المقالة طيوب عربية

ذكريات طرابلسية (2)

فارس أحمد العلاوي – سوريا

الصورة عن الصفحة الشخصية للكاتب على الفيسبوك

قطايف وكنافة جادة أبي الخير
القطايف والكنافة من الحلويات التي لها شهرتها في كثير من البلاد العربية ، وقد ذكرت عدة روايات عن العصر الذي أعدت لأول مرة فيه، بعضها يذكر أن ذلك كان في العهد الأموي ، وأن القطايف قدمت لأول مرة لمعاوية بن أبي سفيان في وجبة السحور ، وأن سليمان بن عبد الملك أول من تناول الكنافة ، فيما ذهب بعضها الآخر إلى أن ذلك كان في عهد الفاطميين ، وسواء كان ظهورها في هذا العهد أو ذاك ، فإن المهم أنها حلويات لا يمل منها من تعود عليها ، وخاصة في شهر رمضان.


عجينة القطايف مكونة من الدقيق والسكر والخميرة والملح والماء، وبعضهم يضيف إليها السميد والحليب وماء الزهر والبيكنغ بودر، وبعد أن تختمر تصب من إناء على شكل دوائر على صاج ساخن ، وتحمر من جهة واحدة فقط، وأما حجمها فبعضها أقراص صغيرة تسمى العصافيري ، وبعضها كبيرة وهي القطايف المقلية ، حشوة الصغيرة الشمندور كما تعود على ذلك من الآباء والأجداد ، والشمندور أو الصمغة أول دفعة من الحليب تخرج من ضرع البقرة أو النعجة أو الماعز بعد الولادة بيوم أو يومين ، وهي عبارة عن حليب مكثف لونه مائل للصفرة ، والأغلب الآن استخدام القشطة كحشوة للقطايف ، وخاصة منها العصافيري ، وأما القطايف الكبيرة فحشوتها المكسرات كالجوز والفستق الحلبي وجوز الهند أو الجبن ، بالنسبة للقطايف العصافيري لا يتم قليها بالزيت ، وأما الكبيرة فلا بدّ من قليها بالزيت حتى تحمر ، ولا بدَّ للنوعين من القطر أو العسل ، وأما عجينة الكنافة فلا تختلف مكوناتها عن عجينة القطايف ، ويتم سكبها على صاج ساخن بواسطة علبة فيها عدد كبير من الثقوب وبحركة دائرية ، ومن خيوطها تلك يتم فيما بعد إعداد عدة أنواع من الحلويات ، نذكر منها الكنافة النابلسية ، والكنافة المدلوقة ، وغالباً ما تكون حشوة الكنافة الجبن أو القشطة ، وتزين بالفستق الحلبي.


القطايف والكنافة لها شهرتها الكبيرة بين أبناء مدينة دمشق ، ولها محلاته المشهورة في أحياء دمشق ، وخاصة القديمة منها ، وخلال إقامتي في ليبيا ، بحثت عن محل في طرابلس يبيع القطايف والكنافة، وقد وجدت أحدها بطريق الصدفة في جادة أبي الخير ، محل صغير تصل إليه من طريق فرعي في شارع عمر المختار ، هذا الطريق الفرعي بعده طريق فرعي أخير أشتهر بوجود محلات الخياطة فيه ، وهو لا يبعد إلا مسافة بسيطة عن مصرف الأمة وميدان الشهداء، ويمكن الوصول إلى محل القطايف والكنافة في جادة أبي الخير من الطريقين الفرعيين أو من شارع عمرو بن العاص المعروف بشارع الوادي ، والموجود فيه مكتبة النجاح التي كنت أشتري منها بعض الكتب ، وكانت آخر مرة دخلتها برفقة أستاذنا الأديب الكبير علي مصطفى المصراتي ، في بداية هذا الشارع من الجهة اليمنى فسحة كبيرة كانت تقف فيها السيارات كنت أجتازها ، فأجد على اليمين فندق السراي ، استمر في السير متجهاً إلى اليسار ، في أول بناء محل القطايف والكنافة ذاك إلى جانبه مصرف ، وبعده بأمتار مسجد كنت أحياناً أصلي فيه ، صاحب محل الكنافة والقطايف من ألطف الباعة الذين التقيت بهم ، ملامحه تشبه ملامح الباعة في الأسواق القديمة في مدينة دمشق ، وخاصة ملابسه التي تجعل الشبه بينه وبينهم تاماً ـ أصدقكم القول إنني كنت أشعر بالسرور حين كنت أمر من أمام ذلك المحل الذي كان يبيع الكنافة من يوم السبت إلى يوم الخميس كل أسبوع ، ويبيع القطايف في يوم الخميس فقط في كل أسبوع ، ولذلك غالباً ما كنت أذهب إلى طرابلس مساء يوم الأربعاء أو يوم الخميس حتى أتمكن من شراء القطايف في ذلك اليوم ، وحتى لو لم أشتري كنت أتقصد المرور من أمام المحل لألقي السلام على صاحبه ، الذي لا أعرف إن ما زال حياً أم انتقل إلى رحمة الله ، وقد تأسفت كثيراً لأني لم أسجل اسمه ، ولكن قد أجد في يوم من الأيام من يذكرني باسمه ، وإن لم أجد فإن صورته ستبقى في ذاكرتي على كل حال.

مقالات ذات علاقة

حريق الكلمات

رشاد علوه

رثاء النافع

فاطمة غندور

رمضان.. (ليبيا الحب) ولا شيء أبعد.

مفتاح البركي

اترك تعليق