قصة

رجاء وترقُب

من أعمال التشكيلية السورية ريم يسوف (الصورة: عن الشبكة)

رائحة التعقيم، أصوات الضوضاء، الألبسة البيضاء، الممرات الطويلة، أصوات الأجهزة، بتنا نمقت كل هذا لم نعد نحب هذه الاماكن او الروائح، ضوضاء المستشفيات، وحتى الأطباء. فمنذ ثلاث سنوات ونحن نتعايش مع كل هذا، بت أحفظ المصطلحات الطبية، المسكنات، الادوية، التشخيصات، كل شيء، ربما سأصبح طبيبا بالخبرة بابتسامة يملؤها الحزن قالت:

لا تقلق يا حمزة كل شيء سيكون بخير، سأطلع على التحاليل والصور وسأفعل كل ما بوسعي.

– أرجوكِ جئت مُتأملا وأعتذر على حديثي الفض، قالو أنها سترحل قريبا، لم أستطع أن أحتمل أرجوكِ لا تدعي روحي تحترق هذا الذي في يساري ينبض لأجلها لم أعد أقوى على رؤيتها وهي تتألم ليلا بجانبي، تذبل أمامي في كل ثانية.

منذ أن تعرفنا وهي هادئة، قليلة الكلام أفهمها من عيناها، ملامحها، حركاتها، أحببت كل هذا لكنني اليوم أكره صمتها أكره أن تهرب بعينيها مني وتغير حركاتها حتى لا أقلق تخاف حزني لا تعلم بأنها تشعرني بضعفي. ألوم نفسي ألف مرة في الدقيقة، فهي تفقد كل تفاصيلها تنهار أمام عيناي تخار قواها تتألم ولا تنبس بكلمة أصرخ بداخلي لما لا تتحدث وتخبرني لما لا تشاركني بما تشعر ليتها تنطق تصرخ وتحطم كل شيء صمتها يقتلني.

– سأخبرك بأجوبة كل ما يدور في رأسك والآن هيا دعنا نذهب لأتعرف عليها.

طرقات خفيفة على الباب ثم هممنا بالدخول:

– صباح الخير .. أنا الطبيبة أيار كرم

– أهلا بك، حدثني عنكِ حمزة كثيرا ستتبعين حالتي أليس كذلك.

-نعم هل أصلح لذلك.

ابتسمت، وقالت: لا تتعبي نفسك اننا على المحك وقد شارف الطريق على الانتهاء فقط هو لم ييأس ولازال يجذف رغم أننا نغرق.

جلس بجانبها وربت على يدها وقال:

– ستكونين بخير، أيار من أفضل الأطباء هنا..

– سنجري بعض الفحوصات والتصوير المقطعي ومن ثم يمكن أن تبدأ رحلتكما.. لا يمكن أن تكونوا في باريس مدينة الاحلام ولا تتمتعوا بسحرها.. سأجهز لكما قائمة بأهم المعالم السياحية وبعض الاماكن التي عليكم زيارتها.

أنتِ مريضتي منذ اليوم لا ينقطع الأمل بالله طالما أننا نتنفس فهناك أمل جديد كل يوم.. بالمناسبة حمزة غريق الحب لذلك لازال يجذف.

علت وجهها النحيل ابتسامه وقالت:

– شكرا لكِ سأعتبره تعويض عن شهر العسل السابق.

عن اذنكم الآن لدي مرضى وبعض الاعمال سأكون في مكتبي بعد ساعتان يمكنكم المرور من أجل القائمة أتمنى لكم يوم سعيد

خرجنا لإكمال الفحوصات.. امسكت بيدي وقالت: ألم تتعب وأنت تبحث عن الأمل لا جدوى من كل هذه الفحوصات الجميع قال انها مسألة أشهر لا أكثر دعنا نعشها بسلام.

