قصة

دمــوع الفــراق

 

 

 ضاقت بي الدنيا إن جاز التعبيرُ.. يا سيدتي , من بعدكِ صرتُ أحدقُ وأقول :- لما عيناي لا يبصرانِ إلا الفراشاتِ السمراوات ؟.. عذراً. سألتُ الطبيعة مرة.. أين الربيع ؟ فأجابت : ألا يكفي نهر الدموعِ هذا.. لكي يسقي الزهور الذابلة. عاودتُ السؤال عدة مرات.. فانتهرتني وقالت: كفى..كفى.

 انطلقتُ شاكياً معاتباً للزمن..فلم وصلتُ لقلعته الهرمة.. أمر الحراس بأن يمنعوني.. لا أدري ما هو السبب ؟ فتدخلت دموعي دونما انتظار تنسابُ قهراً وظلماً , تطلبُ العفو والرجاء.. وقلبي المسكين يكرر عبارة ( وا حسرتاه.. وا حسرتاه..). وعندما سقطت أخر وريقة أملً يتيمةً.. خرجتُ من سور القلعة أجرُ ما تبقى من خيالي.. وفجأةً سمعتُ صدى صراخ يأتي من داخل القلعة بضعة همسات حراس تقول :

قد أذن لك بالدخول.

تعمدتُ النومَ في وادي الحيرة.. فدنوت بجانب كومةٍ من ذكرياتٍ حزينة , ووضعتُ رأسي الكبير على فخدها اليابس والصلبِ أيضاً. لم تأنس بي.. ولم أكترث قط.

 رحبتُ ومن ثم باشرتُ في القُبل.. وسلمتُ على بعض الومضات , وتجاهلتُ العدد الأكبر منها. وفي الطريق التقيتُ بالظلام.. تشابكتُ معه كان كعادته غامض. فشكرتُ النور , والشمس , والحقيقة. وقلتُ في مرآة السماء لولاكم :

 لكنتُ ألان مُعلقاً في مشنقة العصيان. ركِبت قدامَي فكرة العناد.. أن لا تكون , مكانك تجمد.. يعني نقطة نكرة.. هكذا إذا !! لكن الواقع بعربته الرمادية يضعُ فيها كل صباح.. ما أتملقه من استدراكي للحياة. ويستحي النجاح من أن يقول للواقع ابتعد , ودعني أمضي.. حوار غير متوقع أيضاً.

ينتابني نفس الشعور.. ربما سأمضي إلى وسط اللامكان.. وتبقى رسالة مكتوبة تفصلُ الأحداث , وتبرهن أن ما حدث كان لا بد أن يحدث. عندها أقتنعُ قناعةً كاملةً أنني لستُ السبب. تصفعني العواطف بشدة حينما أترقبُ حركة الفراشات..فألتفت على إحدى النوافذ.. تُفتح عن قصد لكي تُزِيغُني.. فأرى ما يعذبني , وما يشقيني لبقية عمري.

رأيتُ ورأيت.. وبكيتُ وبكيت.. واشتريتُ حفنة من المواعيد الكاذبة , لعلها تُصبرني على مصيبتي. ألتفتُ من جديد.. هذه المرة أطمحُ في النهوض.. أرفعُ ناصيتي كأنني الفارسُِ في أرض المعركةِ.. لكن المعركة تأجلت.. وسيفي سقط من يدي.. قبل أن تبدأ المعركة. صار ما يهمني هو أن أجد سيفي ,الذي ضاع مني أياماً , وشهوراً , وسنين.

 التفتُ حولي أنادي على أصدقائي , على رفاقي , على الصحبة الملعونة.. رحلوا وتركوني وحيداً.. تركوا لي بضعة نصائح قزمة.. لا تُغني من جوعِ عاشقٍ يتلهفُ للبقاء.. يبحثُ عن الوجودِ ولو بقطراتٍ من رحيقٍ تكفيه.. لمئات السنين.

 انطلقوا مسرعين نحو الزمن.. فقد صادقهم وصاروا حراسه الذين منعوني من مقابلته.. يا للزمن عرف كيف يقسم ظهري.. لكني لم استسلم بعد.

اختبأتُ خلف باب الجراح مصوباً لعنتي عليه حينما يصل.. أجل.. كنتُ على ثقة بقدومه.. أتى كعادته شاحب الوجه..عديم الفائدة , يعيشُ من أجل الخيبة , والخذلان.. لقد وصل حيوا معي ( الاعتذار ). فور وصوله هاجمته دون تردد فسقط مغشياً عليه.

واصلتُ تقدمي وكدتُ أسقط من جراء الماضي.. لكني يقيناً أعلمُ أن وصولي لمبتغاي هو مسألة وقت.. الحاضر يراقبُ تحركاتي.. والمستقبل شخصية مجهولة الهوية.. تجاهلتُ كل شيء.. الفراق , والعذاب , و أيضاً الحب. وانتزعتُ الأعذار من بدني كالذي ينزعُ الشظايا بحذر. ومسحتُ أخر دمعة بكف قلبي.. وقلتُ للزمن لا رغبة لي بلقائك..فاترُكني كما تَرَكَتّني.. والعبرة فيمن تعلم.. وليس العبرة فيمن خان.

______________________

نشر في العرب بتاريخ 26/11/ 2009

مقالات ذات علاقة

دهشة مبتورة…

أحمد يوسف عقيلة

إدريـــس

حسن أبوقباعة

أطـياف

هدى القرقني

اترك تعليق