المقالة

رأس بورحيل

بعد إعدام عمر المختار، استلم قيادة المقاومة نائبه ورفيقه الأقرب إليه”يوسف بورحيل”، الذي ظل منسيا طوال العقود الماضية، فلم تذكره كتب التاريخ الملكية ولا الثورية، فلم يكن الرجل يروق للنظامين، فلقد كان متمسكا بخيار المقاومة حتى الرصاصة الأخيرة وكان سياسيو السنوسية يسعون للتصالح مع الآخر والحصول على بعض الحقوق الوطنية والتنازل عن بعضها الآخر، وكان ثوار سبتمبر يعاقبون يوسف بورحيل بشطبه من تاريخهم للفترة الإيطالية “فيلم عمر المختار” الذي لم تظهر فيه شخصية نائب عمر المختار”يوسف بورحيل” لأن ابنه”المرحوم أحمد بورحيل” كان معارضا وسجينا في سجون سبتمبر منذ عام 1970.

كان يوسف بورحيل قد تعلم ودرس وكبر في نفس البيئة التي كبر فيها عمر المختار رغم أنه أصغر سنا من شيخ الشهداء، كان ورغم فارق السن قد انتمى لنفس الجيل وحمل نفس الأفكار وتحمل نفس المسؤوليات”مقاومة الغزو وطرده من الوطن”.

استطاع الإيطاليون أسر عمر المختار بوشاية وطنية، وأشار إليه مجند ليبي حين سقط من ظهر جواده صائحا”سيدي عمر” منبها الإيطالين، فرد عليه عمر المختار، كما تقول بعض الروايات، مسنتكرا فعلته”عطك شر”، واستطاع بورحيل الإفلات وجمع من تبقى من المقاومين وتنظيم صفوفهم من جديد، رغم قلة عددهم وجراحهم ونقص عتداهم، ليواصل المقاومة، كان بورحيل نائب عمر المختار وكان عليه أن يتولى القيادة بعد أسر، ثم اعدام، عمر المختار.

طارد الإيطاليون يوسف بورحيل ومفرزته الصغيرة. لم يكونوا جيشا ولا كتائب. كانوا مجموعة صغيرة، بقايا روح مقاومة قررت الاستمرار رغم الخسارة الكبيرة التي مثلها إعدام عمر المختار بعد أسرهم له.

ظلوا يشتبكون مع الجيش الإيطالي ويوقعون به الخسارة، كانوا يخوضون حرب فدائيين بكل تكتيكاتها، كانوا يواصلون ترسيخ”حرب الأنصار” التي مارسوها لسنوات طويلة تحت قيادة عمر المختار، كانت حرب الأنصار أسلوبا ليبيا بامتياز، فلقد ظل الليبيون في غالبية تاريخهم يحاربون بتلك الطريقة، ظلوا يغيرون على جيوش الغزاة الرومانية والوندالية، يوقعون بها الخسائر ويختفون، يحتمون بالكهوف والصحراء، ربما لا نجد في التاريخ الليبي إلا القليل من التمترس، والصمود في المواقع، كانوا يتيحون للعدو التمركز والتمترس في المواقع لضربه في اللحظة المناسبة ثم الاختفاء، كان على الغزاة دائما أن يخوضوا حروبهم مع الأشباح في ليبيا، كل ذلك كان لطبيعة ليبيا ولأنها لم تعرف الدولة والجيش بمعناهما الحقيقي، كانت الدولة والجيش بالنسبة لليبين كيانا محتلا وغازيا وعدوا يغيرون عليه ويهربون.

يوسف بورحيل، قائد المقاومة بعد عمر المختار، واصل تكتيك وأساليب أسلافه ورفيقه عمر المختار، رغم صعوبة وضعه، فلقد فقد الحاضنة الشعبية التي شكلت دائما السند والملاذ له زمن الشدة، لم يتوقف ولم يختفِ من المشهد ليعيد بناء قوته، واصل المعركة وكأنها معركة يوم طويل بلا نهاية، كان الثأر لرفيقه عمر المختار ولكل الشهداء قد أنسياه حذر المحاربين الليبين وسلاحهم الأهم مما سهل على الإيطالين مطاردته حتى الجدار الأخير،”جدار غرسياني” الشهير الذي أقامه جزار برقة على حدود مصر.

مستندا للجدار الأخير، خاض يوسف بورحيل والنفر القليل الذي معه معركة الشهادة على حدود مصر، قاتلوا حتى الرصاصة الأخيرة.

بعد استشهاد بورحيل ورفاقه تأكد غرسياني أن المقاومة انتهت فعلا، وأن رصاصاتها الأخيرة قد أطلقت من بنادق أولئك القتلى المستندين على جدار الوطن الأخير، رغم أن تلك البنادق، كما يقول غرسياني،”كانت لاتزال ساخنة” ولكنها ستبرد كما يرى.

لتأكيد انتصارهم ونهاية المقاومة، قطع الإيطاليون رأس يوسف بورحيل وحملوه في كيس دقيق إلى بنغازي، ليعرض هناك وليعلم كل الليبين أن التمرد انتهى.

استدعى الإيطاليون أحد السياسيين الليبين ليتعرف على رأس بورحيل وينشر الخبر بين الليبيين، ليعلن أن رأس المقاومة بعد عمر المختار، رأس يوسف بورحيل، قد قطع وهو موجود بمقر بلدية بنغازي وبالإمكان مشاهدته والتأكد بأن المقاومة انتهت.

بعد قطع رأس يوسف بورحيل، تغير كل شيء وشرع السياسيون الليبيون في كتابة استراتيجية أخرى لاستعادة الوطن، وإن بشروط مختلفة ولاتمثل كل الطموحات.

___________________

نشر بموقع بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

مسؤوليتنا إزاء الأجيال القادمة

عمر الككلي

تأملات حول أزمة كورونا

المشرف العام

الخيال… ابتكار المستقبل

يوسف الشريف

اترك تعليق