قصة

ذاكـرة الأصـابع

(1)

عند الفجر، كان وصولنا إلى مدينة الحمامات في تونس، زجاج السيارة مغبش بقطرات مطر عالقة عليه، وكأنه لوحة رسمتها لذاكرتي، التي فقدت صفائها، وتداخلت الصور فيها،هل حقا يحبني لطفي؟ ترى كيف ولماذا وبأي طريقة يفعل ذلك؟ وتتالت الأسئلة حتى ما عدت أدرك مطالبنا في الحب أين تقف؟ دخلنا الفندق، تناولت الأوراق من موظف الاستقبال الذي رحب بنا:-ع السلامة، أنت مريم الفنانة التشكيلية،وصديقتك الشاعرة سميرة ضيفتا المهرجان؟

-أجل( تخرج بصعوبة) أتأمل من حولي المكان، وأقول (المهم أنه ليس الفندق الذي يقيم به لطفي) لم أعد احتمل صفعة عاطفية جديدة، يكفيني من الحزن يوم وليلة مضت، وصدى صوته، اسمعه مساء أول أمس يتحدث إلى صديقتي هالة من تونس، وقد ساقه الفضول ليتعرف إليها،بعد أن صنعت المصادفة مؤامرة لم أتقصدها، أوقعته في الفخ، حينما أرسلت إليه قصيدة شعر أعجبتني من هاتفها، كانت ذاكرة أصابعي أسبق من تفكيري وأنا أضع رقمه بدل رقمي! وتم الإرسال!

(2)

هذه ليست المرة الأولى التي، يخفي سفره عني، لأنه يعرفني امرأة مجنونة، ويستيقظ ليل طرابلس فيَ ونحن على بوابة الفجر التونسي، ولطفي يفتح لي بوابة قلبه وبيته الواسعة بعد منتصف الليل ويقول:

– مهبولة ! امرأة مهبولة هكذا أحبك

معه، تتهيأ كل طقوس الإبداع، نستمع إلى الموسيقى ونرقص، أرسم له وجوهه بألوان زيتية، يعترض عليها ويدعى أن قلم الرصاص أكثر تعبيرا في الحب، أقنعه أن الفن في سباق دائم مع الحب، دعني أرسم لحظتي هذه كما تتراءى داخلي.

–       أتمنى لو نترافق في سفر جديد كما المرة السابقة، تقضي أعمالك وتتجدد روحي، لتنعكس على قماش لوحتي ألوان أكثر إشراقا؟

–        سأضيع معك عندها وتضيع صفقاتي!

–       يخيفك جنوني؟

(3)

الإجابة أعرفها ، كلانا تائه في مدينة واحدة في غياب الآخر، أدركتها أكثر الآن، وأنا أستعيد تفاصيلاً من الأيام الماضية، كان في ليل طرابلس شيء يغريني للمغامرة بعد أن أيقظ الشوق الحب، ومن بحرها هبت ريح الجنون، تنفستها فغدوت ممسوسة بالشطط الذي حملني على أجنحته إليه، أخذني من أقصاها شرقاَ بمحاذاة البحر، تقودني رغباتي بعد انتصاف الليل، إلى أطرافها غرباً. كان صوت لطفي في الهاتف يستفزني قائلاَ: هيا طرابلس باتت تسهر حتى الفجر، ألكز بمهماز الشوق، محرك سيارتي، وباتجاه ميناء الشعاب ، أسلك طريق الكورنيش بعد أن بدأ ازدحامه يقتصر على بعض العشاق، لكن الأضواء المنعكسة على البحر تضيء طريق اللهفة،تنتهي بي الطريق بمحاذاة البحر أيضاَ، إلى حي مسكون بالصمت والعتمة، أجده في انتظاري فيجهض خوفي، والبوابة الواسعة تنفتح لتضمنا معاَ.

(4)

لهذا، وافقت على المشاركة المتأخرة في المعرض لأكون وإياه في مدينة واحدة ،دون أن أخبره، أريد امتحان صبري، على عدم سعيي للقائه، في مدينة شهدت على حبنا، واعتقدنا أن تونس لم تشهد على عاشقين مثلنا أبدا! لأن ما فعله لم يصل حد الخيانة، ولكنه تجاوز حد الشفافية.

