من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
قصة

رأسه حليق أخضر

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

عكست المرآة وجهه، ألقى نظراته على نفسه وتبسم.. رأسه الحليق بدا له أخضر، مسح بيده عليه فدغدغ راحته وكأنه زغب كتكوت لم تمضِ على ولادته سوى أيام.

نزع بدلته الرسميّة بعد يوم كامل من العمل، رتّبها في حقيبته، حملها وصعد الطائرة المنهكة بضجيجها المنبعث عن نفاثات حديدية تقاوم الصدأ عائداً إلى قريته الوادعة.

حطت به الطائرة ومعه زملائه، فرحين بعد عام من الاشتياق للأحضان المفتوحة  تنتظر من يملأها ويدغدغها ويرتاح بين أعطافها.. ينتظر قبلات مبللة بلعابهن الذي ذاق الأكل الساخن ونفخ فيه ليبرد.. بزغرودة عالية تشق سماء براك الشاطئ تعلن فخر وعودة.

قضت التعليمات أن ينام تلك الليلة في العنبر، وأن يطلق سراحهم في صباح اليوم التالي.

أراح رأسه الحليق الأخضر على مخدة بالية، وسيطر على وجيب قلبه، ووعده بأن يطلقه كعصفور في صباح اليوم التالي ليفرح.. نام وهو يستحث باطنه بأحلام سعيدة لقرية وادعة وخبز التنور وقصاع الفتات.. لينزع حذاءه ويغرس قدميه في الرمال الساخنة.. ليصلي الجمعة في جامع القرية الصادح ينادي قاطنيها للصلاة.. ليستمع لخطبة يتربع لها ويطرق برأسه الحليقة الخضراء محاولاً التركيز في كلماتها.

في أمه التي ستزغرد حتماً وتمسح بيدها على الزغب الأخضر وتضحك وتنتظر أن ينمو لتأخذه من يده وتخطب له ابنة خاله.. وتردّد أن ليت والده حياً ليراه ويتأمله ويرسل بكلمات فخر مبهمة من خلالها وهو يربت بقوة على ظهره.

بدأ الحلم.. منذ يوم الأمس، واستغرق فيه حتى شعر بوخزة تحولت في ألمها إلى طعنة.. حاول أن يتحسس مكانها فشعر بسائل ساخن يتجه نحو رأسه الحليق ويستقر على المخدة البالية.. لم يعد رأسه الحليق أخضر… أصبح أحمر.. رغم هول الألم لم يستطع الصراخ، شل لسانه ولم يقوى على فتح عينيه، أغلقت جفونه كبوابات الزنازين.. فقد سمعه تماماً.. مازال يعتقد بأنه يحلم لولا ازدياد الألم وذاك السائل الساخن المنفلت كأنبوب بئر.. لم يعد الألم محتملاً.. يريد أن يصرخ لكن كل شيء توقف إلا قلبه… حتى كانت الطلقة الأخيرة في رأسه الحليق الأخضر.

 

مقالات ذات علاقة

عبسي البرويطَة

محمد النعاس

الخط…

أحمد يوسف عقيلة

دينونة

سعد الأريل

اترك تعليق