المقالة طيوب عربية

ذكريات طرابلسية (1)

فارس أحمد العلاوي – سوريا

الصورة عن الصفحة الشخصية للكاتب على الفيسبوك

سفنز بالدحي

السفنز ـ أو السفنج ، أو الإسفنج ، نوع من الفطائر المقلية لها شهرتها عند أهل طرابلس الغرب ، تعود هذه الفطائر في أصولها إلى الأندلس ، وقد نقلها المهاجرون من الأندلس معهم إلى طرابلس قبل خمسة قرون تقريباً ، ولذلك فإن السفنز الطرابلسي لا يختلف عن السفنز الأندلسي، وكان أهل طرابلس في الماضي يعدون هذه الفطائر في منازلهم ، وفيما بعد ظهرت المحلات التي تبيعها ، وكان يطلق على بائعها وما زال السفناز ، مكوناتها بسيطة : دقيق ، ملح ، خميرة ، يتم عجنها بالماء الساخن ، عجينتها يجب أن تكون لينة ، تقلى بالزيت الحار بعد أن تختمر ، يؤخذ من العجين قطعة بحجم قبضة اليد ، تفرد باليد حتى تصبح على شكل دائرة كبيرة ، ثم ترمى في الزيت ، بعضهم يثقبها من منتصفها وتسمى سفنج وهي المشهورة في الجزائر والمغرب ، وبعضهم يتركها دائرة متكاملة ، وتسمى سفنزة ، وهي المشهورة في طرابلس وتونس ، وجرت العادة أن تحمر السفنزة من الوجهين ، يحمر وجهها الأول ثم تقلب على الوجه الثاني بقضيب من الحديد يسمى المخطاف ، وبعدها تخرج من الزيت منتفخة ولينة ومقرمشة ، صفراء أو حمراء على حسب الرغبة، فمن يريدها حمراء يبقيها في الزيت مدة أطول ، وهناك نوع من السفنز يسمى سفنز بالدحي أو سفنز بالبيض ، ويكون بأن تكسر دحية (بيضة) وتوضع فوق وجه السفنزة ، وأحياناً توضع عليها دحيتين (بيضتين) حسب طلب الزبون .

وكان بعض أبناء طرابلس ممن يربون الدجاج في بيوتهم يأتون بالبيض العربي ويعطونه للسفناز ليضعه على الكمية التي يشترونها منه ، وبعضهم كان يطلب منه إضافة العسل إلى السفنز العادي ، وهو طيب المذاق أيضاً ، ولا يؤكل العسل مع سفنز الدحي ، وهذه الفطائر مطلوبة ومرغوبة في الشتاء أكثر من الصيف لأنها تؤكل ساخنة ، والسفنز وجبة إفطار شهية عند الطرابلسيين ، يأتون بها في قراطيس إلى بيوتهم ، وأحياناً كان يمر من أمام بيوتهم بائع سفنز متجول ، فيوفر عليهم مشقة الذهاب إلى عند السفناز ، وجرت العادة عند أهل طرابلس أن يقدموا السفنز في مناسبتين اجتماعيتين ، وهما : أسبوع العرس ، وأسبوع المولود ، ويقدم السفنز فيهما إفطاراً لمن بات فى منزل العريس أو منزل المولود ، وتوزع كمية منه على الجيران والأقارب فرحاً بهذه المناسبة ، ومن شدَّة محبة الطرابلسيين لهذا النوع من الفطائر أدخلوها في أمثالهم الشعبية ، فكانوا يقولون : “سنفزلي نعسِّلك” ، و”يا طالب الزيت من سنفاز”، و”حصل سفنزة وقـال عوجة “، وغيرها من تعابير وأمثال.


أول مرة تناولت فطائر السفنز في حياتي كانت برفقة أحمد المعاوي شنينة، كان ذلك في الحي الإسلامي في مدينة طرابلس إن لم تخنِ ذاكرتي ، ذهبنا حينها في زيارة إلى مصباح سلام رحمه الله ، وهو أخ أحمد وخليفة وسعد وشنينة من الأم ، في صباح ذلك اليوم دخلت بصحبته إلى محل السفناز ، كانت تلك أول مرة أشاهد فيها هذه الفطائر وطريقة إعدادها ، وقد أعجبني طعمها ، وفيما بعد بحثت عن محل يبيعها في شارع عمر المختار أو بالقرب منه ، فوجدت محلاً مشهوراً في شارع المأمون ، وهو الشارع الموازي لشارع الرشيد ، والسفناز هذا في آخر شارع المأمون تقريباً من جهة شارع عمر المختار ، فكنت كلما نزلت طرابلس أذهب إليه وأطلب سفنزة بالدحي ، فأتناولها وأنطلق لمتابعة ما لدي من أعمال ، وكانت آخر مرة تناولت فيه السفنز قبل ما يزيد على تسع سنوات ، وبعدها كلما رأيت الفطائر المقلية عادت بي الذاكرة إلى ذلك الزمان وذلك المكان.

مقالات ذات علاقة

ضع للنهرحذاءه وأتبعه

آكد الجبوري (العراق)

رحيل التشكيلي محمد صبري رائد فن الباستيل في مصر عن 100 عام

المشرف العام

دائرة المكتبات العامّة تشهر “سيلفي مع البحر” لسناء الشّعلان

المشرف العام

اترك تعليق