طيوب البراح

دموع على شط الصابري

مرعي إبراهيم العوامي

لابد للطامح أن يسقط في هوة توازى ارتفاع التحليق…** جون ميلتون دراما 2020 عدنان بشير معيتيق حبر على ورق 32 * 42 سم

في إحدى ليالي الصيف البعيدة، من مساء الخميس خرجت من بيتنا بحي الصابري قاصدا البحر، على موعد لليلة سمر رفقة أشخاص دعوتهم شخصياً لخيمتي، وفور وصولي للشاطئ وبالضبط أمام (فم الوادي) نظفت المكان بعناية، ونصبت خيمتي والتي تتكون من أربع أعمدة خشبية وقطعة قماش بيضاء كبيرة، ووضعت كل ما يلزم من مؤونة ليلة كاملة داخل الخيمة.

كانت الريح باردة، والسماء صافية، والبحر يلمع، قمت بجمع الأخشاب من التي قذفتها الأمواج من عرض البحر، ووضعتها أمام أحد أعمدة الخيمة حتى تجف، في هذه الأثناء أرخى الليل سدوله، ولم أعد أرى شيئا، وضعت الفحم الذي جلبته معي وقمت بإشعال النار، وبعد قليل بدأت بسحب الجمر بقربي لأضع عليه (براد الشاي)، ونظرت الى البحر نظرة بعيدة.

أنا أعشق البحر وأحب الجلوس أمامه لساعات وأيام، فالبحر يمثل أهمية كبيرة لنا نحن أهل الصابري، فهو روح الحي وأيضا الصدر الحنون الذي يشتكي أليه كل المحبين، فللبحر عشق من نوع خاص، لأنه ذو الأفق الواسع الذي يأخذنا الى عالم مليء بكل الذكريات الجميلة والحزينة في ان واحد. في هذه اللحظة جاء محمود، وألقى السلام وجلس أمامي، وضع الكيس الذي أحضره معه جانبا، وبعض المكسرات والحلوى.

محمود لا يملك من حطام هذه الدنيا سوى وسامته، فهو وسيم للغاية، أزرق العينين ممشوق القوام، شجاع وكريم عمره (39سنة)، جاهل ولكنه ليس أبله، عامل في الميناء على وظيفة (عداد)، ثقافته هي ابطال افلام الكوبوي (ايلاي والاك) و(جيان ماريا فولنتي) و(لي فان كليف)، وأفلام (فريد شوقي ومحمود المليجي وتوفيق الدقن) في سينما الشرق وسينما (الهايتي) وسينما (النصر)، ومشاهدة معارك جيله تحت أقواس الفندق البلدي.

منذ عام تقريبا، والدة محمود قررت تزويجه، شقيقه الأكبر مدير عام في إحدى قطاعات المدينة، عندما علم بفكرة الخطبة أخبرهم بأنه معه في الشغل موظفة بنت حلال خريجة جامعة وجميلة، فاتفق مع أخيه أن يراها في مكان العمل أولا، وإذا أعجبته، يتوكلون على الله، لخطبتها. أحضر شقيق محمود بعض من ملابسه الرسمية، وأعطاها لمحمود لكي يكون مظهره أفضل، وفعلاً عندما ارتدى ملابس شقيقه المدير العام، أصبح بالإضافة الى وسامته، في قمة الاناقة. وذهب للفتاة في العمل بعد أن علمت وأخبروها بالأمر. دخل محمود على الفتاة في مكتبها ولما نظرت إليه، تيبست عروقها، وتجمدت في مكانها من أثر وسامة وأناقة محمود، فوافقت على الفور، فقد وقعت في غرامه منذ أن رأته، فهي أيضا جميلة وطموحة وذكية.

بعد الخطبة بدأ يتصل بها عن طريق الهاتف الأرضي، سواء في العمل صباحا، أو البيت مساء. هو دائما يتصل ويتكلم ويحكي لها عن عمله في الميناء ومشاكله مع عمال الميناء، وأيضا عن أفلام (البانديتي) الكاوبوي، هو ينطقها هكذا!!  وكيف انتصر فريد شوقي على المليجي وتوفيق الدقن، وايضا معاركه مع شباب حي دكاكين حميد والزريريعية وسوق احداش، ويصف لها كيف يتفنن في ذبح خرفان عيد الأضحى للجيران، وبعد الذبح تقدم له إحدى فتيات الجيران القهوة والكعك عن طريق اخيها الصغير، ويشرب القهوة وهو ينظر اليها مبتسما ويداه مليئة بدماء الخروف.

