مختارات

دور المثقف الليبي بين الواقع والطموح

.

فرج احمودة

farag_ahmoda@yahoo.com

>

نجح القذافي خلال الأربعة عقود الماضية وبإمتياز قي التجسيد قولا وواقعا لمقولة الملك لويس الرابع عشر “أنا الدولة والدولة أنا” التي صارت مثالا للاستبداد السياسي. لم يكن للشعب الليبي المغلوب على أمره حينها سوى التسليم له بهذه الإرادة ولسان حاله يقول كرها لا طوعا “نعم أنت الدولة والدولة أنت فإليك بها عني”. ليس تخاذلا ذاك أو تقاعسا وإنما عوز للحيلة والوسيلة أمام تضحيات جسام على مدى أربعة عقود ونيف لم تعطي للمستبد إلا مزيدا من شهوة الإنتقام وسفك الدماء. أمام المشانق التي نصبت لعشرات الطلاب والأساتذة في ساحات الجامعات وفي أجواء إحتفالية وأمام آلاف الجنود الأوفياء الذين سحقوا في أدغال أفريقيا، وأمام أكثر من ألف ومائتي شهيد صفوا في ظرف ساعة… ومزيد لا يتسع له المقام، شعر الجميع بأن هذا النظام بات قدرا لا يمكن مقاومته فأنقسموا فرقا ومذاهب شتى. قسم أبى إلا أن يبقى على قناعاته فرضي بالعيش غريبا في وطنه. سلم بأن ليبيا لا يمكن أن تكون أكثر من مزرعة مملوكة لذاك الطاغية وأسرته، فرضي بالعيش فيها لأجل الحياة. قسم آخر كانت له نظرة أكثر تفائلا وبرغماتية، رأى أن هذا النظام وإن كان شيئا من القدر، لا مناص من الإعتراف به والعمل معه لاجل الوطن. كثير من المعارضين بالخارج كانوا على عداء معه قبلوا بمصالحته، وهو نفسه لم يدخر جهدا في جذبهم وجذب غيرهم من الكفاءات بالداخل لإعداد خطط ومشاريع تنموية وإصلاحية إدعى نيته القيام بها.

اليوم وبفضل الربيع العربي الذي تجاوز كل المتوقع والمعقول تحققت المعجزة فتخلصت الدولة من نظام حكم الفرد بثورة عظيمة ولدت في مخاض عسير. بقدر ما أحتفل الليبيون بإحياء هذه الذكرى بقدر ما أنتابتهم مشاعر الحزن العميق لآلآف الضحايا من الشهداء والجرحى والثكالى والمبتورين والمفقوودين وغيرهم. اليوم تحطمت اسطورة القذافي القدر وسقطت معها مقولة “أنا الدولة والدولة أنا” من قاموسنا السياسي والإجتماعي ليكون البديل هو “دولة المواطن الحر”. إلى هذه اللحظة قد لا نكون مبالغين أو مثاليين في قراءة هذا الواقع الإستشرافي، إذ لم يعد يوجد من يجرؤ على التفكير في تقمس شخصية من كان يجسد بعقله وفعله هذه العبارة. يوجد اليوم وطن يتكون من جديد على أنقاض إقطاعية خاصة، وعلى أسس يراد لها أن تستجيب لتضحيات عظيمه أجبر عليها الجميع كل حسب ظروفه، بدأ بمن فقد حياته وصولا إلى من أكره على ترك بيته والعيش شريدا. اليوم تمر بلادنا بمرحلة غريبة الأطوار لم تعرف ربما في التاريخ السياسي، إنها مرحلة الوطن اللا دولة. تخلص الجميع حتى من كانوا جزءا من النظام المنهار من هاجس الدولة المزرعة أو الإقطاعية ليحل محله هاجس آخر ينتابه التفائل ولا يخلو في نفس الوقت من بعض التشاؤم. إنه شعور الوطن الذي كان مفقودا والذي طال إحتوائه في مؤسسة الدولة. ليبيا اليوم لم تعد ملكا لأحد غير المواطن البسيط المخلص الذي يحاول البحث لنفسه فيها عن دور يساهم من خلاله في عبورها إلى مرحلة الدولة. عوائق كثيرة تعرقل هذا العبور لكنها لا تضعف بأي حال نشوة إستعادة الذات التي كانت مفقودة وسعادة التخلص من نظام أمعن في إجهاض المبادرة وفي إحتكار الفرص. عوائق كثيرة يقود إلى تذليلها إدراك المخلصين من المثقفين والعلماء والطلبة ومختلف شرائح المجتمع المدني لحجم الحدث وأبعاده، والتحرر من السلبية ومن الرضى بالعيش لأجل الحياة. الوطن بات اليوم جزءا من الذات، لا أحد يستطيع أن يدعي إحتكاره أو يغفر له التقاعس عن حمايته. ما نلاحظه في الواقع اليوم أن الكثيرين، أو ربما الأغلبية من علماء ليبيا وخصوصا في مجال القانون من أساتذة جامعات وقضاة ومحامين لازالو يعيشون مع الوهم، وهم الوطن المفقود ولم يكتشفوا بعد أن ليبيا تحررت بفضل ثورة سالت فيها أنهار من الدماء والدموع. مع أن شيئا من العذر كان يلتمس لهم أثناء الأحداث، قد يصعب على المرء أن يجد في هذه الأيام الحرجة سببا لتقاعسهم أو توصيفا آخر غير التقصير. ليس من قبل الجرأة على العتاب، فالفضائيات والصحف والإنترنت بمختلف مواقعه لم يهملوا حقا لأحد ساهم ولو بدور هامشي في نصرة الثورة أو يساهم الآن في بناء الدولة. السلبية مذمومة ليس بالنظر إلى شخص المثقف أو العالم الذي يبقى على أية حال حرا في إختياراته ومواقفه، وإنما نتيجة لخطورة الآثار التي تترتب على سلوكه في هذه المرحلة. تلك الآثار بدأنا نلحظها مؤخرا تتجسد في أشخاص طفوا على السطح السياسي بواجهة سيئة في مستوى الخطاب ومضمونة. أشخاص بلا مؤهلات ولا صفات يسندون لأنفسهم حق التحدث بإسم الليبيين متجاهلين وجود المؤسسات الشرعية للبلاد. جرأة هؤلاء على الشرعية وإسائتهم لمبادئ الثورة لا يمكن التصدي لها إلا من خلال خطاب علمي مضاد قادر على تهميشهم وإسقاطهم تلقائيا وهذا لا يمكن أن يأتي إلا ممن يمتلكون مقوماته. نستطيع أن ندرك أهمية هذا الخطاب إذا رجعنا بالذاكرة الى الخلف ورأينا كيف ركز القذافي على إقصاء رواد الفكر عن التحدث في الشأن العام وكيف أفلح بالمحصلة في إختزال الوطن في نظامه المستبد. القيام بهذا الدور من طرف الأكاديميين والمثقفين عموما لا يمكن الإستهانة به في المرحلة الراهنة إذ يجسد في الواقع مساهمة فعلية في بناء الدولة المنشوده وإعطاء صورة إيجابية عن ثورة شعبها. الدولة في جوهرها لست فقط هيكلا ماديا لا نشارك في تكوينه وإصلاحه إلا من خلال أجهزة القيادة وإنما قبل كل ذلك بنيانا مؤسساتيا يقوم على اسس علمية لا يفقه كنهها إلا ذوو الإختصاص من القانونيين والسياسيين وغيرهم. مساهمة هؤلاء في إقامة أركانها تكمن في مقدرتهم على توجيه الرأي العام إلى الصالح العام من خلال النصيحة والمشورة العلمية. الحكومة تقوم بدور مفصلي ولكنها في مرحلة كالتي تمر بها بلادنا لا تستطيع أن تنهض بكل الأعباء، يعوزها الإلمام بكثير من الأشياء والقدرة على فرض ماتريد لأنها لم تعد تشتغل بذات العقلية التي كانت سائدة في العهد المباد “عقلية الدولة أنا”. مؤسسات المجتمع المدني والمثقفون والعلماء تقع عليهم مسؤوليات لا تقل أهمية يبدو أن الكثيرين منهم لا زالو يجهلونها أو ربما يتجاهلون.

عن موقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

الطريق إلى طرابلس – 4

عبدالقادر الفيتوري

وين الغالي يادار

المشرف العام

السرايا الحمراء علامة طرابلس المهملة

المشرف العام

اترك تعليق