النقد

دراسة لجماليات السرد في القصة القصيرة.. قصة نعناع للشيماء الغرياني أنموذجا

نعناع (الصورة: عن الشبكة)

أولا. مدخل حول طبيعة هذه الدراسة:

هذه الدراسة مكونة (في اصلها) من ثلاث دراسات مصغرة حول القصة ضمن مخطوط كتاب حول كتابة الشباب للقصة القصيرة، الدراسة الأولى كانت تقديما للقصة، و الدراسة الثانية كانت بحثا عن آثر الحرب والصراعات المختلفة على الشخصيات، بينما الدراسة الثالثة كانت لآثر توظيف وسائل الاتصال في القصة الجديدة.  قمت بتجميعها هنا لتقدم تصور شامل حول القصة.

ثانيا. حكاية القصة

تحكي قصة نعناع عن عمة كبيرة السن عمرها (69) سنة لم تتزوج، وهي تعيش مع أخيها وأسرته المكونة: منه الأخ، والزوجة، والأولاد، والبنات. الصدام في هذه القصة بين الشخصية وبين المحيطين بها ناتج عن تصرفها وليس عن تصرفات أفراد أسرة أخيها. هناك معارك في المناطق المجاورة لمكان سكنهم.  أخذ الراوي يرسم ملامح بؤس الشخصية وشعورها بالخوف من المرض، وربما الرغبة في دفع الأخرين للاهتمام بها. تهتم هذه العمة بالنعناع في حديقتها الذي تشربه شاياً كل يوم، وتهدي منه للجيران. نتابع تطور مشاعر الخوف عندها إلى ما بشيه المرض النفسي، بعد تعرضها لازمة ناتجة عن تعامل قاس من بعض العاملين في المصحة.  بعد تشجيع أحد أفراد عائلتها تتصل بطبيب نفسي وتحاوره، ثم تخرج بعد فترة مع الأسرة من بيتهم إلى بيت لبعض الأقارب بعيد عن الحرب، ومن هناك تذهب مع اهلها إلى تونس للعلاج، وتعود بعد فترة وتترك القصة هكذا مفتوحة على احتمالات مختلفة.

ثالثا. بداية القصة والكاتبة تترك الفرصة للشخصية ان تتكلم براحتها

نتابع في المقطع التالي كيف أخذت الشخصية تحدثنا عن شخصيتها وتاريخها العائلي وهمومها بشكل مباشر ولكن هناك اشياء تحكى بشكل غير مباشر ومنها إحساس الشخصية بعمرها كما بمكن ان نتابع في المقع التالي الذي بدأت به القصة وهي تحدثنا عن شعورها كسبعينية عزباء:

“استيقظ باكرا، كما هو حال معظم النساء العازبات اللواتي سيبلغن السبعين قريبا، انظر إلى كف يدي، اقبضها و ابسطها، لأختبر مجرى الدم في جسدي، يتملكني القلق. اترقب من النافذة، اتطلع إلى السماء، لأن اصوات صاخبة تنهال على اذني، بسبب قتال يجري في مكان ما حولي، اتطلع أيضا نحو حوض مزروعاتي المشرق، في الجنينة الجانبية للمنزل، ابتسم لبرهة و انسى قلقي، اتكئ على راحة يدي، لوهلة اسرح في اشعة الشمس المتوهجة، التي تنعكس على قطرات الندى، الجالسة بتكاسل على وريقات من النعناع الأخضر اليانع، اتخيل دائما ألوانًا طيفية تنعكس بشفافية على التربة الرطبة بفعل الندى، تُذكرني بالشباب، و ايام الصحة الجيدة، عندما كنت اعمل في مشغل خياطةٍ لإحدى الصديقات، كُنا نحتسي الشاي بجميع النكهات، عندما كانت البضاعة الإنجليزية رائجة آن ذاك، لكن بالرغم من كل تلك النكهات، لم تكن تكتمل الجلسات المرحة إلا بوريقات النعناع التي كُنت ازرعها في اصيص صغير اضعه على شرفة شقتنا القديمة التي بدأت بنسيان تفاصيلها، ذكريات مغرقة في القدم، ما الذي ذكرني بها الآن ؟، اسأل نفسي . اتيقظ من ذكرياتي على صوت قذيفة قد استقرت في مكان ما، ادرك أن الشمس ستشتد بعد قليل، أخرج مُسرعة من اجل ان اروي النعناع، بالرغم من الخطر المُحدق في الخارج.”[1]