امسكتُ بذراعيها ووجهتُ عيناها نصب عيناي:

– حنين وعدتك أن أتوقف عن المحاولة وأنها المرة الأخيرة، فقط هذه المرة ولن أتعبكِ أكثر أرجوك دعينا نكمل ما طلبته الطبيبة ونذهب سنستمع بأجواء باريس الشتوية.

طرقات خفيفة على الباب ثم اذنت بالدخول:

 – تفضل يا حمزة كنت بانتظارك

– هل انتهيتم من الفحوصات؟

– نعم تركتها في التصوير المقطعي ستخرج بعد بضعة دقائق.

– حسنا، وهذه القائمة جاهزة اسرق الوقت من هذه الحياة ازرع الابتسامة على وجهها اغمرها بحبك أكثر اجعل الأمل يعود في داخلها من جديد دون أن تكرر كلماتك عن العلاج او المستشفى.. كن على تواصل معي اذا حدث شيء.

– شكرا أيار لن أنسى لكِ هذا.

– هيا اذهب من هنا.. يا لك من ثرثار اننا اصدقاء ألا تذكر.

هبط المصعد في الدور الارضي حيث قسم التصوير.. وما ان انفتح الباب وجدتها جالسة تفرك يديها باستمرار كما اعتادت عندما يصيبها التوتر.. رفعت عينيها لتنظر إلي.. اختفى لمعان عيناها التي وقعت في هواها اصبحت ذابله يتملكها الشحوب الخوف والاستسلام.. وما ان انتبهت لوجودي نهضت ثم أومات:

-كنت في انتظارك

– هيا يا جميلتي ستبدأ الرحلة دعينا نرى قائمة المرشدة السياحية أيار.

قالت بازدراء:

– هل تحاول تحقيق امنياتي الاخيرة؟

– ماذا؟ ما هذا الهذيان يا حنين!!!

فصرخت بحنق غاضبة، وهي تذرف دمعها: إنني تعبت أشعر وكأنك تحاول ارضاء ضميرك حتى لا تكثر احاديث الناس عن من ترك زوجته في اخر ايامها.. دعك من المحاولات الفاشلة أياماً معدودة و سأرحل لن أكن عبئا بعد اليوم لا تحاول ان تصنع من نفسك بطل على رماد وهني وتعبي.

أنا أهذا أنا يا نبضُ قلبي هل هذا حمزة الذي أحببتِ اصرخي وأفرغي ما في داخلك.. فأعتذر يا مهجة الروح..

أخشى رحيلك.. مللت من نفسي التي لم تعد تسعدك أحترق في كل مرة أراكِ فيها منطفئة فأنتِ من ينير حياتي.. أنا رجل يؤمن بالقدر والمعجزات ولن انحني للزمن وهذا المرض اللعين لن أسمح بأن يقتلعكِ من حياتي لن أترك أي بصيص أمل الا وأركض وراءه ولو كان في آخر هذا العالم.

أحبك بقدر اوجاع المتألمين بهذا اللعين.. أنتِ فرحة أيامي.. دخلتِ قلبي وكأنك رصاصة ولكن هذه الرصاصة من أجمل أنواع القتل بك.. دخلتِ من دون ألم دخلتِ مثل عاشق يتنشق وردة حمراء.. أغرق في تفاصيل وجهك!

السمراء التي تملك شامة أعلى وجهها وكأنها ورده من نوع أخر ولها رائحه الجمال.. عن نعومه أناملكِ التي عندما لمستها أصبح قلبي مثل عاصفه تاسونامي يخفق وتتسارع نبضاته.. أكثر من السابق متغلغة في عروقي لا أتعب ولا أمل ولا أكل.. كفي عن هذه الوساوس سنتخطى هذه الايام سويا احتضنتني بقوة وذهبنا.

