المقالة

دور الشباب

فى ظل ما نُعايشه من متغيرات مفصلية، وما نشرع فى بنائه اليوم ومستقبلا، سنطرح سؤالنا حول أدوار الرجال والنساء بمختلف أعمارهم، كما وأهمية انشغالهم بالاشتغال فى المسألة الوطنية…

غير أن الانحياز بالسؤال تجاه الشباب له مبرراته، كونهم مكونًا «كميًا» يجعل دولتنا ليبيا شابة فتية هذا أولا، وثانيا أنهم كانوا وقود هذه المرحلة التى نخوض فيها متغيرًا، ونواجه فيه تحديات ذات خصوصية فى المنطقة، عمن خُضنا معهم ذات المتغير من دول جوار أو إقليم، إذ الشباب فى ليبيا حين فرض النظام السابق خيار ومسألة توزيع واستعمال السلاح (خفيفه وثقيله) بإتاحة مخازنه لطرفى «الثوار، والمدافعين عنه»، كان لزاما أن يتقدم الشباب ممن قُبرت أحلامهم فى مشاريع الوهم، وهكذا سيحصل وفق أى معطى سياسى اجتماعى مشابه، وعقب أكتوبر 2011 م، انقسم الشباب إلى جبهتين، جبهة استمسكت بالسلاح صوتا معبرا وفعلا منتهكا لكل بشر وحجر، وجبهة دعت إلى العودة إلى وضعٍ لازم وهو بناء أُسس الدولة المدنية وليست العسكرية المُسلحة، وبالفعل جرى ذلك بخطوات، بل وشهدنا نماذج بينة أعلنت عن نفسها عندما شُرع فى النشاط المدنى فى أكثر من مكان، وكانت المؤسسات التعليمية ومنظمات شبابية محل حراك لم يحصل منذ عقود، مقاومةٍ أجواء مسلحة، وبروز قيادات شابة لمسمى «دروع»، و«ألوية»، و«كتائب» صغيرة العدد وكبيرته.

ومن الصعب ألا نعرج على المسار التاريخى الليبى لشباب «الجيل الصاعد» والشبيبة الناهضة «فآباؤنا المؤسسون لدولة الاستقلال فيهم شباب، جمعية عمر المختار 1943م مؤسسوها شباب، وكانت لهم جريدتهم ما مثلت خطاب مُعارضة، وقد كانت حركة الكشافة والنوادى التى عنيت فى جانبها بالأشبال والفتيان، كما نواة لعديد من أنواع الرياضات فى النوادى التى جمعت الثقافة والاجتماع، ومن ذلك مؤسسات المجتمع المدنى من اتحادات ونقابات، ونشاط الجامعة الليبية المؤسسة 1955م ببنى غازى ولاحقا طرابلس، ومن المفترض الاطلاع على هذه التجربة لشباب اليوم، وكقدوة وقتها الطالب رجب الهنيد رئيس اتحاد طلبة ليبيا، ثم أحمد الماقني، وكلاهما عنوان بارز لمرحلة ديمقراطية، ونضال شبابى مدني، كما وإصدارات رصينة، نموذج مجلة قورينا لكلية الآداب، ومجلة العدالة لكلية القانون، وأيضا الثانوية الصناعية ببنغازى أصدرت «الطليعة» فى عام 1956، ومعهد المعلمين أصدر «المعلم»، كما المجلات الثقافية التى أصدرتها فرق مسرحية عمرت بالشباب على مستوى البلاد.

وفى النضال الشبابى سنذكر فاطمة التايب، السجينة السياسية، طالبة كلية الزراعة، والطالبة فوزية خريبيش من ردت وصدعت برأيها فى مواجهة القذافى فى مدرج كلية الآداب بطرابلس، وعشرات الطلاب (1976-1977) حين خرجوا بمظاهرات شجاعة، عندما أوقف القذافى عمل اتحاد الطلاب، وأصر على عسكرة الجامعة، ودفعوا ثمن ذلك اعتقالا تعسفيا وحرمانا دراسيا ووظيفيا لسنوات بعدها.
ما الذى يحتاجه الشباب ليكونوا مؤثرين سلوكيا، وتوعويا، ومهنيا، وعلميا، شبابنا منهم منخرطون بتنظيمات تجعل من التأسلم ستارا مموها لممارسة العنف وإقصاء كل مخالف بانتهاكات مشينة، اليوم أدوار المنظمات المدنية وبمختلف مجالاتها منها الحقوقية والمهنية اجتذاب العناصر الشابة واستقطاب الفاعلين منهم، ففيها يتم التوعية بالدور المجتمعى وصناعة الذات فكرا وممارسة، بالمثابرة والعمل التطوعي، إن الانخراط فى أعمال المجتمع المدنى مساهمة مطلوبة فى مجتمع مستقر، فما بالك بمجتمع يفتح بابه بعد قطيعة عقود لكل فعل وفاعلية مدنية، لإنماء قيم المنافسة الفعّالة والإيجابية، والحدّ من خصلتى الاعتماد والاتّكال، كما هم بحاجة لتوفير وتعزيز مناخ الحوار وتقبل الأفكار وتشبيعها بالتدوال، كما ويقود ذلك جيل التجربة والخبرة ابتعادا عن ظاهرة صراع الأجيال، فجيل تحقق له النحت على صناعة الذات، ينقل تجربته تلك إلى جيل لاحق، ليتسنى التواصل فيما بينهم، ومع الزمن نعمل على خلق النخبة التى تتميز فردانيتها بكاريزما القيادة التى تستطيع أن تستقطب برؤاها الوطنية المستندة على مرجعية فكرية، سياسية واقتصادية، ومجتمعية.

ليس لنا أن نُغيب تواجدهم بمجالات القوى الناعمة، ضمن النوادى التى تتضمن الحيز الرياضي، كما الثقافى الإبداعى، ليكتمل عنصرا الروح والجسد، وختاما نتشارك مع العالم خطة التنمية وأجندتها (2030) والتى من ضمن مبادئها وغاياتها السبعة عشرة، مناقشة فاعلية الشباب (للأهداف 1-3-4-5-8-16) وهى من بين مقاصد مستقبلية ومستدامة للأمم المتحدة، وطرح سؤال إعمالها فى ظل الظروف الراهنة بالمنطقة العربية مهمة ملزمة للمؤسسات التشريعية والتنفيذية القائمة، وخلق الرؤية تتم بإشراك الشباب من خلال سبر آرائهم وتحريك فاعليتهم باقتراح خارطة طريق وفق احتياجاتهم وأدوارهم اليوم وغدًا.

مقالات ذات علاقة

سرقة الإعلام الليبي

المشرف العام

تخريط الوجدان

سالم العوكلي

المُرَكَّب المستحيل

سالم العوكلي

اترك تعليق