المقالة طيوب عربية

ذكريات طرابلسية (3)

فارس أحمد العلاوي (سوريا)

الصورة عن الصفحة الشخصية للكاتب على الفيسبوك

شارع الصريم

شارع الصريم واحد من شوارع مدينة طرابلس المعروفة ، وهو يقع بين شارعي النصر والجمهورية ، شيد مساكنه الحديثة نسبياً بعض صغار التجار والحرفيين من الليبيين والإيطاليين، وذات الأمر ينطبق على شارع ميزران وجادة أبي الخير ، وشهدت ساحة شارع الصريم في بدايات الربع الثاني من القرن الماضي كثيراً من مباريات كرة القدم التي بدأت تنتشر في ذلك الوقت بين شباب مدينة طرابلس ، والتي كان فيها ملعب رسمي واحد في منطقة أبي الخير ، وثلاث ساحات كانت تستخدم ملاعباً لكرة القدم ، وهي ساحة التوغار بشارع ميزران ، وساحة ميدان معمل التبغ بباب البحر ، وساحة شارع الصريم التي ذكرناها أعلاه .


يعرف حي شارع الصريم بحي الزهور، وذلك لكثرة الأشجار في بيوته ، فلكل بيت حديقة تظهر أشجارها ونباتاتها من خلف السور ، والشارع ذاته فيه كثير من أشجار الزينة التي يلتف بعضها على بعض ، وخاصة في الجزء المرتفع من الشارع ، وبعضها نباتات لا يغيب اللون الأخضر عنها في كل فصول السنة ، فهي دائمة الاخضرار، وإلى جانب هذا الحي بني حي شعبي يعتبر الأول من نوعه في طرابلس عرف باسم المنصورة ، حي يضم مساكن شعبية هي عبارة عن عمارات لا يزيد ارتفاعها عن الطوابق الأربعة ، لونها مشابه لألوان بيوت شارع الصريم ، ولذلك لا يمكن لزائر هذين الحيين التمييز بينمهما إلا من ارتفاع البيوت في كليهما ، فبيوت شارع الصريم كانت كلها طابق واحد ، وهذه حالها منذ أن شيدت في عهد الايطاليين ، ولكن تغير الحال فيما بعد ، فبني أصحاب بعض البيوت طابقاً أو أكثر ، وفتح بعضهم الآخر محلات ودكاكين ، وكون بيوت هذا الشارع من طابق واحد جعل من الكثافة السكانية قليلة فيه ، ولذلك فإن شارع الصريم هادئ ، ولولا المحلات التي فتحت من بيوته لم تكن لتجد حركة مشاة كثيفة فيه.

ومن أشهر معالم شارع الصريم جامع بو حميرة ، وجامع بني باني ، وفرع لمصرف الجمهورية ، وفرع للجوازات ، ومدرسة شارع الصريم الابتدائية المعروفة منذ ستينيات القرن الماضي ، ومن معالم شارع الصريم السفارة النيجيرية ومصحة نور العيون ، وغيرها من معالم غابت عن الذاكرة ، ولكن من بين تلك المعالم واحد لا يمكن أن يغيب عن ذاكرتي مهما توالت الأيام والشهور والأعوام ، هذا المعلم هو بيت أستاذنا الأديب الليبي الكبير الأستاذ “علي مصطفى المصراتي” فيه ، وما كان لي في يوم من الأيام أن أتردد على هذا الشارع ، وأن أتعرف عليه لولا وجود ذلك البيت فيه ، لا أذكر أول مرة دخلت إليه ، لكن ما أذكره أنني كنت حينها قد طبعت أحد مؤلفاتي عن المصراتي ، وجئت من دمشق بمجموعة لا بأس بها من النسخ هدية إليه ، اتصلت به على الهاتف ، وأخبرته أنني جئته بنسخ من كتاب جديد أريد أن أقدمها إليه ، كنت أعرف مسبقاً أن بيته في شارع الصريم ، لكنني لم أزوره ولم أدخل إليه ، فذكر لي العنوان ، المهم أنني حين وصلت إلى الشارع سألت عن العنوان بعض المحلات الموجودة في ذلك الشارع ، فدلني أحدهم عليه ، وبسبب تشابه البيوت المؤلفة من طابق واحدة لم أهتدِ إلى البيت ، فطرقت باب بيت ظننته بيته ، لكن تبين لي أنه ليس البيت المقصود ، وذلك بعد أن أخبرني أهل ذلك البيت أن بيت المصراتي هو البيت المجاور لهم ، وكل ما سبق ليس هو بيت القصيد ، وما بعده هو الذي كنت أبحث عنه ، وقد وصلت إليه ، استقبلني الأستاذ المصراتي مرحباً في تلك الغرفة التي يستقبل بها ضيوفه التي يغلب اللون الأحمر على أثاثها وستائرها ، قدمت للمصراتي النسخ التي جئت بها من دمشق ، وقد سرَّ بها المصراتي كثيراً ، ثم قدم لي الضيافة ، وحدثني عن الغرفة أو الصالة التي جلست بصحبته فيها ، ومن استقبل فيها ، وحدثني عن الصور التي كانت تزين جدرانها ، وقد ترددت على هذا البيت أكثر من مرة كان آخرها سنة 2006 ، وكنت كلما تذكرت بيت المصراتي تذكرت شارع الصريم ، وكلما تذكرت شارع الصريم تذكرت بيت المصراتي، وهل هناك أجمل من أن يقرن شارع باسم أديب كبير.

مقالات ذات علاقة

الأدب المسرحي في ليبيا

الصيد أبوديب

ويركض الحنان في الأرجاء

مهند سليمان

مؤسسات المجتمع المدني في ليبيا (عراقة وأصالة)

المشرف العام

اترك تعليق