سرد

ذاكرة منسوخة

من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي

ككل الأنام، يتنفس الأكسجين ببطء ممل، يعشق النساء لدرجة ظن نفسه زيراً، رغم كون لسانه لم يخاطب يوماً لسان أنثى، اللهم إلا زميلاته حيث يدرس. يهوى تجميع المال رغم فقره، فهو من فئات الطبقة الوسطى في المجتمع، تلك الطبقة التي تضاعف حجمها حتى أصبح من لا ينتمي لها إما فقيراً فقراً فاحشاً، وإما غنياً لحظياً غنىً فاحشاً أيضاً.

لطالما كان يقترف جرم النسيان ربما لأن مساحة ذاكرته ليست بمتسع ليحوي داخله أسماء كل هؤلاء – المرابين – الذين يلقون عليه السلام أينما رأوه، لطالما كان يود أن يعرف إجابة السؤال الذي يراوده كلما مر أحدهم وأهداه ابتسامة تخبره أنه يعرفه، لطالما أراد أن يعرف: من هو هذا الذي يلقي السلام؟ ذات يوم مر في زقاق لم يسبق له أن مر خلاله، جاوره فيه شخص اعتقد أنه لا يعرفه، مر جواره مسرعاً، لم يكترث له، حتى توقف ذلك ملتفتاً ناحيته، قائلا :

– .. كيف حالك؟ مدة لم نلتق.

اعتقد أن الحوار موجه ناحية مجاوره، التفت ذات اليمين وذات الشمال، لم يجد مجاوره الذي وجه ناحيته الخطاب.

” .. بل هو يحادثني أنا.” قال في داخله، وأجابه :

– نعم، وما أخبارك أنت.

ظل يبحث عن اسم الموصوف، فعادة النسيان تكاد تكون شبه يومية، كما هي عادة شرب الخمر ليلة كل خميس لدى المخمورين في بلده، كما هي عادة البحث عن ضحية تلتهم جسدها الألسن في جلسات النسوة، كما هي العادة السرية بالنسبة لمراهق حلمه فقط جسد، لكن الواصف اختفى في ازدحام المارة، نعم لقد اختفى الواصف، لقد اختفى هو. نعم لا تهمه هموم السياسة، رغم كونه دائماً يسمع والده المحموم بالسياسة يقول له:

– بني الإنسان كائن سياسي، أنت جزء من كوكبة بشر تحركهم السياسة، مأكلك سياسة، مشربك سياسة، وحتى عشقك سياسة.

ولم يسأل ذاته في أي يوم من أيام سنوات حياته التي بلغت الخامسة والعشرين أسئلة عجز كل البشر عن إجابتها، لأنها ببساطة لا تعنيه، أو لربما لم يكن هوى أن يتعب خلايا مخه في البحث عن أجوبة معقولة لتلك الأسئلة اللامعقولة التي يطرحها، هذه الأسئلة التي لطالما كان يدعّي أنه لم يسألها لنفسه، رغم كونه سأل أحد أصدقائه ذات مرة في إحدى خلواته كماً ضخماً من أسئلة: لم الحياة؟ هل للموت جسد؟ وأين يوجد هذا الجسد؟ كيف تصعد إلى ربها الصلاة؟ أين يسير الوقت الذي مضى؟ لم تختلف الأجساد عن الأجساد؟ ولم يملك الإنسان اللسان؟ ولم يختلف منطوق هذا اللسان؟ لماذا لا يحوي لسان البشر عظاماً كما هو حال كل أعضاء الإنسان المتحركة الأخرى؟ ومتى تبعث بعد موتها العظام؟ فلطالما كان يعتقد أن البحث عن إجابات هذه الأسئلة جريمة، ذنب يقترفه فقط الأنبياء، وهو بالتأكيد ليس نبياً.

لكن قلبه صام عن النطق، عن الكلام ذات مساء، اعتقد الكل أن الجسد قد مات، لقد كانت القصة المعتادة، مخمور يقود سيارة مسرعة تدهس أحد المارة، ويومها كان هو أحد المارة.

عندما صدمته السيارة مزقت أنسجة جسده، وكسرت الساق والذراع وبقيت الجبيرة تحوي الساق لمدة جاوزت السنة من حينها، حطمت جزءأً من الجمجمة، وألقت بقايا الجسد عالياً في السماء، حتى ارتمى ما تبقى من الجسد المدمر على قارعة الطريق، ليلتقفه أشباه المسعفين. ففي مدينته تسلسل العمل الإسعافي يعتمد على منظومة

الحظ، فالمسعفون هم من يقولون “لقد كنا هنالك”.

حينها نام لأشهر جاوزت الخمسة أشهر داخل غرفة العناية الفائقة. نقلوا الجسد إلى مختلف الأطباء والمداوين.

– لقد مات كلينيكياً.

قال أحدهم، وقال آخر:

– إن موته السريري لا يعني أن الأمل قد فقد.

حتى صام قلبه عن الكلام، حتى أصاب داء الخرس الشريان الأورطي، حتى انتابت أعضائه الحيوية عادة النسيان للحظات لم تدم لأكثر من أجزاء من الثانية.

نعم لم يستمر الأمر لأكثر من ثوانٍ، بعدها استيقظ، وكأن شيئا لم يكن، نعم لقد استيقظ من حلمه الذي انهار كابوساً، وهكذا ظل يقول:

– أبعدوا ملاك الموت عني !!، أبعدوه عني ! لقد مددت يدي نحوه لأصافحه، لكنه يرفض أن يصافحني، أبعدوه عني !! أبعدوه !!.

ظل يلتفت ذات اليمين وذات الشمال فوق سريره، ظل يتخبط وهو يحاول أن ينزع تلك الأسلاك والأنابيب البلاستيكية التي تخترق الجلد عابرة نحو أوردته. قال:

– ها هو يراني، ها هو يسمعني، يريدني أن أنسخ ذاكرته، لقد ملّ عمله، لقد ملّ عمله.

اعتقد الجميع أن ما يقوله لا يعدو كونه هلوسات، فلم يزل تأثير المخدر يسري في أوردته، هكذا قال لهم الطبيب، لم يكن هنالك من يستمع لما يقوله، ربما لأن سعادتهم حجبت الرؤيا، منعت الإنصات، تناسخت الكلمات التي يقولها قولاًَ معكوساً، لا بأس، سيعود له العقل، فلقد عاد له الجسد، ها هي تعمل الرئتان، العينان، أجهزته الحيوية و أعضائه التناسلية لم يصبها العطب، هذا ما يهمهم اللحظة، فهو موجود بينهم كما هم، مادة، شيء ما.

حدث هذا في بداية شهر أبريل، والأيام كعادتها تعدو، حتى نال السهو كل من أنصتوا لما قال، فنسوا حواره الأول، فلقد قيّد في سجلات ذاكرتهم بصفة المجنون، يومها وحتى في الأمس القريب، رغم كونه أصبح يفكر أكثر منهم جميعاً، أصبح ينصت أكثر منهم جميعاً، أصبح يصمت أكثر منهم جميعاً.

غير مغفور له ذنبه في قوله الذي يقوله حيناً وحينا، لا يهم، لا يهم غفرانهم لذنبه، لا يهم معرفتهم له، كل ما يقولونه عنه لا يهمه، نعم لقد ألصقوا كل ذنوب عاهرات الكون، كل زناة الكون على كاهله، لأنه قال:

– أنا أعرف متى سيموت كل منكم.

عندما قال هذه الكلمة لم يكن مقتنعاً حينها بما يقول، كان يعلل حركة اللسان بأنها رد فعل ليس هو بمسؤول عنه، فاللسان ينطق ما لا يريد أن ينطقه، كان يعتقد أن الأمر لا يتعدى أزمة نفسية عابرة، ظناً في تحقق أمنية كل البشر في التأله، فهو يعرف تمام المعرفة أن ملاك الموت ذاته لا يملك في ذاكرته مواعيد موت العباد، إذاً ما يراه يسجّل في ذاكرته إما هلوسات، وإما أن حلم الإنسانية قد تحقق فيه وحلم الزعماء والملوك، المتألهين في الأرض تحقق معه هو فقط، كم هو سعيد، فهو إله، أو لربما ما يراه ليس سوى هلوسات، أو لربما تناسخت ذاكرته مع ذاكرة ملاك الموت حقاً فلربما تهوي رسالة الله إليه قبل أن تصل ناحية ملاك الموت.

