المقالة

دفقة حبر

من أعمال التشكيلي حمزة العوامي

هل شاهد أحدكم حبيبتي؟ربما هذه أول مرة أكون فيها وغداً لئيماً لا يعرف الخجل ولا يندى جبينه حتى بربع حبة عرق .. هكذا في عز الظهيرة وفي زحمة الشارع الرئيس ووسط ضجيج السيارات وزحام البشر وتدافعهم ومع صرخات شرطي المرور الذي يقبع داخل سيارته (حوّل يا صاحب السيارة الـB M) (خوذ على اليمين ياسانتافي) (ممنوع الوقوف يا مرسيدس) (تكي على اليمين يا هونداي)..والمتسولون والمتسولات يزحفون حولي يمارسون طوقاً مزعجاً وقليل من الإيمان لايزال بالداخل ينهرني (فأما السائل فلا تنهر) (الله الحنان) (ولدي مريض) (عالجيه من الحافظة)…وأنا أستجمع وقاحتي وبلادتي ورزلاتي وأهجم وغداً لئيماً على صديق عمري وأسحب من يده عنوة تلك الفاتنة التي تنادي بمليون فم ومليار عين وهو في حالة ذهول مما أصاب صديقه الذي هو (أنا) وجعله يخطف من يده حبيبته التي ناضل وزاحم طويلاً حتى حصل عليها ..والحق أعترف لكم كانت جميلة ومغرية وكنت أنا في حالة نفسية متردية وشعرت عندما رأيتها أنها هي الوحيدة التي ستعيد لروحي القلقة توازنها .. وبمجرد أن تمكنت منها مسكتها بيدي الاثنتين ونظرت إليها نظرة فيها كل شيء فيها حب وهيام ووجد واشتهاء وانتظار واحتياج وحنين ساكن منذ سنوات فانفجر ليعيد لبركان (سيزوف) مجده القديم.

ولم أستطع المقاومة فأخذتها في حضني طويلاً وبكيت على وجهها عميقاً ودرت بها يميناً ودرت بها شمالاً وقلت لأجرب كيف أمشي معها في الشارع واثق الخطوة يمشي ملكاً فطاوعتني قطعت نهر الشارع إلى الرصيف الثاني فطاوعتني بوداعة ودموعي تبللها من كل ناحية ووشوشت في أذنها أين كنت يا حبيبتي؟ لماذا هذه الغيبة يا غرامي؟ لماذا هذا البعد يا معشوقتي؟ ويا سبحان الله من هذه الحياة الغريبة إذ وأنا أمارس طقوس حبي اكتشفت أن صديقي لايزال غارقاً في ذهوله أمام جنوني وأن شرطي المرور قد أخذ جانب الرصيف وتجمّد على كرسيه وسقط لسانه في فمه فما عاد قادراً على الصراخ في (الهونداي) ولا قادراً على فتح الطريق (للشبح)..ولهول ما اكتشف أن أصحاب المحال قد خرج بعضهم ليشاهد الفضيحة والبعض الآخر يتلصص من وراء الزجاج والمتسولون والمتسولات التصقوا ببعضهم حتى أصبحوا واحداً له ألف عين وسيارات النجدة والبحث الجنائي تتسلل واحدة وراء أخرى بينما طوقت سيارات شرطة الآداب الشارع وتبرع أحدهم بالاتصال بقنوات التلفاز ومحطات الإذاعة ودور الصحف..ولم أشعر بالخوف ولا أحسست بالانزعاج فأنا أمارس حريتي مع من انتظرت رؤيتها طويلاً ومن أغرقتها بمطر دموعي ومن ضممتها إلى صدري وما تمنيت أن تنفصل عنه..وغرق الشارع في صمت مريب فوشوشت لها (لماذا لم تتحجبي؟) وما خلقت للحجاب همست لها (سأحجبك وسأنقلك إلى “النجع” حتى لا يلفت لباسك أحداً “طبعاً النجع الحقيقي وليس “نجع” التلفاز الذي ينصب أوتاده كل رمضان بعد أن يمضي على العقد السمين!!! قلت لها وصوتي فيه فحيح ثعبان سام (لن يأخذك أحد مني سأحميك سأحافظ عليك سآخذ منك شجاعة وأعطيك من هيامي دفئاً)..وفجأة ويالهولي استيقظ صديقي من ذهوله وقرر أن يتمرد على جنوني قرر أن يعيد صديقه الذي هو أنا إلى عقله فاقترب مني بقوة وجذب حبيبتي ومعشوقتي بانفعال وصرخ في (فضحتنا يا رجل عد إلى عقلك) وتعلقت بيده كطفل فقد عائلته بكاملها ونظرت إليه بعينين فيهما نبع رجاء وهمست له يا صديق العمر دعني أقبلها قبلتين قبلة الفرح بلقائها وقبلة الحزن لوداعها..وكان صديقي شهماً وكريماً فلم يمانع رغم خجله من الشارع وما يضج فيه..ومسكتها بيدين مرتجفتين وقبلتها بقوة حتى كادت شفتاي تخترقها وفي قمة اللذة التي كنت أعيشها تدخل صديق عمري وسحب من بين يدي (ورقة الخمسين ديناراً)..فهل شاهد أحدكم من قبل ورقة الخمسين ديناراً؟! أعذروا جنوني.

مقالات ذات علاقة

أوان الرواية

يوسف القويري

عن محمّد حسن …ذِكَرتك وجنبي شمعة !

المشرف العام

الزبدة والسلاح

منصور أبوشناف

اترك تعليق