رابعا. تطور الأحداث في القصة

في المدة الأخيرة اخذت تربك المحيطين بها برغبتها اليومية في الذهاب إلى المصحة للكشف؛ رغم أن ظروف الطريق إلى المصحة غير آمنة مع استمرار القتال اليومي في الجوار.

 شعورها بالمرض وترددها الدائم على العيادات جعل منها أضحوكة لبعض العاملين في المصحة وذلك في احد الزيارات إلى العيادة للكشف، وهناك بعد أن قِيسَ ضغطها تمت معاملتها بطريقة قاسية؛ حيث الممرضة كانت تشعر بالقرف منها، وأحد الممرضين قال وهو يهمس حولها إنها تعاني من وسواس قهري. عادت للبيت مرهقة، وشعرت أنها بالفعل تعيش وسواس قهري. رأت أمها في المنام وكان يفترض أن يكون تأثير ذلك الحلم ايجابيا، ثم أتصلت بطبيب نفسي وقام بحوار معها. ظروف الحرب المتزايدة جعلت من الأسرة تخرج من مكان سكنها إلى منطقة أخرى بعيدة عن الحرب في بيت احد أقربائهم. من هناك سافرت العمة إلى تونس مع أخيها وعولجت وتبين أن الهبوط عندها حاد بسبب استخدام الأدوية دون مراجعة للطبيب. لنتابع هنا كيف يتم السرد من وعيها وسرد مشاعرها بشكل غير مباشر من ثنايا الكلمات ومن التصورات

“انهيت افطاري بوقار كما يليق بامرأة في عُمري، ثم قُلت للجميع: علي الذهاب اليوم ايضا من اجل ان اقيس ضغط دمي. ظهرت الدهشة على وجه اخي، ربما ظنت زوجة اخي أني مجنونة، وحده ابن اخي الذي نطق مُندهشا و هو ما يزال يحتفظ بقطعة خُبز في فمه: في هذا الجو يا عمتي؟ ، اجبت بحزم: إني لا ابدو بخير. قالت زوجة اخي: و لكن ألم تذهبي بالأمس للعيادة من اجل ذلك؟ ، أعقبها اخي: و أول امس ايضا، والأسبوع الماضي كذلك؟ ، قلت بغضب: نعم، و اليوم و غدا ايضا، إلى أن اطمئن، و إن كان يُرهقكم اخذي إلى هناك كل يوم فسأذهب وحدي.”[2]

الراوي كما تابعنا لا يضعنا في أسباب ما تفعله سوى عن طريق بعض ما يفلت من أفكارها التي تنطقها للأخرين او لذاتها، كما انه لا يضعنا في تأثيرات الحرب على الجميع،  وذلك باعتبار ان كل شيء يقدم من وعي صاحبة النعناع.  لنتابع هذا المقطع بعد حوارها مع الطبيب النفسي في الهاتف وقد ساءت صحتها فيما بعد:

“(أ) ادرك الجميع أن صحتي تسير من سيء لأسوء، اخي لم يحتمل حياته و هو يراني استمر في خسارة الوزن و القدرة على التركيز حتى، كدت ان ادخل في غيبوبة، لولا ان الله لطف، في تلك المرحلة عانيت من دوار شديد. (ب) علمت فيما بعد أن اخي و عائلته كانوا قد قرروا الخروج من المنطقة بأي طريقة كانت، بالرغم من اشتداد المعارك حولنا، من اجلي اولا، و لأجل سلامتهم ثانيا، (ت) كان ذلك في صباح احد الأيام، حيث تكون المعارك ابطئ وتيرة و اخف حسا، (ث) خرجنا بالسيارة حاملين امتعة خفيفة، لم اكن في وعيي التام ، اتذكر أننا تمكنا من الخروج عن طريق الأحياء الخلفية، (ج) آخر ما وقع نظري عليه قبل مغادرتنا هو جدول مزروعاتي من النعناع، اتذكر أن ابنة اخي قد قطفت كمية كبيرة منها على عجل، كُنت قد افترتُ عن ابتسامة صغيرة، ثم اجتاحني الدُّوار من جديد.”[3]

