سرد

ربما.. وليش لا؟


من النافذة.. يدخل الهواء.. يخرج البصر.. طريق ذات اتجاهين.. تبدأ بجزيرة دوران وتنتهي بمفرق رباعي للطرق.. تحكمه الإشارات الضوئية.. أحمر.. أخضر.. برتقالي.. لكل طريق رصيف.. شاطئ بحر تفصله عن يابسة الرصيف والإسفلت مصطبة خرسانية طويلة متشققة في بعض الأمكنة بسبب صدأ الحديد في فراش الأسمنت.. الماء والملح مشكلة كبيرة لليباس والمسدّات.. على المصطبة يجلس عشاق يمرجحون أرجلهم ويلتصقون إلى بعض وقاية من البرد وإنتاجا لدفء تعشقه الشمس.. يجلس أيضا متباعدين صيادون يرمون بصناراتهم المطعمة ويترقبون هزهزاتها بلهفة وصبر.

بين الطريقين لسان عشب نجيلة تتبعثر فيه بعض غرسات الزهور التي تطل خجولة.. وتتوزع فيه كل عشرة متر نخلة زينة لا تنتج البلح.. قرب كل نخلة مجسم إعلانات تجارية.. صناعية.. رياضية.. سياسية.. الخ.. أعمدة النور ذات المصباحين تتموقع بين الطريقين كل خمسين متر مربوط بين كل عمود وآخر قماشة اشهارية مثقوبة في أكثر من مكان مكتوب عليها عبارات تخاطب الجميع لانتخاب مرشح الدائرة الحزبية الفلانية وسط العبارات صورة المرشح الرسمية المبتسمة وتحتها شعاراته التي يصعد سلمها.

من النافذة يدخل الهواء.. يخرج البصر.. من الكتاب يخرج البياض.. يذوب في سن القلم.. القلم الذي يكتب كائن رائع.. القلم الذي يفكر كائن رائع.. القلم الذي يلعب كائن أكثر روعة.. فالأحلام لعبة جميلة.. والجمال يشعر بالراحة عندما يدخل الحلم.

بصري يخرج من النافذة.. قدماي تخرجان من الباب.. حاولت أن أخرج البصر من الباب فوجدت البصر مبللا بالنفط.. خفت أن تشب النار.. تركته حتى جف.. وحاولت مرة أخرى أن أطل ببصري من الباب.. فوجدت الباب ضيقا.. وبصري بقى منه الكثير عجز عن الإطلال.. بصري أكبر من الباب.. وأصغر من النافذة.. النافذة شيء ظريف.. الباب شيء سخيف.

ذهبت إلى نجار وطلبت منه أن يصنع أبوابا واسعة تمكن الأبصار من الخروج بسهولة.. قال لي وأين الخشب المتين الجيد.. لم أجده في السوق.. لم أجده في الغابة.. النجارون الآن تحولوا إلى حدّادين ينفخون الكير.. ينتجون الدخان الخبيث.. يصنعون الأبواب الحديدية الضخمة التي تمكن بصرك من المرور.. لكن لا أضمن لك أنه سيخرج.. حيث أن بصرك إن دخل سيكون أكبر من الباب.

من النافذة يدخل الهواء.. يخرج البصر.. الهواء ينكسر في رئتي.. البصر ينكسر في المدى.. آخر البحر.. ملتقى الزرقة بالسماء.

الآن البحر يتحرك.. أمواجه ترتقي المصطبة الخرسانية صدئة الأحشاء.. العشاق يتمسكون في بعضهم البعض.. الصيادون يحكمون قبضاتهم على قصبات الرزق.. السيارات السائرة في الاتجاهين تضيء مصابيح التنبيه والحذر.. تخفف من سرعاتها.. نخيل الزينة بين الطريقين يتهادى ويرقص.. المجسمات الإعلانية تصدر أصوات خشنة وصخبا معدنيا بلاستيكيا مزعجا بفعل الريح.. شرطي المرور دخل قمرته الاسطوانية.. أغلق بابها الصغير خلفه.. منح صافرته وفمه إجازة.. الآن فمه يدخن سيجارة.. وصافرته تتدلى قرب جيب سترته العلوي.. قرب أنواط الشرف والواجب وغيرهما المزينة لصدره.

الرياح تصفر.. الأمواج تتسلق المصطبة.. تغمر الطريق المزدوجة.. سمكة صغيرة قذفتها الأمواج على الإسفلت.. حملها تيار الماء سريعا.. واختفى بها في بالوعة الصرف الصحي في ناصية الشارع.

لا أدري هل اختنقت السمكة وماتت بفعل القذارة والماء الأسود.. أم أنها عاشت وتكيفت مع الوضع.. ؟.. الهواء يدخل النافذة.. البصر يخرج من النافذة.. نادل المقهى جاء سريعا وأقفل النافذة وأقفل الباب.. جو المقهى الآن غير محتمل.. النرجيلة والضوضاء اللسانية والتلفازية لوثت كوّات المكان.

الأمواج أراها من خلال الزجاج المضبب قد عادت أدراجها إلى رحم البحر.. الشمس أشرقت.. الحياة الآن لامعة متألقة.. بعد كل رشّة تطل بهجة ضاحكة.. النور يلتقي بالماء.. و قوس قزح يجرح السماء فتنزف فان جوخ الذي قطع أذنه.

راقبت البالوعة من خلال النافذة.. خرجت من الباب وذهبت إلى البالوعة.. أطلقت بصري من بين شقوق غطائها.. رأيت نفقا مظلما.. لا أثر فيه لحياة الأسماك أو البشر.. بعض الصراصير وبعض الجرذان وبعض الحشرات السفلوية التي أجهل هويتها تتقافز داخله وتتمسح على بعضها.. أشك أنها جميعها افترست السمكة فور سقوطها.. فالبالوعة تعني الابتلاع.

حزين جدا على موت السمكة.. سأجعل السمك يرفع قضية في الصنانير والشباك والبالوعات والأمواج غير الحميدة التي تقذفه للقذارة.

سأرفع قضية في أسرع وقت ممكن.. الآن سأذهب إلى المحكمة.. لم أجد محكمة شاغرة.. وجدت قاضيا وحيدا يرشف قهوته ويلفه الهم والاكتئاب.. سألته عن محكمة شاغرة تتناول قضية السمكة.. فأشار إلى هناك.. لا أدري إلى أين أشار.. كل قارئ يوجه إصبعه إلى المكان الذي يعتقد أن المحكمة يجدها فيه.

أنا لم أوجه أي إصبع.. أصابعي مشغولة بالكتابة.. لكن بإلقاء نظرة على الأصابع الموجهة وجدت أن أغلبيتها العظمى تشير إلى الشمس.. فعرفت أن هذه المحكمة بعيدة عنا جدا.. بعد الأرض عن الشمس.

الهواء يدخل من النافذة.. البصر يخرج من النافذة.. يتسلق شعاع الشمس.. ربما يصل الشمس عند منتصف النهار.. يقدم لها ملف القضية.. قالت له السيدة ربما : وهل تضمن الرجوع إن وصلت إلى الشمس.

قال لها : الضامن هو الله..

سألت الله سريعا وأنتظر الإجابة..

وأنتظر وطن الشمس..

وأنتظر أشياء كثيرة جدا..

جدا..

جدا..

كنت من قبل قد أشبعتها بالأمنيات.

الإسكندرية صباحا

22/3/2009م

مقهى شعبي يقابل الكورنيش

مقالات ذات علاقة

فصل من رواية .. حيه على برقة

إدريس المسماري

مقتل البيضاء

شكري الميدي أجي

رواية الحـرز (20)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق