المقالة

ذكريات خَريفية

كتاب (حاملات السر) للباحثة فاطمة غندور


أمضيت ما يقارب السنوات الثلاث (رحلات متقطعة حسب ما يتطلبه الجمع والبحث الميداني، ومنح الاجازة كنت موظفة بالإذاعة)، في مشروعي البحثي لجمع الحكايات الشعبية، ورصد انثربولوجي للمكان (جنوب ليبيا، واحة براك الشاطي تحديدا). وكانت أول رسالة أكاديمية حول الموضوع، (ولا فخر في ذلك، فللأسف تأخرنا كثيرا الى اليوم لا قسم ادب شعبي ولا كلية وجيراننا في جامعات مدن صار بها قسما للشفاهي او المادي!) ..

دخلت ما يُقارب الاربعين بيتا في أحياءها: براك العافية/ براك المصلى/ براك الزاوية، أسأل عن مادتي، الخراريف، تكون الزيارة الاولى تمهيدية، لا أحصل فيها على شيء، وأعيد الكرة، وقد لا أحصل ايضا! وفي بعضها يخضع التسجيل (مازلت احتفظ بالكاسيتات)  لمزاج ونفسية الراوية، حتى وان ترسمت بالاتصال الهاتفي اننا سنسجل، وخاصة وانهن في سن يجب مراعاتها، وتقديرها في قواعد البحث الميداني ليعتمد مصدرا موثوقا ..

لاحقتُ الراويات في صباحهن الباكر بالمدينة القديمة (براك القصر)، حيث يذهبن عند أطلال لعين الماء والنخيل! وقفت عند تنورهن وهن يصنعن خبز التنور! ويغسلن الملابس، ويجمعن التمر، ويجهزن وجبة شياههن..

جلست معهن لساعات على فرش تقليدي جميل (وان غلبت الرمال كفرش طبيعي وقد عشن على ذلك) يُحضرنه معهن لقضاء افطارهن: الشاي الاخضر، وسويقة الشعير “المحمسة على الحطب”، ما ألذها! او عند ظهيرة صنعنا فيها سلطة “شرموله” بخضار مقطوفة طازجة بجداول قريبة منهن غمسنها بخبز التنور! وكم تعلمت منهن سعة الصدر “وسعة البال/ بلهجتنا”، وذائقة وبساطة مشاعر وعفويتها كما ضحكاتهن الرائقة مع توالي الهدرزة عن قديم وجديد حياة!

رجعت معهن الى بيوتهن المُستحدثة هي فيلل مصغرة (التركيات / الشعبيات) وانتظرت حتى يكملن مشاهدة المسلسل المدبلج (كساندرا!) لأحظى بتسجيل حكاية! ..

مازلت احتفظ بيومياتي معهن بمفكرتي، تواريخ مواعيدي، واسماءهن، وقصص واحداث (قابلت 4 رائدات تعليم ايطالي في ثلاثينيات القرن الماضي وكتبت عنهن بأطروحتي) حصلت لي معهن، لعلي انقحها وانشغل بإصدارها يوما مع ألبوم من الصور، فقد كانت لي ولهن حكايات وحكايات فيها من الطرافة ومن المفارقات العجيبة، والمُؤسية، الكثير! (في براك انقطاع المياه أو نزولها خزيز صدأ، وكانت المجاري القديمة مهملة، ثم رحلات الطيران الداخلية لا مواعيد منضبطة بين طرابلس وسبها. ذات مرة ضغطت علي اسرتي لاختار موضوعا اخر لإيقاف حال البهدلة عند السفر موعد طيران العاشرة صباحا، يصبح السادسة مساء.. ومثلها رحلات عودة).!!

اهديتُ لهن، ولفضلهن علي، هذا الكتاب. فلولاهن ما خرج..

وسأتذكر لشاعر الشباب الكبير “علي صدقي عبدالقادر” في محاضرة لي بمركز الجهاد 2007م اذ علق سيد بأني ذهبت لمكان اعرفه، ما سهل مهمتي البحثية! فخرج “صدقي” على المنصة ورد: (بأننا لو حققنا ذلك الانحياز فعلا، لكان لدينا مجلدات عن تراث ليبيا، وأضاف وأذهب يا ابني لمدينتك التي تعرف، واصنع مثل هذا، لك الاجر، ونكسب لكل بقعة من وطننا ذاكرة موثقة ومحفوظة)…

مقالات ذات علاقة

أمسيات

نورالدين الورفلي

يحـن .. ولا يـرن!!

أم العز الفارسي

قرنٌ من حربٍ كبرى لم تنتهِ بعد!

أحمد الفيتوري

اترك تعليق