في متحف اللوفر كانت تتراقص بين اللوحات الفنية كراقصات البالي واهتمت بشدة لسماع قصص أغلب اللوحات.. ومساء اخترت مطعما كلاسيكيا يدعى لا ماريوس تحدثنا عن ذكرياتنا في الجامعة وعن قصة تعارفنا واحاديثا أفصحنا عنها لأول مرة ضحكت كالماضي فصوت ضحكتها الطفولية الرنانة لم يغب.. لم تتناول الكثير لكنها عادت كما اعرفها للحظة.

وقالت بدلال طفلة: هيا الى أين الآن؟

– إلى ميدان الأوبرا يا أميرتي!! وها نحن تحديدا أمام قصر غارنيه وسنقوم بحضور حفل اوبرالي ساحر يليق بك.

صرخت من الدهشة بصوت عالي واحتضنتني بقوة: أحبك، أحبك.. جدا اعتذر عما قلت.. لم أكن أقصد.

– لا داعي للاعتذار هيا دعينا نستمتع بالحفل.

حاوطت يديها بيدي ومال رأسها على كتفي شعرت بسعادتها ودندنت مع المغنية فهي تعشق هذا الفن.. كانت ليلة متعبة لكنها اعادت بعضاً من حنين القديمة.. تمشينا في حديقة لوكسمبورغ بين أغصان الطبيعة فهي رياضتنا المفضلة في هدوء ثم قاطعتها قائلا:

تعلمين اختلافنا انتِ هادئة وانا ثرثار

لا أجيد الصمت كثيرا

 أحبك، أحبك، أحبك je t’aime ، je t’aime

بدأت تركض خلفي وتقول:

اصمت يا لك من مجنون اصمت سيبلغون عنك بتهمة الازعاج

– أنا أسير حبك سجين قلبك لا يوجد سجن آخر

سقطت أمامي مغشيا عليها وخارت قواها على الأرض.. نقلناها الي المستشفى كانت أيار في انتظارنا.. بعد دقائق من القلق والهلع.. أقلبت أيار تخبرني بأنها ستستعيد وعيها بعد قليل ولا داعي للقلق.. انه الورم يتمكن منها فقد امتدت جذوره بين الاوعية الدموية الامر يتطلب جراحه لكنها خطيرة ونسب نجاحها قليلة وان تمكنا من النجاح ستكمل حياتها.

– ماذا هل سنتخلص من هذا اللعين؟؟

– نعم ولكن هناك مضعفات يمكن أن تحدث خلال الجراحة، فقدان بصرها أو أحد الحواس الأخرى فهو في مركز الأعصاب وليس بأمر هين.

– يا الهي ساعدنا لا اريد أن أكسرها لا أريد ان تسقط من سابع سماء بعد ان عاد الأمل لقلبها أريد أن نكمل حياتنا وكأنه لم يكن.

كانت تنصت لحديثنا فتحت عيناها وقاطعتنا بقولها: سأخضع للجراحة.

ثم استرسلت موجهة الحديث لي: أريد المحاولة أنت من أعدت الأمل لي.

هرعت اليها وامسكت بيدها ومسحت على خصلات شعرها:

 ماذا تقولين يا حنين انها خطيرة ونسب النجاح قليلة حتى وان كانت أقل أن أؤمن بالله وحدسك أيضا.. ربما افقدكِ..  او تتعافين ولكن بفقدان أشياء أخرى.

– تفقدني اليوم أفضل من الغد سيكون أرحم من الانتظار.. وان تستيقظ كل ليلة مفزوعا وتتحسس انفاسي انه قرار لا رجعة فيه.

– حسنا سأحدد أقرب تاريخ للعملية عن اذنكم .

تحدد موعد الجراحة باتت على وجهها الراحة وخرجنا من المستشفى وهي تقول هيا ألن نكمل الرحلة السياحي.. كانت الوجهة برج إيفل.. التقاطنا أجمل الصور التذكارية.. وقالت لي:

لا تنسى ان تضعها في ألبوما وكأنها توصيني.

