سرد

ذبابة منتصف النهار

في الأيام الماضية، كان يحل عليْ ضيف في منتصف النهار يقلق راحتي، ويجعلني أشك في أنّ أحداً ما يحاول التخلص مني بطريقة سادية!

تأتي الملعونة لتجدني جالساً أقرأ أو أكتب أو أصارع الوقت بتمضيته في النظر إلى السقف العتيق وهو يحاول جاهداً أن لا يسقط، في البدء تقف بعيداً عني محلقة في فضا الغرفة تستكشف كنهها ثم تحط على رف الكتب، تنتقل بين المقهور وأمسه المشنوق آخذةً من نفس المتنبي قليلاً، بعد ذلك ترتحل حيث كتاب الأمير لتتشبع أفكاراً ساديةً تعاديني بها.

أصطنع في البدء اللامبالاة، لكنها تنجح في استقطاب انتباهي عندما تقترب من كوب قهوتي ” النصف نهارية” ويبدأ طنينها يحدث ضجة، تلك الضجة التي تفوق ضجة موسيقى الروك بمراحل عدة، أدافع كالأسد عن كوب قهوتي وأبدأ في إطلاق سلسلة من الكلمات البذيئة مصحوبة بصفعات خاطئة ثم أقول لها باكياً وراجياً ” أرجوك، سيبيني!” ولكنها لا تمل!

وأنا من دون أي فخر صياد جيد للذباب، أستطيع أن أفتك بها حيث شئت وكيفما شئت، أن أبتكر تقنيات جديدة في استدراجه، وأن أمسك به متعمداً عدم قتله ولكن تعذيبه، لكن… لكن هذه الملعونة أرهقتني لمدة أسبوعين.

الآن وأنا أكتب هذه الكلمات حدث شي غريب، ذبابتي لم تأتِ، انتظرتها بفارغ الصبر لأجهز عليها وأنهي الحرب بيننا، لكنها لم تأتِ… ذهبت، انتهت وتوقف عداد عمرها الافتراضي تاركةً إياي وحيداً دون رفقة، ولأول مرة شعرت بأن لوجودها معنى، لوشوشتها، لمعاركها وصوتها الطنان، لعيونها الكثيرات وجناحيْها اللامعين منعكسين على زجاج الطاولة، لوجودها على الكتب معنى، ولمشاكستها إياي معنى.

وقد يظن أحدهم أنني مجنون، ولكن وللمرة الأولى في حياتي أفتقد ذبابة وأشعر بالحزن نحوها، ربما كانت تريد أن تسليني وأن تلاعبني، ربما كانت ترف على كوب القهوة لتطبع قبلةً حميميةً أو تشاركني الشراب ظناً منها بالحب، ربما ما كنت أعتقده طنيناً لم يكن سوى غناؤها لي، وما كانت لتحاول أن تحط على أنفي إلا لتزرع أطفالها شاعرة بالأمان اتجاهي، ولم تكن تشاكس أذني، بل ربما كانت تحاول أن تحادثني، أشعر بأني سيء حيالها!

وذبابتي شاعرة وأديبة، إذ لم تكن لترافق المتنبي أو لتحط على لافتات أحمد مطر أو اختفاء هشامه ( هشام مطر الروائي الليبي الشهير)، لم تكن لتضحك على قصص جحا، ولم تكن لتغني لي!

أفتقد ذبابتي…

مقالات ذات علاقة

فصلان من رواية ” حروب ماريش وثوراتها الثلاث ”

عمر الكدي

رواية الحـرز (16)

المشرف العام

رواية الحـرز (4)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق