طيوب النص

ذاكرة اللون عند الفنان الكويتي محمود أشكناني

التشكيلي الكويتي محمود أشكناني

التجريدية الغنائية عند الفنان الالماني هانز هارتونغ وعالمه من الألواح الرمادية الشفافة ومعارك الفرنسي جورج ماثيو على اسطح لوحاته بلا هوادة وقتامة مواطنه بيار سولاج هي اعلى السلم الى حين وليس نهايته, خلاصة تجربة إنسانية طويلة نحو فكر تشكيلي رفيع مدعوم بفلسفات العصر وافكاره ، والتجريدية بشكل عام محصلة خبرات انسانية وتراكم معرفي منذ ان طفحت زنابق الماء فوق اسطح لوحات كلود مونيه وتلاشت حواف الاشياء لتحل محلها حواف الروح بكل تنهداتها وزفراتها، الكل يغني بصوته ( الكل يرسم)، هناك من يتقن الغناء وهناك من يتقن التقليد فالفنان صاحب التجربة تتبلور ملامح شخصيته في عمله المقدم عبر خبرات وسنوات من الدراسة والتجريب والخطأ والصواب والفنان الكويتي محمود اشكناني يتقن الغناء بظلال الألوان, فمعالم لوحته تتجلى في مناطق قريبة من التجريدية الغنائية بأنفاس الفنان نفسه رغم انه امتداد طبيعي لأكثر من مائة سنة من فن الرسم والتنظير في هذه الفضاءات الفسيحة من مدارس اللاشكل والتي هي ملاذ للروح قبل العقل , يرتع فيها شعراء اللون واحبابه منذ مطلع القرن العشرين الى اخر تنظيرات رواد مدرسة نيويورك التعبيرية التجريدية ومحاولاتهم الانعتاق من موروث الفن الأول, أمثال مارك روثكو و جاكسون بولك و وليم دي كونغ.

ذاكرة اللون عند الفنان أشكناني هي بمثابة إسفار الفجر عن عالم معتم، في كل يوم يطالعك ظل لون ينعكس في وجدانك متجاور مع ظل لون اخر في تناغم موسيقى طيات النفس العميقة يستدعي ذكريات لعالم مثالي منضبط في الوزن والايقاع. فانت تشاهد الظلال التي يرسمها الفنان لتلك الألوان القابعة في داخلك في الوقت الذي تتطابق درجاتها “ظلالها والوانها” من الداخل الى الخارج، حينها تفصح نصوص الفنان البصرية عن نفسها بكل يسر وتعلن عن مكان وجود صورها في داخلك لتسرد عليك قصصها وحكايتها بمفردات وميض النور والوان الفجر.

فمحاولات فاسيلي كاندينسكي بالانسياق وراء الروح والايقاع الصوفي لرسم بلا هوادة او عقلانية بيت موندريان في هندسة الطبيعة وتأطيرها في مربعات وتفتيت العالم الى نصوص هندسية ملونة، وما بيتهم من تنظيرات وأساليب متنوعة وكل ما لحق هذه الحركات بعد كل نكسة من نكسات الكون من أساليب وتقنيات، فالفن دائما يبدا بعد ان تنتهي الحروب والفنان محمود اشكناني كان المبادر الاول في رسم مأساة الحرب على الكويت وما خلفتها من دمار على البشر والحجر.

ملامح عريضة للوحات الفنان من خلاصة اقواس الخط العربي في ميوله وانحناءته وسرعة الأداء وتوتر الاسطح في كثير من الاحيان واتجاهات فرشاة الرسم عنده عمودية في تمايل رهيف كأنها سنابل قمح نضجت من فعل التلوين بدم القلب . وقد جمع بين الروحي والعقلاني حيث الانفلات تارة والانضباط تارة اخرى، هي عملية خارج نطاق السيطرة واتخاذ القرارات المسبقة في نسق ونمط العمل الفني عنده فالموضوع هو من يفرض ملامح وشكل العمل الفني عنده.

الاشكال غالبا متعامدة واغلب اللوحات عند الفنان محمود اشكناني مقسمة الى أربع مناطق متباينة قريبة في مناخاتها متناقضة في مزاجها وحركات فرشاتها، تتمايل في بعض الاحيان الوانها من فعل ضربات فرشاة الرسم عنده في نفس الاتجاه في اغلب لوحاته، في بعض الأحيان تتشكل تلك الضربات لتصبح جموع من البشر تجتمع على حافة الحلم وفي تارة أخرى كأنها عالم من المدن المتراصة في عناق أبدي بديع. ورغم ان الغنائية التجريدية لا تحيل الى الطبيعة بشكل مباشر ولا تمثلها حتى ان تراءت لنا اشكالها ومفرداتها فهي تحيل الى ذات الفنان الذي يرسم الطبيعة الداخلية للبشر.

الفنان لا يسعى للتقريري المباشر بل لمناجاة العالم الجواني وما يمليه من نصوص بصرية تقترب من مشاهديها في أحيان وتبتعد عنهم في أحيان أخرى فالفنان يطارد اجواءه ويرسم سيرته الشخصية من ذاكرة اللون والتي يشترك فيها الكثير من البشر دون الحاجة الى ترجمة او لغة فالوسائط هي اللون وظله وذائقة المتلقي.

كان للعب في طفولة الرسم على جدار البيوت العتيقة ورسم القوارب والقصص الصغير دورا في تكوين شخصية الفنان والعيش في المدينة القديمة، الحياة الاولى والقرب من البحر ونسماته وقوارب الصيد والمرافئ القديمة وعماله لتنعكس في مرايا داخلية للفنان كصور محفوظة يتم استدعائها حسب الحاجة الفنية والضرورة الملحة للموضوع المراد رسمه من الفنان.

بدا الفنان مشواره الفني من الواقعية والانطباعية حيث رسم المشاهد اليومية للحياة البسيطة بين الناس في الأسواق القديمة وحياة الصيادين والباعة والشخصيات المهمة في حياته، وتنقل بعدها الى ان استقر على التجريدية والتي كانت بمثابة تفعيل نشوة فنية تستدعي مواضيع اعماله بحوار داخلي بين الفنان ونفسه، بين الفنان وذائقته، بين الفنان وخبرته، بين الفنان ورؤيته الفنية، وفي كثير من الاحيان هي عملية تحدي للفنان باتجاه نفسه حيث يختبر قدراته في العطاء والإنتاج وكسلوك علاجي من مرض الم به قبل سنوات مضت كانت نتائجها كبيرة وخروجه من أزمته الصحية الى الحياة من جديد.

للفنان محمود اشكناني ولع بفن التصوير الفوتوغرافي فكان له حيز كبير من ذاكرته التشكيلية وقد كان يعمل في بيته لتحميض ما يلتقطه من صور واحداث فنية. ليصبح هذا العمل بمثابة ذاكرة أخرى بالإضافة الى رصيده الفني في أعماله المرسومة.

ولد الفنان محمود اشكناني بالكويت سنة 1949م , دبلوم معلمين 68, عمل في تدريس مادة التربية الفنية في المراحل التعليمة الثلاث الابتدائي والمتوسط والثانوي لمدة 25 سنة . عضو فخري في جمعية عمان للفنون التشكيلية / عضو فخري. عضو جمعية الامارات للفنون التشكيلية / عضو فخري. عضو في جمعية الدسليكسيا العالمية لصعوبات التعلم International Dyslexia Association .IDA.USA . إقام عدة معارض شخصية في الكويت، دبي , بتونس من 2010 – 2018 بالإضافة الي معارض جماعيه بالكويت و بالخارج. مشاركات في ورش عمل فنيه في كل من : دولة قطر – ينبع في المملكة العربيه السعوديه – في مسقط بعمان -بودابست في هنغاريا – المونيكار بإسبانيا _ انطاليا بتركيا – ميلانو بإيطاليا – الأقصر بجمهورية مصر العربية . ورشة عمل لطلبة كلية الفنون بجامعة الاناضول في اسكشير بتركيا 2014. مشاركات في بينالي القاهرة العاشر – بينالي بنجلاديش 2008-2012 .

جوائز تقديريه في معارض الربيع ومهرجانات القرين الثقافي. بجائزة السعفة الذهبية بملتقى الفنون لبصريه لفناني دول مجلس التعاون الخليجي في جده 2011.

المقتنيات من أعمالي في كل من:

متحف الفن الحديث في الكويت – المتحف الوطني في بودابست بهنغاريا – كلية الفنون الجميلة في جامعة الاناضول بتركيا – المفوضية الثقافية في قرطاج بتونس – المجلس الوطني للثقافة والفنون ب مونييكار بإسبانيا- القنصلية الكويتية بميلانو في إيطاليا- بالإضافة الى شخصيات متعددة.

مقالات ذات علاقة

طابور ثقافي

المشرف العام

بكاء الأرض

فائزة محمد بالحمد

الفرح رغماً عنا

فريال الدالي

2 تعليقان

محمود اشكناني 11 سبتمبر, 2020 at 09:39

شكرا للصديق العزيز / الفنان الناقد عدنان المعيتيق على المثابره في تسليط الضوء على اعمالي على صفحات مجلتكم ( طيوب) في سبيل نشر الثقافه الفنيه بين الاوساط العربيه و مساهمة في خدمة الحركه التشكيليه بشكا عام .

محمود اشكناني

رد
المشرف العام 11 سبتمبر, 2020 at 15:14

الشكر موصول لك أستاذ
ونأمل أن نكون حققنا ما أشرت إليه من تواصل، نحن في حاجة إليه أكثر وأكثر

رد

اترك تعليق