المقالة

رباية الذايح سابقا

 

عجيب أمر مدينتنا هذه!

قيل عنها يوما ما إنها (رباية الذايح) .. وكانت كذلك بالفعل! فقد جئنا إليها في وقت من الأوقات، من الغرب ومن الجنوب، وترعرعنا في شوارعها وأزقتها وصرنا (عيال بلاد) تماما مثلما صار مع من جاء إليها هذه الأيام، نازحا من الشرق .. جاء الناس إليها في أوقات القحط والمجاعات و(الجدب) من الغرب تحديدا، لأن خيرها كان كثيرا، ولم ينزح إليها أحد من الشرق؛ لأن الجبل لم يكن طاردا بسبب البيئة المعطاءة ، ناهيك عن ارتباط البدوي الحقيقي بأغنامه وخيامه وأرضه، لم تجذبه المدينة ولا مباهجها .. كانت غبطة الزائر البدوي تصل ذروتها في حومة الفندق البلدي فقط ، حيث يبتاع ما يريد، وأحيانا ينطلق في مغامرات شقية في شوارع الفندق الخلفية، يستمتع كما يشاء! ولكنه يعود، آخر النهار، مسرعا إلى أرضة التي تعبق بروائح الزعتر البري، والشبرق، ورائحة احتراق أعواد الغابة في التنور، ليستمتع في الأماسي بثغاء أغنامه الشبعانة .

عجيب أمر بنغازي .. (رباية الذايح) سابقا، فلقد شد شبابها الرحيل نحو عروس النهر والبحر طرابلس، التي صارت بالفعل (رباية الذايح)، لأنها صارت قبلة لكل الليبيين .. فرص العمل أكثر، والشوارع أفسح، والأبراج أكثر .. والحركة فيها أسهل والخروج منها والعودة إليها أسهل، فالطائرات العملاقة تطير وتنزل منذ الفجر حتى منتصف الليل .. والمعاملات الإدارية أسهل، والموظفون ألطف، والخدمات (أسلس).. هذا عامل محطة الوقود الطرابلسي، وبمجرد أن صار شريكا يملأ خزان وقود سيارتك من دون أن تترك مقعدك! فيما يدفع لك عامل محطة الوقود في بنغازي الذي صار هو أيضا شريكا، بالمضخة لتتولي بنفسك تعبئة خزانك! الموظفون في طرابلس يعاملون المدير على أساس أنه مدير بالفعل، أما في بنغازي فيعاملونه على أنه مجرد موظف مثلهم، إن التقوا به في لمة أو في عرس يغنون معا و(يكشكون) معا! السائقون يجتازونك في بنغازي، خصوصا عند إشارات المرور من يمينك، أمام شرطي المرور (عيني عينك)، ولكن السائقين في طرابلس ما زالوا يجتازونك، مثلما يفعل السائقون في العالم كله من شمالك، ويفسحون لك الطريق مثلما كنا نفعل في بنغازي في ستينيات القرن الماضي وبابتسامة كبيرة!

أذكر أن أديبنا الكبير صادق النيهوم قال في مقال يخاطبها ما معناه : ” إنها أمنا ولكنها أسوأ الأمهات على الإطلاق ” فهل هي بالفعل سيئة؟ أم نحن السيئون؟

ماذا حدث لنا؟ نحن لم نكن سيئين .. كنا نعطى الطريق حقها، وكنا نحترم المرور وإشاراته، ونحترم رؤساءنا، وكنا ملتصقين جدا ببنغازي لا نريد أبدا أن نغادرها .. صحيح أننا كنا في الأعراس نلعلع بأغنية كانت مشهورة تقول : ” حلال الجلاء منك يا بنغازي .. ” ولكنها كانت مجرد أغنية يضيع مفعولها بمجرد أن تنتهي السكرة! أما الآن فصارت الأغنية هدفا يعمل الشباب على تنفيذه بمجرد أن يجد ركنا يقيم فيه في طرابلس!

ما السبب؟

لا أحد سوى قلة ترى أن السبب لا هذا ولا ذاك، وإنما السبب كامن فينا نحن، وإن كنا نلوح بين حين وآخر، عن غياب الرجل المناسب عن المكان المناسب!

زمان كانت متعتنا الرمضانية مشاهدة (كراكوز بازاما)! فيما يتحلق الكبار في المقاهي حول طاولات لعب الورق .. تطور أمرنا من كراكوز بازمة إلى سينما النهضة، أو الحرية، أو هاييتي ؛ وتطورت لعبة ورق الكبار: (الأسكمبيل) إلى (الرومينو) ثم إلى (الكونكي) إلى (البوكر)! تواصل كل هذا التطور فيما ظلت المرأة مسجونة في البيت مع برامج الإذاعة المسموعة فقط، فلم تكن هناك مسلسلات؛ لأن الإذاعة المرئية لم تكن قد انتشرت في الأساس ، ولكن لم يطل الأمر حتى تمردت المرأة نتيجة ثقافة المسلسلات وأخذت تجوب الشوارع والأسواق صحبة أطفالها، أو أخواتها أو جاراتها، فيما اقتنع العديدون بأن الصحيح أن يقوموا هم بمرافقة أسرهم .. ولكن فسحتهم لم تتعد قيادة مزرية، في ثلاثة شوارع مزدحمة بسبب عدم وجود أماكن مناسبة لقضاء أوقات سعيدة!

تفتقت أذهان بعض المستثمرين، فانتشرت مقاه بالحدائق العامة الممتدة بطول شارع جمال عبد الناصر وشاطئ الشابي، ولكن المقهى ظل مجرد مقهى، فطوره المستثمرون بألعاب للأطفال وألعاب بهلوانية، وخيام رمضانية فنية تقدم الأغاني الشعبية، مستغلين تزامن ليالي رمضان مع أعياد الفاتح، فمثلا ازدحمت الحدائق بالرواد خصوصا وأن طقس هذا الشهر الكريم مناسب للغاية . كانت الأنوار معلقة في البلاد كلها تشع، وتنبض وتتلألأ … أضاف المستثمرون لها عقود إضاءة ملونة من عندهم، فزاد بهاء النور و أخذ الأطفال يمرحون كالجديان فوق الخضرة وتحت الألوان الملونة . ولكن لا أحد يعلم كيف جاء الفنيون وقطعوا التيار الكهربائي، فتوقفت الألعاب، وانقطع الغناء؟ وقال لهم رجال الكهرباء :(عليكم بالسداد الفوري لرسوم الاستهلاك!) حدث ذلك في الأسبوع الأول من شهر سبتمبر!

تساءل الناس : ألم تكن هناك وسيلة أفضل للقيام بهذا العمل؟ أليس المفروض أن يمنحوا للأطفال فرصة لينتهوا من ألعابهم؟ أليس من الأفضل أن يطلبوا من المستفيدين المراجعة صباح اليوم التالي لتسوية أوضاعهم؟

المستثمرون، ومشغلو الألعاب، وباعة المشروبات، والمكسرات، وحلويات الأطفال، وعقود الورد قالوا إن أحدا لم يقطع عليهم الكهرباء طوال الصيف؟ فلماذا في هذا الوقت، في هذه العشرة الأيام المباركة الأخيرة من هذا الشهر الكريم؟ لماذا وطرابلس تتوهج بإضاءة لم ير العالم مثلها من قبل؟ أليس من حقنا أن نبتهج أيضا ونفرح بأعياد ثورتنا وليالي شهرنا الكريم هذا؟ الأمر واضح : بنغازي مغضوب عليها، والفنيون قالوا : الله غالب، إنها أوامر عليا؟

ولكن بعض الناس قالوا إن هذا الاجتهاد الخاطيء يقوم به – في الواقع – من ليس مناسبا للمكان مناسب . فلا أحد ينكر حق المال العام، ولا أحد ينكر ضرورة نهج الطريق الصحيح للاستفادة من نعمة الكهرباء .. ولكن هل يعالج الخطأ بالخطأ؟ هل يتصور أحد أن الأطفال يتفهمون الوضع من دون أن يحقدوا على الذين قطعوا فرحتهم؟ ثم كيف نستطيع أن نقنع الناس بأن ما حدث مجرد خطأ غير مقصود، وليس لأن بنغازي مغضوب عليهم!

فبعض السكان ما زالوا يرون أن هناك من دعا علي بنغازي بحُرقة، فاستجابت السماء في الحال، ولم يعد بمقدورها أن تربي حتى أبناءها! ولكن بعض الناس يرون أن من كلفوا مؤخرا بالأخذ بيد بنغازي – التي يقال إنها منسية – مناسبون جدا لمكانهم وينصحون بالتعاون معهم، فلقد أثبتوا نزاهتهم وهمتهم في تطوير مدينة من مدننا الحدودية بصورة ملفتة، ومن دون أن ينتقل من سكنه المتواضع!

18.10.2009

مقالات ذات علاقة

الجنوب الأخضر

يوسف القويري

بدر شاكر السياب والشيخ الهامل

المشرف العام

أين ليبيا التي عرفت؟ (31)

المشرف العام

اترك تعليق