في أحد المكالمات مع خطيبته سألته عن أحب المطربين والأغاني الى قلبه، أجاب بانه يعشق جميع اغاني (اعليويكة وعبد الجليل الهتش)، وأحب اغانيه اغنية (داعيتك عالنار في سبايب اعيون اكبار) و(باب الحديد وفوقنا دورية –لا ضي يشعل لا فتيلة حية). بعد أربع أشهر قررت تركه ففي بداية الخطبة كانت تحت تأثير وسامته، ثم عرفت أن طموحها أكبر من الوسامة، وبحكم ثقافتها وتعليمها الجامعي، يلزمها البحث عن شاب في نفس مستواها التعليمي. وفعلا تركته، فذهل من الصدمة ولم يصدق ما سمع فقد أحبها وعشقها ولا يستطيع فراقها.

بعد عدة أسابيع من الفراق ذهبت إليه في بيتهم، وجدته منزويا في غرفته، ولم أستطع التعرف عليه، انه منهار، الشعر المصفف الناعم اشتعل فيه بعض الشيب، الاسنان التي كانت ناصعة البياض أصبح لونها يميل الى الاصفرار من إثر شرب الشاي والسجائر، بعض السواد تحت عينيه، أخيه الذي من جيلي طلب مني أن آتي بين الحين والاخر والذهاب معا في نزهة، وفعلا اصطحبته معي وجلسنا في قهوة سوق الحوت، وقهوة سوق احداش، وكنا نلتقي ببعض الاصدقاء ونجلس معهم. وها هو الان جالس امامي بكل ثقله وهمومه، قلت له بعد ان قدمت له كوب من الشاي، أخذه ووضعه أمامه بعد ان ارتشف منه رشفه:

– طمني على نفسك وحالك يا محمود.

فقال الكلمة التي تقسم الظهر: (العقل خدوه خلاص).

في هذه اللحظة جاء صالح ولم يلق السلام، ظل واقفا ونظر إلى البحر، وأطلق كلمة غير مفهومة، فقد دعوته هو الاخر لقضاء الليلة معنا، عمره 26 سنة، منذ سنتين جاء هنا الى هذا المكان رفقة صديقه وجاره ناصر، ودخلا البحر للسباحة كالعادة، ومعروف عنهما أنهما من أمهر السباحين بالحي، ذهبوا  بعيدا في عرض البحر، وعند العودة، لم يستطع ناصر التنفس، وهذه تحدث له لأول مرة، وامسك ناصر بيديه الاثنين كتف صالح من الخلف، وبدأ بالعودة بناصر إلى بر الامان وفي هذه الاثناء  اصاب رجل صالح (عرق) شد عضلي قوي في رجله، ومن شدة الألم، ترك ناصر قليلا حتى يخف الألم لكن ناصر غرق وشرب من ماء البحر كثيرا، وجرفه التيار وابتعد عنه، انتبه صالح بعد فوات الاوان، وحاول الرجوع إليه وإنقاذه، ولكنه اختفى، وبدء صالح يصيح بأعلى صوته: ناصر ناصر .. ناصر.

وخرج صالح من البحر ولم يغادره، بقي على الشط وحده لعل ناصر يخرج في أي لحظة، حتى طلع النهار ثم جاء أحد شباب الحي من الصيادين في الصباح الباكر لكي يخرج شباكه التي بيتت في البحر، في هذه اللحظة وجد ناصر عالقا بين صخور (بير الحيطات) وشباكه. فصرخ: إنه ناصر.

فجرى صالح نحو الصياد واخرجوا ناصر ووضعوه على الشط، لكنهم وجدوه جسدا بدون روح. بعد هذه الفاجعة أصبح صالح غير طبيعي لفقده رفيقه، وأصبح يأتي كل مساء هنا وينادي ناصر. طلبت منه الجلوس وجلس، وقدمت له كوبا من الشاي، وقبل أن يشرب الشاي أشعل سيجارة بعصبية وأخذ نفسا عميقا، وشرب الشاي، ونظر للبحر وكأنه يتوعده. قلت له:

– أعتقد تعرف هذا؟

واشرت بيدي الى محمود فقال:

– انه ناصر.

واخرج كلمات لم نفهمها فقلت له:

– إنه محمود جارنا.

قال: نعم نعم!

بدأت في إعداد وجبة العشاء، واخذت حزمة من الاخشاب ووضعتها على النار، هنا جاء عيسى، عمره 40 سنة، يملك شنبا كبيرا، أسمر البشرة، وفي يده (قفة سعف) سلة، بداخلها كل ما يلزم من متطلبات صيد السمك؛ حسك وجبنة وعجينة وأثقال معدنية، وفي يده الاخرى سنارة كبيرة، نوعية ممتازة، وضعهن جانبا بكل ثقة، واتجه نحو البحر ووقف بالقرب من الشط ووضع يديه على وسطه، وبدء ينظر الى البحر وكأنه عالم بحار، ثم جاء وجلس ونظر الينا وقال:

– الليلة لا يوجد سمك، حظكم سي!!

وهي ذريعة حتى لا يفضح أمره امامنا، فهو منذ 15 سنة، ووهو يخرج منذ الصباح من بيتهم متجها للبحر، وفتية الحي ينظرون اليه بإعجاب وهو حاملا عدة الصيد الكاملة، وطوال هذه المدة لم يصطاد سمكة واحدة، ولم يغطس في البحر ابدا، مكتفيا بوضع رجليه على الشاطئ كي يرمي الصنارة فقط، وجيرانه دائما يسخرون منه: ماذا جلبت لنا اليوم؟ شولة، فروج؟ فيتحجج لهم بسوء الطقس وأحوال الجو، وهو سعيد جدا لدعوتي له الليلة، فقلت له: أنت معروف يا عيسى من أقدم الصيادين والحي كله اكل من السمك الذي تصطاده وعجائزنا دائما يدعولك.

فانتفخ، وانفرجت أساريره والارض لم تعد تسعه من الفرحة، وقال:

–  لا باس إنهم جيراني وانت تعرف جيدا بعد عودتي من البحر السمك الذي يزيد عن حاجتي لا أبيعه بل أوزعه على الجيران والاصدقاء.

عيسى هو الاخر حزين لذهاب صديقه ورفيق الصبا منذ سنوات للدراسة في امريكا، ومعروف عنهم في الحي كله بأنهما دائما مع بعض، لا يفرقهما الا النوم، يذهبان معا للسينما ومباريات الاهلي والتحدي. عيسى دخل لعبة الملاكمة بنادي التحدي ولم يوفق في هذه اللعبة، فاعتزلها مبكرا بعد ان خسر أمام ملاكم من نادي الاهلي.. بعد سفر رفيقه قرر الا يصادق احدا ابدا حتى لا يحدث له ما حدث مع رفيق الصبا والطفولة، واكتفى بصداقة البحر فيقول: البحر دائما موجود.

وبين الحين والاخر يبعث له رفيقه من أمريكا بعض أدوات الصيد عن طريق البريد، هو لا يملك صندوق بريد، جاره المثقف لديه صندوق بريد يراسل الصحف والمجلات العربية، ويستقبل فيه ميكي وسوبرمان والبرق وأرسين لوبين وكتب كولن ولسون وجان بول سارتر، هو فخور بذلك.

وأخيرا وصل القزم (قصير القامة) وأطلق السلام إنه في الواقع قزم ولكن في الحقيقة عملاق، وبعد أن نظر إلينا بعينيه الضيقتين، جاء وجلس أمامي وثنى ساقيه تحته، حتى يكون في مستوى باقي الجالسين ومد لي كيسا به بعض الطعام، فقلت له: مرحى أيها الصديق، لماذا تأخرت؟

قال: انتظرت حتى يخيم الظلام، كيلا أرى أولئك الأوغاد في تلك الخيمة! واشار بيده القصيرة نحوهم، (ونظرت إلى يده؛ رأيت وشم مخطاف سفينة).

– إنهم هناك انظر!

قلت له: نعم.

وحاولت ان استفزه فقلت له: ولكنهم اصدقائك؟

فقال: دعك من هذه الاكذوبة، صديقك! وضرب بقوة على جيب قميصه؛ هو هذا فقط.

هذا القزم عمره 33 سنة، عندما تنظر إلى وجهه، كأنك ترى أحد قادة المغول، جبار وشجاع لا يثق بأحد ابدا، ولكن إذا أحبك فانت محظوظ مثلي، انا فقد حظيت بصداقته، انه هنا في هذا المكان منذ 10 سنوات، ناصبا خيمته وداخلها تجد (البارود – الجولاطينة وبندقة البحر وأمواس بوخوصة) وكل ما يلزم لاصطياد السمك، فقلت له: متى تركت البارود؟ (هذا مصطلح عيال البحر يعني: متى تركت اصطياد السمك بالجولاطينة؟)

فنظر الي مليا، ونظر الى محمود وعيسى وصالح، والتفت الى البحر ونظر نظرة بعيدة، ثم التفت الينا، وطال انتظارنا لكي نسمع الجواب، وهذه إحدى خصائله المعروفة، وأنا منسجم ممسكا ضحكتي، فقال: بعد أن فتحو لي ملفا في الداخلي تركت هذه (السراكة). يقصد المهنة التي جلبت له المتاعب.

في هذه اللحظة كانت وجبة العشاء جاهزة، وقد ساعدني في التقديم صالح وعيسى، والوجبة تتكون من مكرونة بلحم الخروف الوطني والمشروبات الغازية، ووضعنا الحلو والمكسرات التي جلبها كل من محمود والقزم، وبدانا في تناول الطعام، ولاحظت محمود لم يأكل فحلفت بالله ان يأكل، فسمع كلامي وبداء الأكل، وفي أثناء تناول الطعام، حكيت لهم بعض مقالب شباب الحي، وضحكنا جميعا.

بعد الانتهاء من الوجبة اخذ صالح الاواني لغسلها في البحر، وأخذت (براد الشاهي) من على النار ووزعت اكواب الشاي عليهم جميعا. محمود وصالح وعيسى أشعلوا سجائرهم، ومد عيسى سيجارة للقزم، فقال: شكرا لقد تركت هذا اللعين، وأشياء اخرى منذ فترة.

هنا قلت له: ماذا حدث في تلك الليلة هنا في خيمتك مع (راس الكبش)؟ يقال إنه تغلب عليك!

فانتفض وقال: أبدا يا زعيم -كان يحب ان يناديني هكذا- لقد لقنته درسا لن ينساه.

قلت: إذن احكي لنا، غنه ضخم الجثة ولم يتغلب عليه أحد من قبل! ماذا حدث وكيف تغلبت عليه؟

فقال: ماذا قالوا لك الملاعين عن تلك الليلة الطويلة؟

قلت: قالوا الكثير لكن حدثنا انت!

قال: نعم لقد اشتكى رفيقي منه مرات عدة، فقرر أن يغادر خيمته المبنية بجوار خيمتي، ويذهب ليبني خيمة جديدة في الشاطئ الآخر بجانب (الكباسة) حتى يستريح من مضايقة الكبش له، فقلت له: لا عليك ابق وأنا سوف أسوي معه الموضوع الليلة. فقررت ان أعلمه معنى الخسارة. فدعوته إلى خيمتي في تلك الليلة، فجاء وبصحبته ثلاثة من رفقاه، وفجأة بدء في مضايقتي، هذا الملعون (راس الكبش)، بعد أن لعبت الخمرة في رأسه. الوغد خاطبني قائلا: ايها القزم احمد الله اننا جالسين معك فانت لا تساوي شيا في سوق الرجال وضحك! فوقفت ودخلت الى خيمتي وجلبت معي شيئا ووضعته في جيبي.

قلت له: ما هو هذا الشي؟

قال: ستعرف، اصبر!  وبداء بمضايقتي من جديد، فانتظرته حتى فقد رشده، فأخرجت هذا الشي من جيبي وهو (بوني دوفير)، غنها قطعة حديد دائرية تلبس في اصابع اليد الاربعة مثل الخاتم   وهجمت عليه بسرعة البرق، وبدأت في تهشيم انفه ووجهه، وقفزت على جسمه اقسم بالله! نعم استمريت في ضربه حتى تحطمت اسنانه وفقد الوعي، واصدقاه الثلاثة الجالسين معنا، من هول الموقف لم يحركوا ساكنا في اللحظات الاولى، بعدها هجموا علي، وأبعدوني عنه بعد ان أصبح وجه مضرجا بالدماء، وطردتهم من خيمتي. أقسم بالله انا الذي امامكم طردتهم واخذو (راس الكبش) وفروا هاربين بعد ان توعدوني بالانتقام..

هذا هو القزم بعد هذه الليلة الشرسة بداء يخشاه جميع الاوغاد، في هذه اللحظة سمعنا لهاث شخص في الظلمة ثم اقترب منا وبعد ان نظرت اليه عرفته فناديته: يا سيد سالم.

فجاء وأطلق السلام وطلبت منه الجلوس وشرب الشاي، فجلس وبعد السلام على الجميع قلت له: اعتقد تعرف الجميع.

وبعد النظر إليهم قال: إنه الكبر يا صاحبي، لم أتذكر.

فقلت له: مازلت صغيرا ماذا دهاك.

فقال: عمري الان 50 عاما.

فقال القزم: إني اعرفك جيدا.

فقال سالم: ممكن التقينا في أحد المناسبات.

قدمت له الشاي، وبعد ان اخذ مني كوب الشاي قال: إنني بين الحين والاخر امشي من بداية منارة سي خريبيش حتى أصل السفينة الجانحة، واشار بيده نحو السفينة، وأجلس أمامها بعض الوقت ثم ارجع.

هنا فاجأته بسؤالي: على ما يبدو ترجع في ذكريات حادثة القارب؟ فانتفض ونظر الي باستغراب ونظرت الى عينيه من خلال لهيب النار فرأيت الشرر يتطاير من عينيه، وقال: اي قارب؟ ومن قال لك ذلك؟

ثم وقف يريد الرحيل، فقلت له: أرجوك اجلس سيد سالم، ارجوك.

فجلس وقلت له: هدئ من روعك، والجميع ينظرون الى سالم ولم يفهموا شيا، ثم اخرج علبة سجائره، واراد ان يشعل لفافته فلم يستطع، يداه الضخمتان ترتعشان، فاخذ القزم جمرة من النار التي امامنا وأشعل سيجارة سالم، ونظروا الى بعضهم ولهيب النار تلمع في وجوههم. فقال القزم: استرح قليلا يا رايس، انا ايضا اعرف حادثة القارب.

استراح ثم استنشق الدخان حتى اعماق رئتيه، واخرجه من منخريه واسند راسه على عمود الخيمة وقدمت له كوب من الماء، فافرغه في جوفه وقال: سألتني عن حادثة القارب في تلك الليلة منذ 15عاما نزلت انا والرايس بقاربنا باتجاه (البوغاز) حوالي الساعة الحادية عشر ليلا، وتعرجنا باتجاه مربط المراكب المقابل للمنارة وانتظرنا حتى منتصف الليل، ثم بعد ان نامت بنغازي اندفعنا في عرض البحر، في البداية كان هناك القليل من الرياح، لقد كان الرايس بحارا رهيبا، فقد سافر طويلا في البحر، ويعرف جيدا اسراره. ونحن في عرض البحر قال الرايس: لقد غدر بنا البحر! الامواج سوف تكون عالية فيما بعد. فقلت له: الافضل ان نرجع يا رايس. فقال: مستحيل لم ارجع من قبل في مثل هذه الظروف، قريبا سنصل. وبعد ساعة ونصف تقريبا وصلنا لاحد البواخر الايطالية، وبعد ان أشعل الرايس البيلة راءونا ورموا لنا سلم الحبل، ربطنا المركب بسلم الحبل وصعدنا وبدأت الريح تعلو، وبعد ان وصلنا الى سطح الباخرة وجدنا في انتظارنا قبطان الباخرة وبعض البحارة. اقترب الرايس من القبطان وانا اصبحت في الخلف وبداء الرايس يتفاوض مع القبطان لشراء صناديق من الخمرة. فجأة انقطع حبل المركب واصطدم بالباخرة وذهب مع الامواج، يبدو اننا لم نربطه جيدا والرياح بداءات في الارتفاع مع الرياح العاتية وتلاطم الامواج. فنظر الرايس الى القارب الذي بداء يبتعد. فقفز الرايس نعم اقسم بالله لقد قفز من اعلى الباخرة فذهل البحارة من شجاعة هذا الرجل والقبطان ارتبك وقال: يا إلهي. وبدأت أصرخ: ارجع يا رايس، ارجع ارجوك. في البداية شاهدته وهو يتصارع مع الامواج والقارب ولكن البحر كان عاليا فاختفى الرايس مع القارب. لقد رحل، لقد مات، إنه أشجع الشجعان الله يرحمه وأجهش في البكاء. ثم اراد الوقوف ليذهب فلم يتمكن من الوقوف، فاسنده عيسى ليقف وذهب، ونحن ننظر اليه وبعد قليل اختفى في الظلام.

بقينا صامتين قرب النار متأثرين بما سمعنا، وخيم السكون على الجميع ثم اتجه نظرنا نحو صالح، وجدناه يبكي فضمه عيسى الى صدره وحاول إسكاته، في هذه اللحظة حاولت تغيير الجو فقلت لهم: ما رأيكم في إعداد قهوة؟ فرد الجميع بالإيجاب.

قمت بإعداد القهوة، ومن بعد توزيعها، وبدأوا في شرب القهوة مع اشعال سجائرهم، عندها قمت وقلت لهم: بعد إذنكم سوف أذهب إلى الخيمة المجاورة لنا.

ذهبت الخيمة ورجعت بثلاثة اشخاص وبحوزتهم آلة عود وايقاع وآلة كمان، ودخلنا الخيمة وجلسنا وشكلنا دائرة والنار موجودة في الزاوية الاخرى ووضعت حزمة مرة اخرى كبيرة من الاخشاب على النار، وقلت لعازف العود: أرجوك اعزف لنا لحنا صبراويا.

فقال: سوف أعزف لك لحنا بنغازيا لم تسمعه من قبل. ثم اخذ عوده وراح يعزف ولم اسمع اروع من هذا اللحن الصبراوي. ومول وراح يدغدغ في شجن محمود وصالح:

(انتي اول حبيب وانتي اخر حبيب / ما اظني بعد غيبك عني. عيني تنام

قولي امتى انجيك ونقف بين ايديك / روحي تسال عليك عيني تبعث سلام)

ومول ايضا وقال: يا انصورة يا شمعة الدار يا بحر يا غدار.

ثم برول وقال: (نبيك الروحي بيش انداوي بيك اجروحي انا نبيك

نبيك اتجيني

انا نبيك امريود عيني في غفلة بيش اداويني

قبل انموت وتخرج روحي).

في هذه اللحظة الحالمة والخيالية، وقف محمود وصالح وبدأوا في الرقص مع الحياة وعازف العود والكمان والايقاع دخلوا مع بعضهم في انسجام تام لحنا وكلمات، فجن جنون محمود وصالح في طريقة الرقص وحط محمود يده فوق يد صالح على شكل طولي، فراحوا يقفزون هنا وهناك ويقومون بحركة دائرية ثم تركوا بعضهم، ورفع محمود يديه على مستوى كتفه وأغمض عينيه لابسا بنطلون امريكي ماركة (لي فايز) وقميص ابيض فضفاض جميل وأصبح ينادي في خطيبته التي تركته بانه لا يستطيع فراقها، وبداء يصرخ باسمها ثم سقط على الارض.

والتفت صالح الى البحر وهو مازال يرقص، ونزع قميصه وأصبح عاري الصدر متسائلا يبكي: لماذا يا بحر؟، سامحني يا ناصر سامحني، اقسم بالله العظيم شدني (عرق) في رجلي، لماذا يا بحر؟ انت اناني وجبار، انه مازال صغيرا، ثم سقط هو ايضا على الارض، فضمه عيسى على صدره واجلسه بجانبه وانا انظر إليهم مذهولا.

محمود وصالح وعيسى والقزم وعازفي العود والكمان والايقاع والبحر والنار وسالم الذي ذهب منذ قليل، وكأني انظر الى لوحه رسمها فنان اعتقد انها لم تكتمل ولا اعرف اسم عنوانها. تمنيت الا تنتهي هذه الليلة ابدا، نظرت الى النار وجدتها قد خمدت.

في الصباح فتحت عيوني، كان الجميع قد رحل!!

مقالات ذات علاقة

قالت لي

المشرف العام

أمات قلبي

المشرف العام

ليتكَ لَم تكُن..

المشرف العام

اترك تعليق