دراسات

دراسة لقصة أقدار ساخر لإيمان السنوسي وهلي

الجزء الأول: بنية الحكاية وبناء الشخصيات في القصة

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

1.1 مدخل حول بناء الحكاية القصة

تنتقل إيمان السنوسي وهلي بشخصياتها عبر الزمن من وسط أفريقيا إلى شمالها، وتجعل من قصتها مادة لرؤية مختلفة في أحداث تاريخية. تتكون القصة من قسمين: القسم الأول يحدث في زمن قريب في ليبيا، حيث قدُم محمد لومومبا باحثا عن فرصة عمل من وسط أفريقيا، بينما الجزء الثاني من القصة يتم فيه سرد أحداث قديمة زمن السبعينيات في أوغندا، حيث وجد والد ووالد الشخصية الرئيسية محمد لومومبا، وبين زمنين ومكانين يكون الربط عن طريق الشخصيات والأحداث التي ترسمها ظروف معيشتها.

تحكي قصة أقدار ساخرة حكاية الأفريقي محمد لومومبا القادم من أوغندا للعمل في ليبيا. أمه مسلمة تتزوج والده النصراني، ويعيشان هناك، بعد زمن من تفاهمهما اختلفت الأم مع الأب بسبب قتاله ضد نظام عيدي أمين الذي تحبه الأم، لكن عندما قتله مجند ليبي تحولت الأم لتقاتل ضد نظام عيدي أمين وضد الجنود الليبيين معه.

يتربى محمد مع أمه ويعودا للبيئة المسلمة حيث أخواله يرفضونه، بعد موت أمه ترك أخواله وقام بعدة مغامرات أخرها السفر للعمل في ليبيا، حيث يتعرض في مدينة طرابلس لمشاكل مع شاب ليبي غاضب قُتِل والده في اوغندا، تنتهي مشاكلة بعمله مع أسرة امل. القصة تبدأ بسرد دور الشاب الأفريقي حارساً في بيت الأسرة واعتماد أغلب الجارات عليه في قضاء ما يحتاجونه من خدمات مختلفة مثل الشراء من المحلات وغيرها من الخدمات المشابهة.

تبدأ القصة على مشهد يكتشف فيه لومومبا أن بنت الحاج الذي يعمل عنده (أمل) على علاقة بشاب تخرج له ليلا. كان ذلك اللقاء آخر لقاء كما أخبرت أمل الحارس لومومبا بعد أن توطدت بينهما العلاقة، حيث صارت ترى لومومبا مثلها الأعلى بتجاربه المختلفة.

 لومومبا يعمل بوابا في بيت رجل غني في طرابلس. ويقوم الراوي وهو يعرفنا بالشخصية في البداية بتوضيح طريقة تعامل الناس معه ووعيه بما يريده من عمله، القصة تتحول إلى لونا من التحليل الاجتماعي لطبيعة السكان في المدينة، لنتابع هذا المقطع من القصة:

” كان محمد أو لومومبا وهو اسمه الرسمي يقوم بكل ما لا يقوم به الرجال ؛ بسبب الانشغال وضيق الوقت؛ أو بسبب الأنفة المعروفة عن الرجال الليبيين”.

 يمكن أن نستشف مما سبق سرده طيبة أهل البيت الذين يعمل لومومبا عندهم حارسا، فهم لم يقيدوا حركته أو يمنعوا الجارات من استخدامه، كما أن القصة تدل على طبيعة التحول الاجتماعي الحاصل مؤخرا في البيوت الليبية التي صارت تعتمد على الحارس والخادم وغيرها من أمور لم تكن موجودة بسبب طبيعة العرف والتركيبة الاجتماعية الليبية. لنتابع ذلك أكثر في المقطع التالي:

“يوما بعد يوم أصبح اعتمادهم عليه شبه كلي ، فتوزع رقم هاتفه عند كل الجارات بعد أن كن يتصلن بأم امل كي ترسله إليهن ، بمرور الوقت أصبح هو بمثابة المحرك الاساسي لكل تلك البيوت ، ومسؤولا عن المهام الحيوية التي تكون عظيمة التأثير ولكن لا أحد يدرك أهميتها تلك سوى حين يتوقف من كان يؤديها عن ذلك ، إذ ذاك يختل توازن المنزل .. وهكذا فقد كان محمد هو من يحفظ توازن بيت الحاج وبيوت جيرانه كذلك “.

2.1 حكايات قصة أقدار سارة:

احتوت القصة على ثلاثة حكايات صغرى كما يلي: الحكاية الأولى هي حكاية والد ووالدة لومومبا وزواجهما الذي كان مرفوضا من العائلتين، كما تحكي عن الحرب الاوغندية، بينما الحكاية الثانية هي حكاية حياة لومومبا في أوغندا بعد موت أمه حتى قراره السفر إلى الشمال، بينما الحكاية الثالثة هي حكايته في ليبيا، وتتمثل في السنوات الأربع التي عاشها في ليبيا.

لومومبا بعد أن توطدت علاقته بابنة صاحب البيت الذي يحرسه أخذ يحكي لها قصته وقصة بلاده والحرب والصراعات فيها.

 – أولا. حكاية والد محمد لومومبا ووالدته:

1. قصة زواج والده ووالدته:

يحكي لومومبا للفتاة عن طفوله والده ودراسته في المدرسة الإنجليزية، أسمه دوغلاس، وهو مسيحي كاثوليكي كما يمكن أن نتابع في المقطع التالي في (أ) ثم في (ب) نتابع قصة تعرف الوالد على أمه (أيشا) الفتاة المسلمة وفرارهما ليتزوجا في العاصمة الأوغندية كمبالا، حيث أمه مسلمة والأسرتين لن يسمحا بزواجهما:

“(أ) والده اسمه دوغلاس ، وهو مسيحي كاثوليكي من بلدة صغيرة اسمها ميتيانا في أوغندا ، ولد في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين ، وكان من أوائل التلاميذ الذي اختيروا للدراسة في المدرسة البريطانية التي انشأتها حكومة الإستعمار في العاصمة كمبالا (…) (ب) وهناك شغف حبا بفتاة مسلمة تدعى أيشا ، وأحبته هي حبا عظيما كذلك ، ولأن الاسرتين ترفضان هذا النوع من الاقتران بين المسلمين والمسيحيين قررا الفرار معا ، فهربا معا نحو العاصمة كمبالا حيث عمل في عدة وظائف هامة في بعض أجهزة الدولة حديثة التأسيس”

2. الصراع الأوغندي زمن عيدي أمين:

نتابع هنا ضمن الحكاية الأولى الحرب الأوغندية نهاية السبعينيات فترة سيطرة عيدي أمين على الحكم في أوغندا، الأم كانت تحب عيدي أمين جدا، واختلفت مع والده وتركته بعد أن حارب بشكل علني ضد نظام عيدي أمين مع المعارضة والتنزانيين:

“وحين استولى عيدي أمين على الحكم اصبح حانقا من الأحوال وهو المثقف الحالم بدولة مدنية ديمقراطية فإنضم للمعارضة وعندما إندلعت الحرب الاوغندية في عام 1978 ، كان يدعم الجبهة الوطنية لتحرير أوغندا بشكل سري ويجند لها الشباب ، ويكتب المنشورات ، ويصيغ الخطابات حتى قرر ذات يوم أن يحارب مع الجبهة ضد قوات الرئيس أمين جهارا ؛ مما سبب خلافا مع والدته أيشا، التي كانت تحب الرئيس حب عبادة ، فاتهمته بالخيانة وبالاستهتار وتركته إثر هذا الخلاف الذي لم يدم طويلا…”

لكن عند علمها بقيام مجند ليبي بقتل زوجها قررت أن تحارب ضد حكم عيدي أمين:

“حيث إن الموت خطفه على يد مجند ليبي كان يحارب مع الرئيس في مدينة ماساكا ، آنذاك قررت أمه – والتي كانت حاملا به أخيرا بعد (6) أعوام من الزواج – الثأر لابيه ، ربما إرضاء لروحه التي أوجعتها حين كان على قيد الحياة ، وربما لتخرس بذلك صوت ضميرها المعذب ، فانتقلت به بعد أن وضعته وهو بعد رضيع إلى قرية صغيرة في أطراف عنتيب ، حيث كانت تستغل عملها ببيع الثمار التي تجنيها من المزارع القريبة للاحتكاك بأفراد الكتيبة الليبية وجمع المعلومات وتسريبها للتنزانيين وللمعارضة“.

3. ليبيا والصراع الأوغندي كما قدمته القصة.

تابعنا كيف قتل مجند ليبي والد لومومبا، وأستمر الصراع حيث وجد الجنود الليبيين أنفسهم في محرقة عظيمة، وهم الذين أرسلهم نظام القذافي نهاية السبعينيات ليشاركوا في معركة ليست لهم بها علاقة، ولا يفهمون أبعادها، وأصبحوا مادة لانتقام الطرف الآخر المعادي لنظام عيدي أمين:

“…وعندما فر الجنود الليبيين الصغار المذعورين والمنهكين ممن زج بهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بعيدا عن وطنهم وأمهاتهم ودفء الأسرة وضحكات الأصدقاء أمام نيران المدافع التنزانية والاوغندية المعارضة وتشتتوا وضاعوا في الغابات وأصطادهم القرويين الحانقين واحدا إثر واحد ؛ لينتقموا من النظام الجائر عن طريقهم، او التهمتهم الوحوش البرية الجائعة ، كانت هي تكابد الضياع وتعيش صراعا داخليا”.

بينما نجد بالمقابل أن الصراع الحقيقي كان في قلب تلك الأم التي تركت الزوج احتراما لرئيسها الذي تحب : عيدي أمين، وذلك بعد أن صار الزوج يحاربه بشكل علني، ثم عادت وحاربت رئيسها انتقاما للزوج بعد أن قتله مجند ليبي، ثم عاشت الألم وهي ترى الجميع يموت هناك.

يتربى محمد مع أمه ويعودا للبيئة المسلمة، حيث يرفض أخواله المسلمون أقامته معهم باعتباره ابن النصراني.

ثانيا. الحكاية الثانية تسرد مغامرات لومومبا في بلده وحده بعد موت أمه :

 نتابع في الحكاية الثانية مغامرات لومومبا بعد موت الأم، كما نجد في المقطع التالي: “عدت إلى كمبالا ، كنت أدرس في المساء وأعمل في الصباح ؛ عملت في كل شيء من المزارع والحقول إلى الخياطة وتفصيل الملابس عند خياط هندي، عملت أيضا في صيانة الاجهزة الكهربائية وحتى بخدمة المنازل، فعلت كل شيء ممكن لأعول نفسي وأؤمن مصاريف دراستي، وحين تخرجت من المدرسة بعد جهاد طويل عملت على تطوير لغتي الفرنسية…”

بعد فترة من العمل وعدم التوفيق في دراسته الجامعية قرر التوجه للشمال؛ حيث قام برحلة غير موفقة إلى مصر، وحاول من الاسكندرية الهروب إلى أوربا، وقبضت عليه الشرطة المصرية وتم إعادته إلى بلاده. لكنه بعد فترة عاود من جديد المحاولة حيث وصل إلى ليبيا

لعل ما يميز تجربة لومومبا في أوغندا سعيه المستمر لتطوير نفسه؛ حيث حصل على الماجستير بالمراسلة من جامعة أفريقية، وظل يطور نفسه باستمرار:

“عدت لكمبالا ، كنت أدرس في المساء وأعمل في الصباح ؛ عملت في كل شيء من المزارع والحقول إلى الخياطة وتفصيل الملابس عند خياط هندي ، عملت أيضا في صيانة الاجهزة الكهربائية وحتى بخدمة المنازل ، فعلت كل شيء ممكن لأعول نفسي وأؤمن مصاريف دراستي ، وحين تخرجت من المدرسة بعد جهاد طويل عملت على تطوير لغتي الفرنسية ؛ عل ذلك يفتح لي أبوابا يطل علي الحظ من خلالها ، وسعيت أيضا للحصول على منحة تمكنني من إتمام دراستي الجامعية إلا أنني لم أوفق في ذلك ، فبدأت أدرس على حسابي إلا أن تكاليف الدراسة كانت أكثر مما أطيق فتوقفت عن الدراسة

هذه الأحداث يسردها لومومبا للفتاة أمل بحيث صارت ترى فيه مثلا أعلى وهو ما سيظهر في نهاية القصة في صورة أفعال تدل على تطورها ذاتيا وخروجها من شرنقتها البسيطة التي كانت فيها.

ثالثا. الحكاية الثالثة: قصة وصول لومومبا إلى ليبيا و باقي أحداث القصة

وصل لومومبا إلى ليبيا ومن سبها انتقل إلى مصراتة التي عمل فيها عاما واحدا، ثم انتقل إلى طرابلس؛ حيث عمل في محطة وقود، وكاد أن يموت عندما حاول شاب ليبي – يكره الجنسيات الأفريقية- قتله بضربة سكين، بسبب أن أب الشاب الليبي كان ضمن الجيش الليبي في أوغندا وقتل هناك أيام الحرب الأوغندية نهاية السبعينيات، وحصل أثناء وقوع مشكلته مع الشاب الليبي أن تعرف على الرجل الطيب (الحاج بدر) صاحب البيت الذي عرض عليه العمل عنده حارسا، وهناك مضت وتيرة حياته عادية إلى تلك الليلة التي شاهد فيها أمل بنت الحاج مع صاحبها.

3.1 دراسة مستوى الحكاية في القصة

عند دراسة مستوى الحكاية (القصة كما يراها جينيت ويقطين) في قصة أو رواية ما، من المهم التفريق بين أمرين، الأول: بنية حكاية هذه القصة وهي بنية قائمة يمكن أن نستكشفها من خلال النظر في الأحداث وعلاقات الشخصيات والزمان والمكان، الأمر الثاني يخص كيفية بناء الحكاية او أيا من مكوناتها وخاصة الشخصيات التي يتفنن الرواة في رسمها بأساليب وطرق مختلفة.

أولا. بنية الحكاية في قصة اقدار ساخرة من خلال الجدول التصنيفي

سنحاول هنا أن نلخص الأحداث الرئيسية في القصة ونصنفها في جدول ونضع معها باقي عناصر الحكاية وهي الشخصيات والمكان والزمان؛ حيث تحدث أحداث القصة في مكانين هماأوغندا وليبيا، ويتم سرد أحداث الحكاية بين مرحلتين زمنيتين هما نهاية السبعينيات زمن حرب اوغندا الداخلية، ومنتصف العقد الثاني من القرن الحالي في ليبيا بعد ثورة فبراير.

جدول يوضح بينة حكاية القصة من خلال عناصرها الأربعة:

 الحدثالشخصياتالزمانالمكان
1حدث تعارف او زواج نصراني يتزوج مسلمة ويربكا المشهد المحيط.دوغلاس والد لومومبا وأمه إيشانهاية السبعينياتكمبالا اوغندا
2حدث تعارف او زواج لومومبا يتعرف على أمللومومبا- أملالعقد الثاني من الألفية الثالثة.طرابلس ليبيا
3حدث سفر (انتقال مكاني) جنود ليبيون يسافرون إلى أوغنداجنود ليبيوننهاية السبعينياتمن طرابلس إلى كمبالا
4حدث سفر (انتقال مكاني)لومومباالعقد الثاني من الألفية الثالثة.من كمبالا إلى طرابلس
5حدث قتل : جندي أوغندي يقتل ضابط ليبيجندي اوغندي ضابط ليبينهاية السبعينياتكمبالا اوغندا
6حدث قتل: جندي ليبي يقتل دوغلاس.دوغلاس وجندي ليبينهاية السبعينياتكمبالا اوغندا
7حدث تحول: والدة دوغلاس إيشا تعادي عيدي أمين ومن معه من الليبيون.إيشا والجنود الليبيون.نهاية السبعينياتكمبالا اوغندا
8حدث تحول: الشاب الليبي أبن الضابط يكره كل من هو أسودأبن الضابط وكل أسود البشرة.العقد الثاني من الألفية الثالثة.من كمبالا إلى طرابلس
9أنقاد او ستر: الحاج بدر والد أمل (يحمي) ينقد لومومباالحاج بدر ولومومبا. ليبي ينقد (يحمي) اوغنديالعقد الثاني من الألفية الثالثة.من كمبالا إلى طرابلس
10أنقاد أو ستر: لومومبا يستر (يحمي) أمل بنت الحاج بدرلومومبا وامل بنت الحاج. أوغندي يستر (يحمي) ليبي.العقد الثاني من الألفية الثالثة.من كمبالا إلى طرابلس
11لومومبا يـتأهل: يصبح ممتلكا للقدرة على تطوير الذاتلومومبا من خلال مغامراته في بلادهمنذ السبعينيات إلى ما بعد ثورة فبرايرأوغندا وليبيا
12أمل تتأهل: تصير ذات قادرة على تطوير الذاتأمل: تصير ذات رؤية من خلال تأثير لومومبابعد ثورة فبرايرليبيا

ثانيا. تلخيص من خلال بناء الحكاية

من خلال التلخيص السابق في الجدول نلحظ البناء المحكم للأحداث وحركة الشخصيات في القصة وهو أمر تعودنا أن نجده في الرواية ويندر أن يكون في القصة القصيرة لخصوصيتها، لكن الراوي هنا وهو يرسم الأحداث وهو ينقل الشخصيات حقق تكرارا مختلفا بعض الشيء للأحداث. لو أخذنا الأحداث في صورة أرقام لوجدنا ما يلي:

1. الشخصيات.

عدد الشخصيات الفاعلة الرئيسية في أحداث القصة (10)، تكفل بالسرد فيها راو خارجي يسرد القصة بحضور أمل أو لومومبا، والشخصيات مجموعات كما يلي:

أ. والد ووالدة لومومبا : دوغلاس و أيشا. (الحكاية الأولى).

ب. الجندي الليبي قاتل دوغلاس والجندي الأوغندي قاتل الضابط والضابط الليبي القتيل. (الحكاية الأولى).

ت. الحاج بدر والد أمل والشاب الليبي أبن الضابط القتيل. (الحكاية الثالثة)

ث. الشاب العابث (صاحب أمل) ولومومبا وأمل. (الحكاية الثانية).

2. الزمن :

حرك الراوي هذه الشخصيات فتحركت بين زمنين أساسيين وأزمنة اخرى كان حضورها ثانويا. الزمنين هما زمن بداية الحكاية نهاية السبعينيات ربما 1977، والحدث النهائي بعد ثورة فبراير 2015 مثلا. وبينهما زمن تحرك فيه لومومبا وليدا وطفلا وشابا.

3. المكان:

كانت الأحداث تدور بين مكانين رئيسين هما: أوغندا حيث الحرب، وليبيا حيث مستقر لومومبا.

4. الأحداث:

يمكن أن نقسم احداث القصة لما يلي من الأحداث:

أ. احداث زواج أو تعارف بين ذكر وأنثى

ب. أحداث سفر أو انتقال مكاني.

ت. أحداث قتل.

ث. أحداث تحول في المواقف ناتج عن القتل.

ج. أحداث حماية او إنقاذ.

ح. أحداث تحول وتأهيل، وهي تتمثل في تحول ومومبا الذي صار ممتلكا لرؤيته الخاصة بعد أن طوّر نفسه وصار هو معلما لأمل التي امتلكت ذاتها وأهلت نفسها بعد معرفتها للأفريقي لومومبا.

4.1 بناء الشخصيات في قصة أقدار ساخرة:

تعددت أساليب بناء الشخصيات وإبرازها للمروي له ونرصدها هنا كما يلي:

أولا. بناء الشخصية من خلال الصورة الخارجية التي يرسمها الراوي:

نتابع في المقطع التالي كيف يقوم الراوي بتصوير الشخصية من خلال صورة خارجية:

“(أ) أربع سنوات طويلة انقضت على اليوم الأول لذاك للعامل المنزلي محمد لومومبا ، الذي جاء ليعمل كحارس لمنزلهم ، (ب) شاب أسود البشرة بوجه لا يخلو من وسامة ، هاديء وانطوائي ورشيق الحركة ، (ت) كان في البدء حارسا لبيتهم فقط ومن ثم صار حارسا للحي بأكمله، (ث) وبعد ذلك تعددت مهامه وتشعبت حتى تضمنت إحضار طلبات الجارات من الخضار والمواد الغذائية وأحيانا بعض الوجبات الجاهزة والشطائر من المطاعم القريبة ، وإصلاح بعض الاعطال البسيطة في الاجهزة الكهربائية ، وإيصال الاطفال للمدرسة ، وغيرها من المهام التي تستجد في كل يوم”

البداية في (أ) تكون بالتحديد الزمني للفترة التي قضاها لومومبا في طرابلس منذ قدومه، ثم في (ب) نتابع الوصف المميز للشخصية وهو وصف الدال على براعة الراوي، ثم في (ت) نتابع عمل لومومبا في البيت وحراسته ثم في (ث) نتابع تحولات أعمال (لومومبا) من حارس للبيت إلى حارس لكل الحي يقوم بكل الطلبات.

ثانيا. بناء الشخصية من خلال رؤية شخصيات أخرى متعددة لها:

الراوي يقوم بتحليل أبعاد الشخصية الليبية وهو يصور اعتماد البيوت على (لومومبا) حارس الحي كما صار، فهو كما نتابع فيما يلي بكل ما لا يقوم به الرجال من أعمال:

كان محمد أو لومومبا وهو اسمه الرسمي يقوم بكل ما لا يقوم به الرجال ؛ بسبب الانشغال وضيق الوقت؛ أو بسبب الأنفة المعروفة عن الرجال الليبيين“.

كما يدل ما سبق سرده على طيبة أهل البيت الذين يعمل لومومبا عندهم حارسا، فهم لم يقيدوا حركته أو يمنعوا الجارات من استخدامه، كما نجد في القصة ما يدل على طبيعة التحول الاجتماعي الحاصل مؤخرا للبيوت الليبية التي صارت تعتمد على الحارس والخادم وغيرها من أمور لم تكن موجودة بسبب طبيعة العُرف والتركيبة الاجتماعية الليبية. لنتابع المقطع التالي:

“يوما بعد يوم أصبح اعتمادهم عليه شبه كلي ، فتوزع رقم هاتفه عند كل الجارات بعد أن كن يتصلن بأم أمل كي ترسله إليهن ، بمرور الوقت أصبح هو بمثابة المحرك الاساسي لكل تلك البيوت ، ومسؤولا عن المهام الحيوية التي تكون عظيمة التأثير ولكن لا أحد يدرك أهميتها تلك سوى حين يتوقف من كان يؤديها عن ذلك، إذ ذاك يختل توازن المنزل .. وهكذا فقد كان محمد هو من يحفظ توازن بيت الحاج وبيوت جيرانه كذلك “.

بهذا الشكل تمّ تقديم محمد لومومبا، في شكل الخارجي كما تابعنا ثم في تصرفاته التي جعلت منه وهو الحارس البسيط شخصية مركزية في حياة الأسر المختلفة في الحي.

ثالثا. بناء الشخصية من خلال شخصية أخرى محددة:

موقف لومومبا من الفتاة وصاحبها:

يضع الراوي مجموعة من الأحداث التي تبرز شخصية لومومبا، وكانت البداية عند رؤيته لموقف الفتاة ابنة الحاج مع صاحبها في الظلام، لنتابع المقطع التالي:

“(أ) كان محمد بطبيعته انعزاليا نوعا ما ، ولكن حياة العامل الغريب ضاعفت انطوائيته وجعلته ريابا كثير الحذر، (ب) لذا حين فوجئ ذات ليلة برؤية أمل مع حبيبها في الشارع الخلفي، تظاهر بأنه لم ير شيئا، كان كمن بوغت، (ت) تفصد جبينه عرقا وعلا وجيب قلبه أكثر منها في تلك اللحظة (ث) لأنه رأى شيئا لا يفترض به رؤيته، فهو مجرد عامل مغترب وحواسه قد تصبح خطرا عليه،(ج) بهت بالموقف وحين استرد انفاسه، وجلس في حجرته أصبح مرتعبا من فكرة انها قد تبادر فتتهمه بأي شيء لتخرسه،(ح) وحين لاحظ أنها بدل أن تنقم عليه أو تعاقبه عقابا استباقيا باتت تقدر صمته أصبح يشعر بالامتنان الاخرس تجاهها”.
في (أ) الراوي يقدم طبيعة الشخصية الانطوائية ثم نجد في (ب) الحدث وفي (ت) تأثير الحدث على الشخصية، من خلال تصوير الراوي له خارجيا والتعبير عن خوفه بشكل غير مباشر.

في (ث) الراوي يرسم أمامنا وعي الشخصية وتصوره الدقيق لموقفه وهو تصور يدل على كمة ووعي تتمتع به الشخصية. بينما في (ج) نتابع هواجسه خائفا. ثم في (ح) نتابع صورة مميزة لامتنانه للفتاة التي صارت تحترمه. إن الشخصية كما تابعنا تتمتع بالرزانة ورجاة العقل والوعي بموقفه لهذا فهو ليست له طلبات كبيرة ولا يتوقع من البشر كثير خير. المقطع الأخير (ح) فيه ترهين حيث ترابط شعور الشخصية بالامتنان بتقدير الفتاة الصامت له. لا ننسى بنية هذه الحدث الأساسية، يقدم الراوي للومومبا معرفا بطبيعته، ثم يضعنا في الحدث، ثم يناقش موقفه منطلقا من وعي قريب منه، كما لاحظنا في (ث)، حيث الراوي يرسم لنا حدود الموقف وشعور لومومبا بالخوف.

بناء الشخصية من خلال تطور علاقته مع الفتاة وشخصية الفتاة نفسها:

يقوم الراوي في الرواية والقصة ببناء الشخصية من خلال شخصية أخرى تكون في العلاقة بينهما مادة لرسم الخصوصية التي تسم كلا منهما. وهو ما نجده في علاقة لومومبا بالفتاة التي صارت ممتنة له لصمته، وأصبحت تحضر له ليلا وتحاوره، لنتابع المقطع التالي والجانب الخاصة ببناء شخصية لومومبا فيه من خلال ردود فعله على تصرف الفتاة التي أحضرت له قهوة لحجرته في الحديقة:

(أ) في مساء اليوم التالي حضرت له فنجان قهوة مع قطع بسكويت وأخرجته له بنفسها، (ب) طرقت باب الحجرة ثم حين تأخر بفتح الباب وضعت الطبق وذهبت لتجلس في الحديقة قليلا، (ت) أما هو فقد هاله الموقف حين رأى انعكاس صورتها على زجاج النافذة وهي قادمة نحو حجرته، (ث) تظاهر بالصمم حين طرقت الباب ولم يفتح، (ج) وحين فتح الباب بعدها بقليل ببطء شديد ليحمل الطبق للداخل فاجأته قائلة له : – أنت لست نائما إذا .

أطرق ثم أجاب بعد ثوان من الصمت : الآن استيقظت .. شكرا على القهوة .

(ح) الموقف برمته كان مربكا وغير اعتيادي، أن تقف ابنة السيد الغني ذو الوجاهة مع العامل الافريقي وتحادثه وتحضر له قهوة بيديها الللتين ما أعتادتا خدمة أحد، لذا كان الارتباك الذي ظهر في سلوك محمد الأخرق طبيعيا جدا”.

ينتقل الراوي بنفس الطريقة السابقة حيث يرسم الحدث الحاصل وهو قيام الفتاة بتجهيز القهوة وإحضارها في المقطع (أ) ويقوم بتأطير ذلك زمنيا من خلال تحديد زمن الفعل (في المساء) لكي يكون الحدث أكثر حضورا عند متلقيه، ثم في (ب) رد فعل لومومبا على تصرفها يرصده الراوي من خلال الترهين، حيث ربط تأخر الفتح بوضع الطبق، ثم في (ث) يدخل الراوي لعمق لومومبا ليضعنا فيما يشعر به. كما نجد في (ج) الترهين من جديد والراوي يرسم لنا فعل لومومبا؛ حيث ترابط فتحه للباب مع مفاجأتها له. كما يضع التحديد الزمني ليؤطر الحدث وهو رده بعد ثوان. في (ح) الراوي يناقش الموقف كله، وينطلق في ذلك من وعي عميق بطبيعة الموقف وأبعاده ويناقشه باستفاضة.

مقالات ذات علاقة

سلطة اللغة سلطة النص قراءة في قصص جمعة الفاخري

المشرف العام

ليبيا واسعة – 20 (مرقوم)

عبدالرحمن جماعة

الدَّهْشَةُ الشِّعْرِيَّةُ في ديوان “أنا ليبيا”

جمعة الفاخري

اترك تعليق