تناولنا وجبات مميزة بأحد المطاعم الموجودة بالبرج واخبرتني انها لذيذة جداً واكلت بشراهة لم أراها منذ سنوات بحماس شديد قالت:

هيا طفلة قلبك تريد ديزني لاند .

توجهنا الي ديزني لاند وقد غدت طفلة حقا وهي تتنقل بين الألعاب وتصرخ متشبثة بي في قطار الموت، ضحكت كثيرا وغمرتها السعادة في ذلك اليوم وكأنها عادت اليها روحا قد فقدتها منذ زمن كنت أنظر اليها بعشق كأول مرة أراها فيها، وما ان هممنا بالخروج طلبت لكِ تاكسي حتى تعودي إلى الفندق وترتاحين:

لدي مشوار بسيط وسألحق بك

وبعد ساعة ارسلت لها رسالة نصية فحواها: هل تقبلين دعوة عشاء من عاشق يهوى قلبك

فردت:

أقبل بكل حب.

– سأكون في انتظارك بعد ساعتين هناك طرد سيصلكِ بعد دقائق تجهزي يا جميلتي.

كان صندوقا كتب عليه:

سأكون داعما لكل قرارتك وبانتظارك.

 فتحت الصندوق بتشوق.. فستان أرزق مخملي وطقما من الالماس مرصع بأحجار الروبين.. وحذاء شفاف بكعب بسيط.. وضعت بعضا من مساحيق التجميل البسيطة.. فأنا لا أكترث لها وتسريحة شعر بسيطة بلا تعقيد وتجهزت وهبطت الي بهو الفندق لأجلس.. تقدم نحوي أحد السائقين وقال: – السيدة حنين.. تفضلي معي السيد حمزة بانتظارك

شعرت وكأنني في أول موعد غرامي معه كقصص الروايات وابطال الافلام.. توقفت السيارة أمام نهر السين وفور نزولي تقدمي نحوي متأنقا بزي رسمي وربطه عنق محكمة.. امسك بيدي وقبلها: مرحبا بأميرتي

كان قاربا جميل من الطراز الحديث بأضواء ملونة تعكس على النهر جمالا يسر العيون.. تناولنا العشاء على متن القارب واستمعنا للموسيقى.. ثم مد يده وقال: هل تسمحين بهذه الرقصة.

بدأنا في الرقص وأحاديثه التي لا تنتهي:

كما تعلمين باريس عاصمة الموضة لن افوت هذا المكان حتى اتسوق لكِ كعادتي القديمة عند السفر.

– ومن اين الفستان؟

– من غاليريز لافيتات أحد أشهر وأكبر مراكز التسوق في العاصمة.

– أعدك سنتجول كل شوارع باريس بعد الجراحة.. وايضا سنزور مدينة كان الساحرة، حيث الطبيعة والاستجمام والهدوء سيشعرك بأنك في عالم آخر.

التقطنا بعض الصور التذكارية أمام قوس النصر في ميدان شارل ديغول الشهير، وسنقوم بالتقاط صورا أخرى هنا قبل العودة للوطن تخليدا لانتصارنا على المرض ابتسمت وحاوطت يدي.. وقالت: سنفعل

 كانت عيناها تشع فرحاً وقلبها ينبض أملا.. بعد ثمان وأربعون ساعة من الجراحة تكللت العملية بالنجاح ولكن عند عودتي للحياة.. كان حمزة قد رحل بحادث سير مروع في طريقه الي بعد اخباره بأنني قد أفقت وبصحه جيده.

عُدت من أجله وغادر من أجلي

رحل قبل أن نلتقط صور الانتصار كان يخشى فراقي ولا يعلم بأنني أخشى الرحيل عن الحياة وتركه

أسعدني وقد ظننت أنني الراحلة فرحل هو ورحلت روحي معه.

مقالات ذات علاقة

حارس المقبرة..

ناجي الحربي

من عام لعام أقريب

غالية الذرعاني

مـاكينة حـلاقة*

إبراهيم بيوض

اترك تعليق