بدأ الأمر في أحد أيام أغسطس الحارة، عندما كان سائراً حيث اعتاد أن يسير كل يوم قبل دخوله في غيبوبته، ناحية لا مكان، مرت أمامه فتاةٌ قيدت في سجلات ذاكرته بصفة صديقة. لم يعر اهتماماً لأمر جمالها الفاتن، ذاك الذي كان لطالما يغازله، ولطالما كانت تدّعي أن ابتسامتها ليست سوى تعبير عن مجاملة، بينما في حقيقة الأمر هي جزء من نشوة تراودها، وهي تسترق السمع لما لم يقله في كلمات غزله، لم يتوسد وسادة أحلام وردية، لم يتخيل نفسه كما يفعل كل من في عمره محتوياً لجغرافيا هذا الجسد الغض، لكن ما جعله يتسمّر في مكانه دون حراك، حتى اعتقد المارة أن الرجل قد صعقته صاعقة من السماء، هو أن لحظة من الزمن مرت، مجرد لحظة، رأي فيها ما لم يره من قبل إنسان، لقد كانت فقط، لحظة.

نعم أثناء مرورها بجانبه، التقت عيناهما، في تلك اللحظة اللعينة، التي ظل يلعنها حتى نسي كيف يلعن الإنسان ما لا يهواه، حينها توقف الزمن عنده هو فقط، دون كل الأنام لم يتمكن من مسايرة خطوات عقارب الساعة، ورآها كيفما لم يرها إنسان قبلاً، نعم لقد تجسدت أمامه صورة واضحة، طفلة صغيرة تلهو مع صديقاتها فوق سطح بيتهم، توالت الصور، ها هي تقرأ رسالة الغزل، التي سرق عاشقها نصها من رسالة سابقة أرسلها لأخرى وأخرى وأخرى، ها هي تسلم الجسد لذلك الماجن، ها هي تفقد عذريتها، كل هذه الرؤى ليست سوى تمثيلاً لكم من معلومات يعرفها مسبقاُ عن صديقته، لكنها لم تكن بمثل هذا الوضوح، ولم تكن بوضوح الصورة الأخيرة التي لم يكن يعرفها، صورتها وهي تدفن.

حتى عندما ألقت عليه السلام لم يجبها، اعتقدت أنه لم يعرها اهتماماً، لأنه لم يرها، رغم كونها قد رأته يراها، أيقنت أن صورتها تناسخت عبر جهازه البصري، لأنه حاول أن يبتسم، وهكذا فعلت، قبل أن يقف مشدوها.

لقد رأى بوضوح يوم دفنها، عرف التاريخ، لا يعرف كيف ارتسم الرقم في ذاكرته، إنه الأربعاء، السابع من أغسطس، بعد غد، ستموت، لم تكن الصورة واضحة حينها، لم يبحث عن تفسيرٍ لكم الجمل التي ترتسم في ذاكرته دون ترجمة، دون تصنيف، ما يعرفه فقط هو هذا التاريخ.

بقي يكرر بلسانه بهلوسات مسموعة هذا التاريخ، هذا اليوم مراراً.

الإربعاء، السابع من أغسطس.

ظل يومها يسير عبر الأزقة، كان يعتقد أن مسيرته ستجعل اليوم يطول، كان يعتقد أن الغد لن يأتي، نعم فعندما تنتظر الغد فإنه لن يأتي، عندما تسير نحوه سيبتعد، فظل يسير، ويسير، يومين كاملين، لم يتوقف عن المسير، اعتقد أن يوم الإثنين لم يزل يعبر خلال رزنامة هذا الشهر أياماً.