(5)

 أطلب من موظف الاستقبال مسكناً للألم فيعتقد أنها معاناة السفر براً، وأسرع إلى غرفتي. ، السفر براً وطريق طويلة تعني التريث، لمشاريع من التأمل، ولتهدئة مزاج الرحلة اخترت كل الأغاني التي شكلت ذاكرة الحب، لتحاذي الجرح والسفر. هل أستعجل حضور المهرجان فعلاً؟ أم جئت أحمل طغيان الأسئلة، أرميها في وجهه وأرحل؟

 أتيت هاربة منه وإليه، إنه القدر يشمت به فيسبقني بيوم وليلة واحدة دون أن يعلمني ويسخر مني فتأتيني دعوة إلى نفس المدينة، ارتضيت سفره دوني، صارت أغلى أمنياتي، سماع صوته على الهاتف، لكن أعماله شغلته عني،( في ليلة سفره كنا نتحدث على الهاتف، في الوقت الذي قطع فيه بوابة الحدود التونسية سراَ، ثم كعادته يعود ويعتذر لانشغاله وعدم توفر الوقت ليتصل بي،) وفي الصباح تخبرني هالة: أن لطفي اتصل بها،ليتعرف على من تكون، ظنها امرأة تحاول التحرش بعواطفه، وقتها، شعرت بهزة عميقة، لرهاني الخاسر على حكمته!

(6)

صعدت إلى غرفتي، فتحت حقائبي وبدل أن افتح خزانة الملابس انفتحت أبواب الشك، لم يدعني يوما أشك بحبه لي،بالأمس دفعني رهاني الخاسر، لامتحان قدرتي على الانسحاب من حياته، فأكملت اللعبة ، بعدما قالت هالة لي : مريم يبدو أنه لا يمانع في الحديث معي!

وذهبت إلى هالة وطلبت منها الاتصال به، على رقم هاتفه في تونس، كانت أمنيتي أن لا يعيد الاتصال كما يفعل معي دائماً، ثوان قصيرة رن الهاتف وقفز قلبي، فتحت هالة مكبر الصوت في هاتفها، وادعت أنها أيضا تحاول معرفة من استخدم هاتفها، تحدثا طويلا دون أن يدعي الانشغال، اسمع صوته أحس حريقاَ قادماً يدمر ثقتي به، وامتلكني خواء سريع، خلفه رحيل حب لا يعوضه آخر، فكل حب يحمل جراحه وعطبه وعلامته العاطفية المسجلة. اسمع ثرثرته معها وهي تنظر إلي مرتبكة فأشير :أكملي، كنت أريد الانتهاء منه.

هالة، تواطأت مع جرحي، وقررت استدراجه لتعرف منه إذا كان يعيش حالة حب أم لا؟؟ لكنه لم يفعل، قبل أن أحمل حقيبتي بنصف نهار،انهالت عليها الاتصالات، وأنا لم أرحم عذاب صديقتي، بعد كل اتصال، تعيد علي حواراتهما، فقررت إنهاء اللعبة، أشفقت عليه أولا من عبث لم أعرفه عنه، وعلى هالة من دور لا تجيده، وعلى نفسي من وجع خيانة أورطه بها، طلبت منها أن تخبره، بصداقتها الحميمة لي، فكانت ردت فعله دهشة كبيرة من سفري دون علمه؟

 خواء ، لوعة فقدان، حسرة، جرح بمساحة الحب،غايتي أن ينتهي الحب بالتقسيط، لأننا في كل تجربة حب ننهيه بإطلاق رصاصة الرحمة، ندخل بعده في حب جديد،يجعلنا ننسى حماقتنا، الآن أرغب بمساكنه الألم بشدة، بقدر ما أعطيت بكلي ، بصدقي الغبي، أريد أن أطعن قلبي بسكين خيانته بهدوء… أتلذذ جرحي واشتهي لعق مرارته حتى لا أنسى ألمي، وانتهت المكالمة على وعد آخر للاتصال بها في وقت متأخر من الليل.

(7)

الليل الذي حملني إلى تونس، الليل وأغاني الحب والسفر،فجرت الإحساس بالحزن أكثر، كنت أبكي ضلاله، وادعي أنني أكبر من حزني لفقدانه بقدر امتلائه داخلي، حقدت على نفسي المهزومة بعد الخذلان،

على إسفلت الطريق ليلاً، تهيأ لي وكأنه فم يمد لي لسانه الأسود قائلاً: لن يقول عنك شيئاً، فغواية امرأة مجهولة تزيد من عبثه! كانت حقيبتي ما تزال مفتوحة وثيابي مبعثرة، لا أعرف متى نمت على سريري، نهضت على رنين الهاتف، هالة تقول لي:- مريم انتصري لفنك اخلصي لمريم فقط فهي تستحق. وأخبرتني كيف رفضت عقد صداقة معه تقوم على صدفة، جاهد لإقناعها أن ما حصل أمر عادي،لأنه لم يمتلك الجرأة ويطلب منها: عدم أخباري بالحقيقة، أتى بود موارب، قائلاً: مريم لا تعلم بسفري ؟

(8)

استمعت إلى نصيحة هالة، مضت أيام المهرجان وكنت احتمي من عروض الرجال الذين حاولوا استرضاء أنوثتي بعبارات الغزل، بمرافقتي للنساء المشاركات ، نجوب مدينة الحمامات ونسهر معا في غرفة واحدة، كنت أتخيله يتجول في أحد شوارع مدينة الحمامات، ثم يتوقف في سوقها القديم أمام محلات بيع الحلي الفضية باحثا عن هدية لي، وكلما دخلت إلى مقهى، أستعد لمقابلته فجأة، وأخشى ضبطه جالساً مع امرأة غريبة، كنت أحس أنني امرأته الوحيدة وإنني لرجل هو لطفي فقط.

(9)

في آخر يوم من أيام المهرجان، حملت حقيبتي، ونسخاً من الصحف التي أجرت لقاءات معي ونشرت أخبارا عن المعرض، وصورا لي وأنا أستند على عمود المقهى البحري، البحر خلفي موجه يشبه غضبي يرتفع عالياً، لكنني لم أنسى من رسم ابتسامة على وجهي.

(10)

غضبي، بعد العودة بأيام يتضاءل كلما اجتاحته عاصفة شوق، وأنا انتظر اتصال لطفي بي، انتظاري يخذلني بين التصور والواقع كأنني أفرط بتلات وردة وأقول سيتصل ،لا،بلى،لا

ذهبت إلى هالة:

 حالما رأتني ابتسمت وقالت: لماذا يصر لطفي على جني الخسارة؟ أخبرتني أنها اتخذت قرارا بعدم الرد عليه، لكنه مصر على الاتصال بها

– ما أجمل إخلاص امرأة لصديقتها لكنه لا يعوض عن حرماني من إخلاص لطفي؟ الذي لا يعترف بالهزيمة لن يحقق النصر، أعرفه مقاتلا شرسا في الحب ماله اليوم جبانا ؟ً

 ترد هالة:- بقدر حبه سيتأخر في المواجهة، وبقدر امتلائه بك يشعر بالذنب.لا تقسي عليه

–       أنا امرأة متطرفة في الحب والقسوة، إذا كان حناني لم يملأه بحبي، ربما قسوة الانتظار تجعله مدركا لخسارته.

عدت إلى البيت أحاول إتمام لوحة بدأتها،ألوانها متوهجة باللون الأحمر، ألعق قطراته على إصبعي يلذعني طعمه، مازالت ذاكرة اللون تحمله في شريان القلب، انتظر الوقت، وأعلم خطر المجازفة في الحب، لكن صمته، وعدم محاولته الاتصال، يتحايل على صبري، فأراهن على شوقه.

كانت عتمة الليل تنسحب وضوء الفجر خجولاً: رن الهاتف، شعرت بأن ذاكرة الأصابع تخون صبري على الاحتمال، ضغطت على زر الإجابة:

-أعرف أنك امرأة مجنونة، لكنك لا تدركين مدى خوفي على جرحك، تورطت في الحديث مع صديقتك، كل الرجال يفعلون ذلك دون حذر ، مريم أقف على الشاطئ القريب من بيتك هيا أعرفك امرأة مجنونة احملي أقلامك وتعالي ارسمي البحر، سكبت لك كوبا من القهوة لا تدعيه يبرد؟

كانت المسافة بيننا، لا تتجاوز الخمس دقائق، لكن الطريق لم تزدحم بالحركة بعد، من بعيد رأيته يقف متأملاََ حركة الموج، بدا لون الأفق بلون ليلكي مندمجا بلون البحر، وزبد الموج يلمع بلون أبيض، كأنه فقاعات تغلي على سطحه ثم تنطفئ عند رمل الشاطئ،

مد يده نحوي، قال:

–       الخطايا الصغيرة في الحب مثل الزبد سرعان ما تمحى لو طغى فوقها مدَ الحب الكبير.

3/6/2005

مقالات ذات علاقة

ميدان الشهداء

عزة المقهور

استرداد لحظة…

أحمد يوسف عقيلة

من ضحايا النزاعات

عبدالله الشلماني

اترك تعليق