دراسات

دراسة للتداخل الأنواعي في قصة الحصلة في الرَّيّ للكاتبة آية ابوعقرب (1-3)

الجزء الأول: التعريف بحكاية القصة وبشخصيات الفلاسفة فيها وأقوالهم

الصومعرض انعكاس للتشكيلية دينا القلال (الصورة: عن تاناروت)رة: عن تاناروت.
معرض انعكاس للتشكيلية دينا القلال (الصورة: عن تاناروت)

1.1 مقدمة

حققت قصة الحصلة في الرَّيّ التباين من خلال مكونين متباينين مختلفين اختلافا كبيراً، وهما:

الشخصية الرئيسية حميد وكل الإرث الشعبي لليبيا ممثلا في فضاء المربوعة والأسرة والزوجات وطريقة الملبس والحياة ولعب الورق، ومفهوم الرَّيّ عندنا وأنواع أوراق اللعب بالتسمية الليبية، في مواجهة رصيد من الفلاسفة بفكرهم ورؤاهم المختلفة في الحياة والموت، وقد تكلم كل منهم بهاجسه.

فنجدنا في البداية مع فيثاغورس الرياضي الهندسي، ومع سقراط وتلميذه أفلاطون وتلميذ أفلاطون أرسطو ثم مع أبيقور وبيرون، من فلاسفة اليونان، ثم نجدنا مع توما الأكويني، ويظل السؤال المهم كيف حققت الكاتبة هذا المزيج من الكتابة الفكرية المميزة وهذه الرؤية غير الاعتيادية بجمع المتناقضين فكريا وعلميا واجتماعيا وتاريخيا.

دمجت الكاتبة بين المزيجين المتناقضين من العوالم المختلفة عن طريق قصة بسيطة وظفت فيها الفنتازيا أو غير المعقول وهذبته بالسخرية الخفية على طول النص، وكان الرابط الأساسي بين الجميع هو ذلك المفعول به الفاعل، إنه الرَّيّ المفقود في اللعبة. ذلك الرَّيّ بما فيه من سمات ملكية عليا وما حدث له من فقدان أثناء اللعبة أداة الفلاسفة لإسقاط كل الرؤى التي يعتقدونها أثناء حواراتهم، كما كان البحث عنه المحرك الأساسي للسرد وللحوار بين تلك الشخصيات العابرة للتاريخ وللجغرافيا وللمنطق العادي.

2.1 حكاية القصة:

تحكي قصة الحصلة في الرَّيّ حكاية حميد الذي بلغ في يوم الحدث الرئيسي خمسون سنة، وقد صار بذلك من حقه التوجه والجلوس في تلك المربوعة الأسطورية التي يلتقي فيها مجموعة من كبار السن كما يسميهم الراوي بالعامية(الشيابين). اللباس الذي يلبسه الجميع هو (الجرد) وهو اللباس الشعبي للرجال في ليبيا، وقد أطر الراوي بداية القصة بالحديث عن حميد وزوجاته وحياته في لغة ساخرة، لنتابع هنا بداية القصة لنفهم أجواءها التي ستسير عليها:

“ليلتها كان حميد جاهزا. قد لبس بدلته العربية المعتادة، ووضع فوقها الجَرد الوحيد الذي يملكه، وراثة عن أبيه. معتمرا قبعته الصوف لم ينس أن يترك مجالا لسوالفه الشائبة بياضا أن تعرض نفسها اختيالا لرائيها. ففي يومها قرر حميد، أخيرا، أن الخمسين عاما تكفي ليلتحق بالمغامرة المجهولة في نهاية الشارع.

حميد؛ بعد أن صلّى العشاء، وأكل العشاء، واطمأن علي نسائه من خيانات المساء، قفل بيته، ودسّ قفله في جيب سُترته وتوكل يدبّ خطوة، خطوة ناحية المربوعة. لم يتوقف عقله أبدا عن تخيل كل الأمور العجيبة التي يمكن أن تحصل هناك تلك الليلة. فالأساطير، علي لذتها، مُقلقة. وسقط قلبه فجأة عندما تصور أنه توجد طقوس من نوع ما لقبوله في جماعة الشيابين. هل عليه أن يسرد بعضا من طفرات شبابه المجنونة؟ أم عليه أن يستهزأ بالشباب نفسه؟ هل سيضطر أن يخلع الطاقية حتى يتأكد الجميع من شيباته المعدودة، وبالتالي من عضويته المشروعة؟ أم عليه فقط أن يُشعل سيجارة؟ ربما عليّ أن أشتري من الحاج ميلود علبة رياضي قبل أن أصل للمربوعة. هكذا فكّر

حميد سيدخل الحجرة ويجد هناك مجموعة من الفلاسفة جالسين: وهم فيثاغورس الرياضي الهندسي، وسقراط، وإفلاطون وأرسطو، كما نجد معهم بيرون، وأبيقور، ثم حضر توما الاكويني، وليبتنز، ولوك، وديكارت، وأسبينوزا، وكانط، وشوبنهاور، وهيوم، وبيركلي، وبيكون، ثم هيجل، ونيتشه، وكيرجارد، وهايدغر، وسارتر، وكامو، كما تمّ الحديث عن فرويد، ونيوتن، واينشتاين، وداروين. المجموعة كانوا يلعبون لعبة ورق تسمى (الحصلة في الرَّيّ) وهي تتضمن أن يتم توزيع الورق عليهم ثم الذي يتورط في ورقة الرَّيّ (الملك) الكوبة هو المهزوم.  كانت دهشة حميد عظيمة وهو يتابع كيف تتحول لعبة ورق إلى كل هذا التعقيد الفلسفي غير المفهوم، وكان يتابع حضور مجموعات من الفلاسفة المذكورين ثم ذهابهم ودخول آخرين، ونتيجة لطبيعة الفنتازيا في القصة وللبعد الساخر العميق فيها، فإنه لا يفهم ما يقولون ولا يدري لماذا حصل كل هذا.

قصة الرَّيّ والحوار حوله تحولت إلى معضلة فلسفية كبرى بينهم؛ فهم يناقشون وجوده من عدمه وحقيقته من عدم حقيقته وهكذا. بحيث كانت اللعبة واختفاء الرَّيّ أداة لتوضيح مفاهيمهم المختلفة. في نهاية المطاف ودع حميد المجموعة وخرج عائداً إلى بيته، عندما وصل البيت وجد ورقة الرَّيّ المفقودة في جيبه وشعر بمشاعر مختلفة غريبة، وفي الأيام التالية لا يتذكر أنه ذهب هناك إلى المربوعة ولا أن هناك ذكر لها؛ بحيث صرنا في لحظة التنوير أمام تكذيب لحقيقة ما رأه حميد تلك الليلة بالكامل، لنتابع ذلك هنا:

“لقد وجد الرَّيّ الكوبة. وجال في صدره زحامٌ من الكلمات أراد أن يصيح بها. أراد أن يعود جاريا للمربوعة ليقول للرفقاء أنه تحصّل أخيرا علي الرَّيّ، ولم يستطع. فقدماه تسمرتا وامتلئت جفنيه يقظة، ودموعا غزيرة لم يقدر علي حبسها.

تلك الليلة لم ينم حميد حتى الفجر. لأول مرة منذ سنين سهر حميد في فراشه مثل المراهقين، وشعر بشبابه بل وبطفولته مجددا بعد قتر وكدر عمرٍ طويل.

خلال كل الأيام التي تلت تلك الواقعة الغريبة، لم يدر حميد كيف يتصرف بالرَّيّ، فالمربوعة اختفت بعد تلك الزيارة، وامتنع هو أن يتكلم عنها أبدا حتى لا يُتهم بالدروشة. لكنه احتفظ بالرَّيّ في جيب صدريته، مباشرة فوق القلب. كوبة من أجل كوبة، كان دائما يقول”

3.1 بنية الحكاية في القصة

سنحاول هنا ان نفهم مكونات حكاية هذه القصة من خلال عناصرها الأربعة: الحدث، الشخصية، الزمان، المكان.

أولا. الأحداث

الحدث الرئيس في هذه القصة بسيط، وهو مكون من أكثر  من حدث فرعي يمكن رصدهم كما يلي:

1.  وصول عمر حميد إلى خمسين سنة وهو ما يؤهله للدخول إلى المربوعة التي فيها الشيوخ.

2. حميد يذهب إلى المربوعة ويلعب الورق (الكارطة)) مع الشيوخ الموجودين هناك.

3. الشيوخ الموجودون هناك عبارة عن مجموعة من الفلاسفة عبروا التاريخ وحضروا إلى المربوعة.

4. حميد يلعب مع الشيوخ لعبة الحصلة في الرَّيّ وهي تتضمن توزيع الورق والبحث عمن تورط في الرَّيّ (الملك الأحمر الكوبة).

5. يدخل ويخرج عدد من الفلاسفة والجميع لا هم لهم إلا البحث عن الرَّيّ المفقود؛ حيث صار البحث عن الرَّيّ اداة لتبئير وعي وطرح أيديولوجيات وافكار أولئك الفلاسفة. 

6. تنتهي اللعبة ويعود حميد إلى البيت وهناك يجد الرَّيّ المفقود في جيبه ويتوتر ولا يكاد ينام.

7. في الأيام التالية لا يعرف حميد كيف يتصرف مع الرَّيّ كما لا يجد المربوعة من جديد.

ثانيا. الشخصيات والفواعل

لكي نصل إلى فهم أكبر للفعل في هذه الرواية المميزة سنقوم بتقسيم المجتمع القصصي عندها لثلاثة أقسام: حميد، الفلاسفة، الفواعل من ورق الكارطة بخاصة الرَّيّ الكوبة.

يمكن تقسيم هذه الشخصيات والفواعل إلى ثلاثة دوائر من الشخصيات والفواعل:

1. دائرة حميد:

هو المجتمع البسيط الذي يعيش فيه حميد هو وأسرته وأهل قريته وكل من معه. حميد هو الشخصية الشعبية البسيطة التي قامت عليها القصة وقد وضع في مواجهة كم من الفلاسفة والأفكار وكان الصراع يدور حول الرَّيّ. الرَّيّ الذي كان مفتوحا في دلالاته واسقاطاته كما هي عادة الفلاسفة وما يعتمل في أفكارهم من تعقيدات لموضوعاتهم وتحولها من البسيط العادي إلى المعقد والمركب. مجتمع حميد كان يمثله هو وحده ضمن بيئة القرية واللباس الشعبي مع الإشارة في القصة إلى عائلته وباقي أفراد القبيلة.

2. مجتمع الفلاسفة

وهو المجتمع المكون من الفلاسفة الذين كانوا يزورون المربوعة ويجتمعون للعب لعبة الورق وهي الحصلة في الرَّيّ، وهو نماذج تمثل أهم الفلاسفة عبر التاريخ، وقد تمّ انتقائهم من الفلاسفة الغربيين اليونانيين الذين عاشوا قبل الميلاد، والفلاسفة في القرن الثاني عشر وما بعده.

3. الفواعل من الرَّيّ وباقي ورق الكارطة

يمثل ريّ الكوبة في هذه القصة الأداة التي تمّ بموجبها تفعيل السرد، وكانت اللعبة على بساطتها اداة لتعميق الفلسفة حول موضوع الملك والحقيقة والخيال؛ فهو حاضر حقيقة وغائب بحكم اللعبة ومجتمع الرَّيّ هو باقي الأوراق المصاحبة له والتي يتم بها اللعب في هذه اللعبة.

ثالثا. الزمن:

كان الزمن مفتوحا في هذه القصة فهو حدث وقع في ليلة ما من ليالي قرية من القرى وفي مربوعة من مرابيعها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى  فإن الزمن مفتوح على كل ما هو ممكن من أزمنة فالشخصيات الموجودة قادمة من أزمنة متباينة مختلفة، وهي بذلك بحكم التخييل القصصي صارت عابرة للزمن، فمنها من هو من مواليد خمسة قرون قبل الميلاد ومنهم من هو في العصر الحديث في القرن العشرين، تمّ دمج كل هذه الشخصيات في ليلة خاصة وفي مكان خاص.

رابعا. المكان

مكان وقوع هذه القصة هو المربوعة في قرية حميد وهي قرية غير محددة أو  حي شعبي غير محدد، والفضاء المذكور فيها هو ذلك الفضاء بين المربوعة وبيت حميد.

4.1 مدخل حول التداخل النوعي والإجناسي في القصة:

احتوت القصة على أكثر من بعد من الأبعاد النوعية والإجناسية؛ فهي تتكون من البعد السردي العادي مع البعدين الساخر والفنتازي بالإضافة للبعد الثقافي متمثلا في الفلسفة ورموزها الحاضرين، وكانت اللعبة (الحصلة في الرَّيّ) أداة لتحريك السرد وإنجاز القصة.

ويمكن أن نجمل مكونات القصة الإجناسية كما يلي:

  1. مستوى السرد العادي  وقد تمّ التطرق له عند مناقشتنا لحكاية القصة.
  2. البعد الثقافي وهو بعد فلسفي يمكن تقسيمه لمستويين:
  3. البعد الفلسفي الظاهر متمثلا في شخصيات الفلاسفة ومقولاتهم. وهو بعد ثقافي فلسفي.
  4. البعد الفلسفي الخفي متمثلا في فهم الراوي للأبعاد والرؤى الفلسفية للفلاسفة و جعل حواراتهم دالة على رؤيتهم العميقة التي تؤسس فكرهم الفلسفي.
  5. البعد الساخر.
  6. البعد الفنتازي.

5.1 البعد الثقافي في القصة:

تمّ إبراز رؤى الفلاسفة بشكل مباشر من خلال الحوار والسرد وما ينقله حميد الشاهد المختلف عنهم، كما تمّ التعريف بالفلاسفة وذلك من خلال إبراز تصوراتهم الفكرية والهندسية والفلسفية ضمن حواراتهم بشكل ظاهر يمكن رصده أو تحديده. كما كان هناك البعد الفلسفي الخفي في النص من خلال جذل الشخصيات وهو مستوى فني رفيع اندمج فيه الوعي الفلسفي للقيم الكبرى المختلفة بالوعي السردي العادي الساخر المؤسس من خلال حميد المشاهد للحالة والرَّيّ المفقود.

1.5.1 البعد الفلسفي الظاهر في النص:

تحقق البعد الفلسفي الظاهر في النص من خلال شخصيات الفلاسفة والإشارة إلى مشروعاتهم الفكرية وتنظيراتهم الأساسية ضمن نسيج القصة بشكل واضح، لنتابعهم هنا كما يلي:

أولا. الشخصيات الأساسية في المربوعة:

1. فيثاغورس (570 – 495) قبل الميلاد.

 وهو الفيلسوف والرياضي اليوناني القديم، وهو معروف بجانبه الرياضي الهندسي، كان أحد الشخصيات الرئيسية في المربوعة، نتابع ما يلي من المقولات التي صدرت عنه بشكل واضح وتعبر عن رؤيته الفلسفية:

“لا يمكنني معرفة طول وتر مثلث دون معرفة مجموع مربع طول الضلعين المقابلين له. مُربع، وليس الطول نفسه! هذه قاعدة ثابتة

لنتابع كيف كان يتصرف فيثاغورس:  فبين الكلمة والجملة كان يختلس ثانية أو اثنتين ليدون علي ظهر أوراقه معادلات رياضية وأشكال هندسية معقدة عقل حميد البسيط لم يتعرف إليها برقم.

إننا امام الشخصية متجسد بقولها ثم بتصورها ثم بفعلها، بينما هنا نجد تصورا يلخص مشروعين فلسفيين لفيثاغورس وبيرون: “وذهب النقاش جيئة وذهابا بين فيثا الممسوس بالمنطق الرياضي، وبيرو المتشكك”

2. سقراط. (470 – 399) قبل الميلاد.

استخدم اسم سقراط في هذه القصة كأحد الشخصيات الرئيسية في المربوعة، لنتابع تعليق بيرون عن المجموعة: “سقراط وأفلاطون هنا، وحتي الأستاذ لا يحبوننا أن نتكلم عن المشاعر والنسبيات وهذه المفاهيم التي لا تخضع للعقل، كما نجد منهجه التجريبي هنا وهو يحدث فيثاغورس المهووس بالأرقام. كما أنه كان قد وجه نقدا لمنهج فيثاغورس الرياضي: “ألا تكبر يا فيثا! رد سقراط عليه، أقول لك دائما أنه لا يمكنك فهم ظاهرة مريبة كتواري الرَّيّ عنا بحشوها في معادلة رياضية “

بينما هنا على لسان ديكارت، يحدد الدائرة التي يدور فيها كل من الفلاسفة اليونانيين فيصنفهم الثلاثة السابقين قائلا:

” وأنت الآخر يا سقراط بين ظهرانيهم فلا تنقصهم لا الأسئلة ولا الأخلاق”

 ومعروف أن هذه من موضوعات سقراط المركزية منهج الأسئلة الذي لا يزال يستخدم في مجال التربية بالإضافة إلى موضوع الأخلاق.

3. أفلاطون (427 ق.م – 347 ق.م)

فيلسوف يوناني كان تلميذا لسقراط ومعلما لأرسطو، أسس مدرسته الشهيرة في الفلسفة، وهنا ديكارت يحدد دائرة افلاطون في الميتافيزيقا: “ولا تنقصكم الميتافيزقيا فها هو أفلاطون أيضا معكم” ويختار لأرسطو الفيزيقا أو الطبيعة التي تميز عمله.

4. أرسطو: (384 ق.م – 322 ق.م)

واحد من سلسلة الفلاسفة الكبار، كان تلميذا لأفلاطون ثم صار معلما للاسكندر الأكبر، نجد من أفكاره هنا ما يلي من مقولاته هنا: “تعرف أني لا أحب الميتافيزقيا ..” وأيضا يضيف “رؤية أرسطو : “تعرف أني لا أحب الميتافيزقيا .” ومن المعروف ان أرسطو أشتغل على الطبيعيات او ما يسميها البعض بالفزيقيا وقد ورد ذلك عند تصنيف ديكارت له: “…وها هو الأستاذ أرسطو سيدّ الفيزقيا الطبيعة!”

ثانيا: ضيوف يزورون المربوعة من الفلاسفة

1. بيرون أو بيرو  (360 ق.م – 270 ق.م)

قد أشتهر بمنهج الشك أو الشكوكية، نتابعه هنا وهو يحدث أبيقور معبراً عن البعد السفسطائي لفلسفتهم.

“– لا بأس يا صديقي الحاج أبيقور سفسطتنا الزائدة، سقراط وأفلاطون هنا، وحتي الأستاذ لا يحبوننا أن نتكلم عن المشاعر والنسبيات،”

2. أبيقور (341 ق.م – 270 ق.م)

سيتم إيراد بعض مقولاته في الجانب الثاني المعبر عن الرؤى العميقة.

3. توما الأكويني ( 1225 – 1274)

أحد الشخصيات ضمن المربوعة،  نجد هنا رؤيته الفلسفية المنطلقة من خلفيته الكاثوليكية في الأساس وحسب التصور المسيحي للوصول إلى مسبب الأسباب، وهذا الكلام التالي من الحوار في المربوعة: “أن في طبيعتها نمطا معينا، كما يقول عزيزي أرسطو هنا، مساقا من الأسباب والنتائج إذا تمّ تتبعها قد نصل إلي العلّة الأولى! الرَّيّ!

4. رينيه ديكارت (1596 – 1650)

هنا نجد في المربوعة على لسان سبينوزا حديثا عن الكوجيتو الديكارتي، من خلال هذه الجملة على لسان سبينوزا، وقال قاصدا ديكارت: “لصديقي هنا كونجيتو مقنعة”  وهو المبدأ الذي انطلق منه ديكارت لأثبات الحقائق بالبرهان، ويتضمن الفكرة الأساسية لديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود).

5. سبينوزا (1632- 1677)

لاحظ صورة سبينوزا الذي يوصف بكونه أقرب للمتأمل، ويرى في أن ما يوصل الإنسان لما يريده من أهداف سامية يتحقق عبر العقل والتأمل، لنتابع صورته التي رسم بها هنا في مرتين، في واحدة كان متألما وفي الثانية كان هادئا:

“ولكن سبينوزا كان ينظر نحو الجواكر المسلوخة داخل الحلقة كأضاحي العيد، وفي عينيه نظرة حزن، وقتامة.

ما ذنب قلوب الدراويش تطاردونها لو كنتم أنفسكم قاصرين أن تحملوا في قلوبكم ما توهمتم أنه لديهم، بينما هنا نجد صورته كما يلي: “فضحك الجميع بمن فيهم سبينوزا  الهاديء.”

6. هيوم (1711- 1776)

نتابع فيما يلي مقولات قيلت في المربوعة على لسان هيوم وكلها تعبر عن فهم الراوي لوعي الفيلسوف هيوم، لنتابع ذلك هنا:

وأقول ستفشلون، بصيغة الاستشراف لأنه قد يكون الاستقراء الوحيد الصحيح الذي سنخرج به من هذه اللعبة اللعينة! أنكم تستخدمون أداة قاصرة أصلا لفهم شيء اخترعته عقولكم! أين الرَّيّ، ولماذا يختفي كلما بدأت اللعبة؟

سكت هنيهة، ثم استأنف دون حذر، أو وجل

حسنًا، فلنأخذ الأمر بما تسيّره تقاليدكم؛ بوضع استقراء منطقي للمعضلة: بمقدمة صغرى، الرَّيّ ورقة لعب. وبمقدمة كبرى، ورق اللعب موجود هنا، والآن. وبنتيجة هي، إذا الرَّيّ موجود هنا، والآن. ولكنكم تغفلون، إذ تحشرون استدلالاتكم في أفق ضيّق للغاية، عن رؤية الأمر في صورته الكليّة. فليس هذا الاستدلال سوى انسياقٌ لرغبتكم الجامحة في تصديق أن هناك أموراً فوق طبيعية، ميتافيزيقية الظروف، تحصل بينكم.

وإذا عدنا إلى فلسفة هيوم نجده يؤمن بأن : كل ما نعرفه معرفة يقينية هو أشياء العالم الحسي التجريبي الخاضع للإدراك الحسي والخبرة التجريبية، ويرى أن كل ما نتصوره خارج العالم التجريبي هو نتاج لتفكيرنا.

7. ايمانويل كانط  (1724 -1804)

نتابع هنا حديث كانط لهيوم  وجرأته: –”إننا معشر اللاعبين هنا نبغضك لجرأتك، ونحبك من أجلها في ذات الوقت، عزيزنا هيوم. “

8. آرثور شوبنهور (1788- 1860) الفيلسوف الألماني التشاؤمي.

هنا نتابع الحوار بين شوبنهور وهيجل، فطالما كان لام شوبنهور هيجل (في زمنهما) على بعض التصرفات.

أرى نقطتك الرئيسة يا هيجل، قفز شوبنهور للحوار. ولكن ايمانك بأن للشجرة جدع ففروع فأغصان لا يعني أن الأغصان ستنتهي في شكل جذور لشجرات أخريات! كل ما في الأمر أن الأمر تدافعي محض، فالرَّيّ يبقى مختفيا ما دمنا نتدافع، ونتجادل حوله باستمرار.

9.  فيردريك نبتشة (1844 – 1900)

بينما نتابع هنا تعبير نيشتة في المربوعة عن تصوره لشخصية ورؤية شوبنهور التشاؤمية: سأتفق في كل شيء مع شوبنهور هو أن هذا التطور لن يحدث إلا فوق أكوام أجسادنا البالية”

لنتابع هنا طبيعة نيتشة النارية ونقده لما سبق من خلال تصور حميد الشخصية البسيطة له: ““…. وشارك الكلّ في هذا الحوار الذي استمرّ يتحرك في اتجاهات كثيرة، تدخّل نيتشه فيه فلم يزده إلا بنزيناً” إني إن كنت أتفق مع هيجل في شيء فهو حتمية التطور. وإن كنت سأتفق في شيء مع شوبنهور هو أن هذا التطور لن يحدث إلا فوق أكوام أجسادنا البالية!

10.  كيركجارد. (1813 -1855)

كيركجارد في المربوعة يبحث عن سارتر، ونحن نعلم من خلال تاريخ الفلسفة أن كيرجارد يمثل أول فيلسوف وجودي، لنتابع هنا: مرحبا، مرحبا بالجميع! قال كيركجارد خلف لهاثه المتواصل، ألم يأت سارتر بعد؟ سأل أرسطو. هذه نسخة من روايته قد نقحتها إملائيا. قد تركها عندي مطلع الأسبوع الماضي ولم أصادفه من حينها. أتركها عندك تسلمها له متى ما أتى.

11. مارتن هايدغر (1898- 1976)

نتابع هنا بعضا من تساؤل هايدغر عن الوجود، قال هايدغر: “ولكن ما هو الوجود؟ تظلون تقولون إن هناك سراً في الوجود داخل المربوعة ما يُعطي الرَّيّ مظهرا مقدسا، ولكن ما هو الوجود؟”

ومن المعروف أن هذا أحد الموضوعات الأساسية في فلسفة هايدجر.

12. جان بول سارتر (1905- 1980)

قال سارتر، يرّد علي صديقه في المربوعة منطلقا من فكرة سارتر التي عنون بها كتابه الوجود والعدم ثم يطرح فكرة سارتر الأصيلة في الانطلاق أو التوجه نحو الحرية :

“- لا يمكنك تفسير الماء إلا بالماء، فالوجود وجود والعدم عدم. إن قفز الرَّيّ من الوجود للعدم خياره الخاص. علينا احترامه، الفكرة هي في الانطلاق نحو منهج يكفل لنا حريتنا نحن أيضا كلاعبين داخل الشوط.

13. البير كامو (1913- 1960)

نتابع هنا شخصية كامو داخل المربوعة من خلال رؤية حميد وما ينقله عنه:

“ولكن المدعو كامو تكلم بصوت خفيف يتماشى والعينين النعستين التي يحركهما في كسل يمينا ويسارا نحو أصدقائه

كلّ هذا عبث. اللعبة بأكملها عبث. أقول، إن كل ما نفعله بلا معنى؛ فإننا نظل نرفع الحجر حتى قمة الهضبة ثم بوم! يتدحرج الحجر ويعود لحجورنا في شكل أبديّ. إن اختفاء الرَّيّ المتواصل حقيقة تشي بعبث هذه اللعبة“. سكت قليلا ثم أضاف ، ليس ثمة مُشكلة هنا جادة وحقيقية غير الانتحار. اللحظة التي نتخلى فيها عن اللعبة، ونقوم.“”

وانتحار كامو نوعين: انتحار عادي وهو بأن نتخلى عن أنفسنا، وآخر فلسفي يقصد به الحركة التي ينكر بها الفكر نفسه ويحاول أن يتجاوز نفسه في نطاق ما يؤدي إلى نفيه.

ثالثا. شخصيات لم تحضر بذاتها ولكن تمّ ذكرها:

1. فرويد (1856- 1939)

كان فرويد حاضرا ضمن المربوعة من خلال ذكر اسمه، لنتابعه هنا كيف ظهر على لسان أبيقور” لو كان صاحبي فرويد هنا لاتهمكم بالقصور الجنسيّ” كما نجد هنا إضافة من بيرون “ولكن بيرون تدخل (…) أقول لك مجددا كما نبّه عليه عزيزي أبيقور، لو كان فرويد هنا لاتهمك بالقصور أو بالمِثلية.”

ثم هنا ايضا أضاف أرسطو “…. لا تخبروا بيرون أني قلت لكم هذا! لو درى لوشاني لفرويد ولاتفقوا عليّ إضافة الوسواس القهري لقائمة الأمراض النفسية التي سبق وقذفوني به “

 كما نجد هنا المزيد حول فرويد على لسان هايدجر:

“سيستمتع أيما متعة بمشاهدة فرويد بالذات وهو يسلخ حضراتهم فوق سيخ تحليلاته الهاجسية.”

2. الفيلسوف ليبتنز (1646- 1716) يتحدث عن كلا من :

أ. نيوتين (1642 – 1727)

ب. اينشتاين ( 1879-1955):

قام بذكر اسمهما من خلال اشتغالهما في الجاذبية وميكانيكا الكم، لنتابع ذلك هنا“: “اضطررنا أن نقف عند منزل نيوتن قليلا. الرجل ذبح خروف بمناسبة صدور كتابه الأخير، المبادئ الرياضية (…) لقد كفروا بالوسيلة التجريبية لتمضية الوقت! هذا يكتشف الجاذبية، وصاحبه ذو الشعر الهائج يكتشف النسبية، والأخر يقول إنه اخترع ميكانيكا الكم”

إن ربطهما معا يدل على وعي بطيعة التطور الذي أنتجه اينشتاين في مجال ميكانيكا الكم والنسبية ويجد جذوره في نيوتن وتصوراته العلمية المختلفة.

مقالات ذات علاقة

هل حقاً الإسلام في الأسر؟

علي عبدالله

ليبيا واسعة – 38 (بـاهـي)

عبدالرحمن جماعة

زمن‮ ‬الرواية الليبية‮ ‬

رامز النويصري

اترك تعليق