سأل أحد المارة في الشارع:

– ما اليوم ؟

أجابه:

– إنه الإربعاء سيدي، هل ضاعت منك رزنامة الأيام أنت أيضاً؟ أم لعلهم سرقوا منك الليلة البارحة ومساء الأمس؟

أجابه سائلاً:

.. يا ترهات العالم المتعفنة، وهل تموت أيضا الرزنامات؟

أجابه في اقتضاب:

– اعذرني سيدي، لا أملك وقتاً لمحاورة المجانين، هذا الحوار انتهى.

لقد أتى الإربعاء. وجد نفسه متوجها ناحية زقاقهم، حيث اعتاد أن ينام، وحيث تسكن صديقته التي رآها يومها في نهاية الزقاق، بينما هو يسير بخطى مترددة ناحية باب منزلهم، لمح حيث منزلها خيمة نصبت، وسمع نواح نساء وعويل رجال، لكم يكرههم حين ينوحون على موتاهم، لكم يمقت هذا التصرف الوحشي، هذا الفعل الهمجي، فكلهم موقنون أنهم كلهم أموات بعد حين، فلم البكاء، لم النواح، لم تمزيق الملابس واللطم، هل يعترضون على قدرة السماء، عليهم اللعنة، كم هم أغبياء، لم يعر انتباهاً لسؤال شقيقه الأصغر:

– أين كنت؟ لم يزل أبي يبحث عنك؟ أين كنت البارحة والتي قبلها؟

نعم لقد ماتت صديقته في ذات الإربعاء، لم يسأل أحد المعزين كيف، لم يسأل لماذا، لأنه كان يعرف متى، أو هكذا ظن، فلقد أيقن أن اعتقاده ليس توقعاً بل خبراً قد قيل، رغم كونه لم يكن يتوقع حدوث الأمر، فكل الأرقام التي خزنت في ذاكرته كان يعتقد أنها مجرد هلوسات تنتابه، قبل حدوث المنية.

وقف في طابور العزاء، حسب الفلكلور الشعبي، حسب العرف الديني، يصافح من يتقبل العزاء في الفقيدة، أبوها سيموت يوم الخميس السابع من يناير السنة القادمة، أخوها الأصغر سيعمر كثيراً، نعم فهو سيموت بعد ما يزيد عن الثمانين عاماً، وهذا عمها لم يزل يبكيها، مسكين، لا يعرف أن قلبه سيصوم عن النطق بعد خروجه من المقبرة بأربع ساعات فقط.

خرج هرولة، داس بقدميه قبوراً، أسقط نعشاً، قفز فوق سور المقبرة القصير، لم يكترث به المعزون، فهم يعرفونه، اعتقدوا أن الأمر لا يتعدى نوبة هيجان تنتابه، ربما لأن المقبرة تفكره بموته السريري، رغم كونه خرج يصيح قائلاً:

– لماذا تموتون؟ لماذا أنا؟ لماذا تموتون؟

بعد يوم جنازتها بقي منعزلاً في غرفته لأيام، بدأ في عدها حتى خانته قدرة الحساب، فلقد رأى في جنازة صديقته صوراً تناقحت وتناسخت، هم كلهم سيموتون، وكلهم يعرفون هذا بالتأكيد، لكنه هو فقط يعرف متى.

إنّه اليوم يرى موت كل شيء جميل، يرى هذه الأجساد الحية، تتحول إلى أرقام في إحصائيات تعداد السكان فقط، في إحصائيات الحوادث، نعم بالنسبة له حياتهم أقصر مما يتوقعون، أقل مما يتمنون، فذلك الذي يرتدي سترة جلدية اشتراها قبل سبعة أشهر أو لربما يزيد قليلاً، لا يعرف أن السترة ستعمر أكثر منه، نعم فكلّهم يشترون فقط ما لا يريدون.

لم يعد يفهم، هل قدره هو معرفة وقت انقراض هذا العنصر البشري من الوجود؟ أم هو إنقاذ هذا الصنف من الانقراض؟ من الهلاك؟ لقد أصبح كل البشر بالنسبة له كما قرد مكوك الفضاء، مجرد سلعة، تنتهي صلاحيتها في وقت معلوم، بالنسبة له هو فقط.

حاول أن يخرج من عزلته، حاول أن يدعي أنه كما هم، لا يعرفون سوى متاعهم، وسلعهم المباعة و المشتراة، لا يعرفون سوى تواريخ الأحداث الماضية، ذكريات الغزو والاستقلال، وتواريخ الأعياد والنكسات، لكن تناسخ الأرقام في ذاكرته كلما رأى وجهاً ضاحكا جعله يرى في عزلته مصدر سعادة. عزلته التي كان الكل يراها – شذوذاً – لا يلام عليه، لأنه قد قيد في سجلات قيدهم بصفة – المجنون – رغم كونهم لا يعلنونها له صريحة.

ذات مساء وهو خارج من غرفته لمح وجهاً مألوفاً لديه، في مرآة شبه مكسورة على جدار بيتهم العتيق، نعم إنه هو، لم يزل يذكر هذا الوجه، شعره الذي رغم صغر سنه انتابته عاصفة التصحر، فكاد لا يبقى منه سوى قليل تخبر أنه قد كان هنا شيء ما، هذا الجبين العريض، الذي لطالما كان يتخذه زملاء دراسته مصدراً لابتداع

النكات، وهاتان العينين، سوداوان، غائرتان وكأنه لا ينام، رغم كون يمتهن النوم لأشهر الآن، كهواية شبه يومية، توقف سيلان الذكريات في رأسه، عندما قاطع حواره الداخلي مع ذاته بصراخ:

– العينان، إنهما العينان!!..

عدى مسرعاً ناحية مطبخهم، انتزع سكيناً أو شيء ما يشبهه، لا يعرف ما هو، لقد قرر أن يفقأ عينيه، قال محاوراً كل من حوله، رغم كونه وحيد في الدار، فكلهم ذهبوا حيث لم يرد أن يذهب، لا يعرف أين، لم يسمع وجهتهم عندما سألوه عن رغبته في المسير معهم، في فقط أجابهم بالنفي، لكنه لم يرغب أن يذهب هنالك:

– سأتوقف عن معرفة تاريخ نشر أنعيتكم، سأتوقف عن رؤياكم، ستموت عذاباتي اليوم، عندما استأصل رأس الشر، عندما أقطع الوريد الذي يغذي هاتين العينين، سأستأصلهما ولا تمنعوني.

كان يتمنى في مكنونتة أن يمنعه أحد، لكن لا يوجد حينها أحد ليمنعه، وقف للحظات، لم تمنعه كل مخاوفه من النزف حتى الموت، من آلم اللحظة، نسي كل شيء، تناسى أن جهازه العصبي ظل سليماً بعد ذلك الحادث، حتى تخدرت يداه وهو يغرز السكين في عينه اليمنى، فقد الإحساس، لقد فقأها، ولم يشعر بأي ألم، لقد جمد جهازه العصبي بإرادته، لقد فقد الإحساس بالألم بإرادته.

كان الذراع يدفع اليد نحو السكين الذي وقع على الأرض، لكي تنتهي الجريدة التي يقترفها بإرادته في نفسه، كان كل همه هو أن يتوقف عن رؤيا أوجههم، لا لأنه يمقتهم بل لأنه ما عاد يحتمل تناسخ مواقيت مماتهم في ذاكرته، فلماذا يعرف متى يموتون، لماذا لا يعرف متى يموت هو ليرتاح.

هنا توقف الذراع، تخذرت اليد في مكانها، عندما سأل نفسه قائلاً:

– لِم لَم أر في المرآة متى سأموت أنا؟

ظل هذا السؤال يراوده حتى لمح في أقصى الغرفة جريدة مرمية، لمجلة – شبه – سياسية. لطالما اعتاد مطالعتها، لم يجذب انتباه صورة الفتاة على الغلاف، ولا إعلان الصفحة الأولى عن احتلال بلد واستقلال آخر. بل كان ما جذبه هو تاريخ صدور الجريدة، قرأه بصوت عال:

السبت، السابع من أغسطس.

مقالات ذات علاقة

دهورة – الجزء الأول (مشاهد رصدت قبل الثورة….)

حسن أبوقباعة

رواية الحـرز (5)

أبو إسحاق الغدامسي

رواية الحـرز (2)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق