النقد

ذاكرة الجدي.. بين دفاتر مانهاتن وغدير الغولة

المجموعة القصصية الطريق إلى أم العجرم

يوثق الكاتب والدبلوماسي فتح الله الجدي في مؤلفه «أم العجرم» الصادر عن مكتبة الكون، جزءا من ذاكرته الموزعة بين منابت الطفولة في بني وليد، إلى منازل الدراسة الجامعية في طرابلس، حتى ولوجه مجال العمل الدبلومسي متنقلا بين عواصم العالم وقاراته في أمريكا وتركمانستان والبرتغال وكينيا.

لم تكن «أم العجرم» وليدة لحظة، لكنها مزيج من ولادات عديدة كانت «حجرة الصعاليك»، كما أسماها الكاتب، حيث مقر سكناه في الحرم الجامعي، إحدى أهم محطاتها، شاهدا على حواراته الجوانية وسفره مع شخوص الروايات وعناوين الكتب وكذا أحاديث أخرى مع أوراق مبعثرة ولوحة مائلة مثبتة على الحائط، وساعة جرسية لا تعمل، ومعزوفة أغنية لفيروز، يلقي هذا النفس البويهيمي الحالم نثرا من نفائس أم العجرم وهي تتبدى في طورها الجنيني اطيافا في مخيلته، لتصبح تلك الغرفة حالة مشتركة لنقطة مرجعية أو تحول أو جسرا بين الوادي والمدينة.

> سفر النسيان

يجمع الإصدار إيقاعا سرديا متفاوت الأساليب بين لغة التدوين والنثر القصصي، وهي في إطارها الكلي بانوراما لسيرة المكان والشخوص، وكذا تحبيرا لمسارب الأيام والسنون، وهي تمضي متباعدة في سفرها نحو النسيان، ويظل الإمساك بظلال أحداثها وأبطالها محاولة لإنفاذ وميض الاتصال بذلك الفيض الساحر من جداريات فلسفتها، لذا يبقى هذا الإبراق مندغما في نسيج الكتابة عند أولى محطاتها التي تصدر عنوانها غلاف المجموعة، تترجمه أغاني الرحى «تباعد نجع الوديدات، بعد ما كنا رفايق» ويتجه في تضمينه مبحرا بين دفتي الكتاب بعناوينه الخمسة عشر.

يتبع الحفيد خطوات الجد وهو ينشد وادي أم العجرم احدى مفازات سوف الجين، يجاور في ممشاه أشجار الطلح والسدر والبطوم، يتأمل تلك الصخرة ويعبر بخياله إلى حكايا محتجبة بالجبل أو بكثيب رملي، طوبوغرافية تأخذ جزءا من وصف شامل لمكون جغرافي عاش فيه الجد، وأصبح ملمحا أصيلا من شخصيته «كانت كائنات الخفاء تراقب المسيرة تستمع لهمهمات الشيخ، وهو يسجع ابيات غير مفهومة»، مشهد ينفتح على ما يمكن أن أسميه أدب التخوم، الذي يمزج فضاء الصحراء والبحر، وهو نثر لا يحفل به كثيرا ولا نجد له تموضعا يذكر بالمقارنة مع الفضائين.

فتج الله الجدي

تترامى أطراف التلال وتتراسل خطى الرفيقان صعودا ونزولا، إلا أن العبور إلى نقطة النهاية في مناخات العجرم لا تعترضه وعورة التضاريس بل نقف فجأة أمام طقوس أخرى مختلفة العوالم والهوية، هل حقا «نحن في نيويورك»؟

> غدير الغولة

هذا القطع لا يمثل كسرا لسيرة النص البري ففي عنوان «رياضة» تختفي في تراتبية الكتاب السدرة مؤقتا لصالح حديقة «السنترال بارك» التي جاءت كفاصل فنتازي لذات الذاكرة المهاجرة من شعاب الرتم الى فاترينات مانهاتن، وكأنما الترحال أضحى كشفا تجريبيا أو اختبارا لتفاعلها الإنساني مع الآخر الأوروبي أو الأمريكي، تطالعنا به نماذج محطات «اللوحة، التيه، جريدة أمادو»، ولكونها رصدا ومعاينة هذه العوالم وتقديم وجهة نظرها بالخصوص.

تتناوب تخوم الوديان في حضورها السردي مع فضاء نيويورك وأورلندو، بأنفاس البطل الذي يتبادل أدواره الجد والحفيد والراوي، يدخل إلى محل «اللندت»، لكنه حتما سيعود إلى جذوره عند «الراسلي» مستذكرا تراثيته «الزيت الوليدي والشعير اللاطم.. يخليك تدهك على اللي خاطم».

تنتهي مدارج المحطات عند «غدير الغولة» كنسخة سردية من الأثر العجائبي تجسد فيه الغولة أمثولة الغواية عبر تحولها من هيئة إلى أخرى، غير أنها ستصبح في نوازل الدهر مجرد أثر فنتازي غائر في القدم يستذكره الحفيد من قصص الجدات في ليالي الشتاء الباردة، «فقد كبر الصغار وماتت العجائز، جف الغدير المسحور وردمه السافي، واعتكفت الغولة بعيدا عن غديرها المردوم».


عن بوابة الوسط: الجمعة 18 يونيو 2021

* الراسلي: نوع من أنواع شجر الزيتون.
* اللندت: شوكولاته سويسرية الشهيرة.

مقالات ذات علاقة

الشاعر محي الدين محجوب بين ديوانين

ناصر سالم المقرحي

عبدالفتاح البشتي.. شاعر وسجين سياسي سابق

يوسف الشريف

ذُبابةُ رِحَاب

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق