وإنما تحيلنا إلى كائن  يعايش لحظة انبجاس النسغ الأول للأشياء في  مادتها الخام… في الطبيعة، تلك الحاملة لعناصر نمائها وعناصر انهدامها في  البياض المختفي  خلف طبقات الألوان المظهر للأسود المختفي   بدوره تحت الأخضر.. ليس تماماً،ولكنه  يومئ بالقلق وعدم استقرار البصر على قرار،ليضع الرأي  في  حيرة تهز الثبات الأيقوني  للألوان.

إن المتلقي  المستبصر  يستطيع أن  يمدد استرساله مع تفكيك هذا التمازج بين الأسود والأخضر فلا  يخطئ دلالة الأخضر كما أسلفنا من نسغ  أول للنماء وهذا هو طابعه الأيقوني  والرمزي  إذا استبعدنا الحقل الدلالي  ،  الديني  والسياسي،ولكن  يحتاج الأسود إلى استدعاء السلسلة الموضوعية التي  تعين دلالته في  حقله الحضاري  الآني،وليس كالنفط شيء أو عنصر  ،  يتوازى مع عنصر النماء في  الطبيعة فهو أيضاً  يرتبط من هذه الناحية  -النماء- بالأخضر .

حيث  يشكل   النفط نسغ  الحضارة الحديثة كما  يشترك الأخضر من ناحية المصدر   أيضاً  فكلاهما طرح الطبيعة.

وربما شكل اللونان في  تمازجهما عملية إمحاء لتلك المحددات التي  تتوزع بين إثبات الهوية والمعرفة .

معرفة   تجذر الهوية في  تاريخ ما قبل التصحر  ،  حيث الخصب والنماء ليس فقط ما تشهد عليه رسوم كهوف الصحراء والأكاكوس ولكن ذلك الشاهد الحاضر،حيث النماء المطمور  – النفط  – الأخضرالذي  تحول إلى الأسود بفعل الطمر،  ليعاود الظهور بعد أكثر من اثنتي  عشرة سنة  . مشكلاً  بذلك العنصر الضامن للاستمرارية .

حيث العنصران عنصراً  واحداً  متحولا.. هنا المعرفة   تبني  التصورات هذه البناءات التي  كانت فجة في  أعمال بو شويشة الأولى تنمحي الآن في  أعماله الأخيرة ليتخلص بذلك عبر فن الرسم من سيطرة الايديولوجي  ليصبح الأخير في  خدمة الأول،  ولتختفي  سلاسل الزمن الموضوعي  لحساب الزمن الفني  في  عملية إمحاء عن طريق مزج الألوان تارة،  وأخرى بمراكمة   طبقاته وأخيراً  عبر حاسة اللمس . مستثمراً  سقوط الضوء الصناعي  على الأشياء  ،  وملتقطاً  أثره الممزوج بالضوء الطبيعي  في  حالة امتصاص للحظة تحوله   الرهيف. وباثاً طاقته الحيوية في  مزيج لونه الخاص،  إلى رجفته المشعة.

وتظل التقنية هي  الشاغل الأوحد عند رضوان بو شويشة فعبر اتصال الزمن الداخلي  بالزمن الخارجي  يتشبت الفنان بلحظة ضوء سريعة   الزوال ربما مع انبلاج الفجر وتنفس الصبح أو هي  عندما  يلفظ النهار أنفاسه الأخيرة بعد الغروب.

إن كل لوحة عند رضوان بوشويشة،تؤسس لشيء سرعان مايندمج في  عملية هوية ومعرفة.

ولكن من تدفق أعماله  يتسرب إحساس داخلي  بالزمنية  ينساب متسرباً  إلى الومضات الحدسية.ومروراً  بالعمليات الإدراكية الحسية والتذكرية والتخيلية،والتي  تم تنشيطها عبر سلاسل لزمن موضوعي… سلاسل متصلة بتصور  ينحو تجاه انبناء الذات في  مجازفة تؤدي إلى تبديدها في  ذات الوقت،ليدخل بذلك من خضم إشكالية الفضاء التشكيلي  المعاصر الذي  يكافح ضد سيطرة الأيقونات الجاهزة.

وباحثاً  عن لونه الخاص، يخوض بوشويشة صراعاً  تقنياً  مع الألوان ليجبرها على التحول من حالتها الخام   إلى حاملة لإمكانية الإحالة للآثار المتبقية في  الإحساس  ،  مواجهاً  صعوبة خفض الإبصار المسبق على الرؤية  ،  وسبق الزمن التاريخي  على انبجاس الزمن الداخلي ليفسح المجال   أمام المدى التخيلي  في  محاولة لتقليص وتنمية سلاسل الزمن الموضوعي  المتصل بالبناءات التصورية .

في  لوحاته الأخيرة  2009-2008 كان بوشويشة قد بلغ  زمنه الداخلي  الخاص وتمكن من   ملامسته في  عملية استغراق شملت ليس فقط حاسة البصر،ولكن أيضاً  حاسة اللمس  ،  والتي  لم  يستخدمها هنا لتحسس الملمس وإنما بالدرجة الأولى لعملية دعك مواطن في اللوحة بالإصبع أو بالكف.

هذه الخاصية اللمسية ذات القدرة العالية،  قادرة على شحن اللوحة بطاقة حيوية أثناء الاشتغال المستغرق،وفي  حالة حوار مستمر بين اليد   والبصر   تكسب القدرة على تذوق اللون   فيستمر عمرها لثوان   معدودات. عند هذه أو تلك تكون درجة الضوء عند الحياد،تاركة الأشياء دون إضفاء معنى من خارجها  ،  لتكون مرئية دون زينة وليتحصل بذلك على لون محايد  ،  يضمن للأشياء أن تكون على حالها  .

هذا الاقتناص للحظة   الضوء البريئ  ،  هو ذاته الذي  يجعل الأشياء بريئة من الحكايا  ،  فتقوي  نفسها ولاشيء  .

هذا ما سجلته آخر لوحاته وإذ  يختار درجات البنى القديم المائل   الصدئ  ،  يكون قد نفى عن الطبيعة ماتوحي  به صفة البراءة من طفولة ضامناً  لها براءتها مـــڑن  غبث الإنسان وقدمها في  آن.

ولم  يكتفِ  بو شويشة   بما وصل إليه اللون من تعبير إذ به  يضربها بفرشاة بيضاء من اليسار إلى وسط اللوحة ليتماس الخط مع قمم التلال الصخرية الصغيرة،  ربما في  محاولة منه إبراز قدم درجات البني  في  تعارضها مع الخط الأبيض الذي   بدا وكأنه البقايا الباقية من عصر جليدي  ذائب .

مقالات ذات علاقة

تسكع على أرصفة الذاكرة بحثًا عن الذات

رحاب شنيب

دراسة لجماليات السرد في القصة القصيرة.. قصة نعناع للشيماء الغرياني أنموذجا

عبدالحكيم المالكي

الفيلم الليبي القصير “العشوائي” يرصد ظاهرة التصنيفات الحادة بالمجتمع الليبي بعد فبراير

إيناس المنصوري

اترك تعليق