هنا الشخصية تضعنا في إطار ما تشعر به كمريضة و نتابع المحيط الاجتماعي حولها؛ حيث نتابع في (أ) خوف الأخ وأسرته عليها، ثم في (ب) نتابع قرارهم الخروج لعلاجها ولحفظ انفسهم من الحرب، ثم في (ث) تأمل في الحرب وظروفها في طرابلس، ثم في (ج) نتابع قدر اهتمام الشخصية بالنعناع الذي كان اخر ما رأته، كما تابعنا رؤيتها لأبنة أخيها وهي تقطف لها كمية طيبة منه.

نص مميز من حيث السرد وفيه إتقان لإبراز أشياء بدون الحديث المباشر عنها؛ حيث لا نتابع إلا تلميحات بسيطة عن أثر الحرب على العمة المريضة، وهي بدون شك أحد ضحايا الحرب نفسيا.

خامسا. بعض ملامح البعد التأملي في القصة

المميز في هذه القصة تبرزه تلك التأملات التي تظهر هنا وهناك في النص، ومنها ما تابعناه في الجزء (ث) في المقطع السابق وكذلك ما سنتابعه في المقطع التالي والشخصية المريضة تحدث الطبيب التونسي في تونس عن سبب عدم مراجعتها للطبيب بعد شفاءها. لنتابع ذلك هنا:

“… لكني ليبية، كيف يمكن لي ان اراجع طبيبا قد اعطاني علاجا اصبحت بعده بخير، إني افضل ان استمر في العلاج للأبد على أن اذهب لأراجعه، لكن لم استطع أن اخبره بهذا، كُنت خجلة. أمي صادقة حقا ، إن المرأة لا تشيخ إلا عند السبعين مقولة لرفع المعنويات فقط ، أما الحقيقة فإن المرأة تصبح عجوزا منذ الستين …”[4]

فهي تشرح  من خلال كلمة (ليبية) كيف يتم في بيئتنا الشعبية ترك الطبيب والتوقف عن متابعة الحالة معه بمجرد تحسن حالة المريض، ثم نتابع في بعدها تقييمها الكبير لوصايا امها ودور وتأثير تلك الوصايا عليها، وهذه النقطة من الأشياء التي جعلت من النص إنسانيا باقتدار.

سادسا. أثر الحرب على الشخصيات

الحرب في هذه القصة غير محددة الأطراف، وهي تحدث  في مدينة طرابلس (فيما يبدو)؛ حيث نتابع قصة صاحبة النعناع التي تعاني من أوهام الشيخوخة؛ وهي تقترب من السبعين ووسواسها بالمرض لا يفارقها، وعندما تريد الخروج نجد صورة الحرب في طرابلس، هذه الحرب تُقدم دون تحديد أطرافها إنما من زاوية صورتها ونتائجها التي تراها في صورة ناس مصابين في المصحة:

“… وخرجت إلى ردهة البيت انتظر اخي، مازالت القنابل تتساقط في مكان ما، لكن لا شيء يثنيني عن الخروج، … انتظرت هينة قليلة، خرج اخي مُتجهزا، فتح الباب دون أن يلتفت إليْ ، و توجه نحو السيارة  المركونة في الجراج، تبعته بصمت. لا اذكر بأني قد قمت في حياتي الطويلة برحلة مُشابهة كهذه، مرة عن مرة يتناهى إلينا اصوات انفجارات، نرى سُ حبا خفيفة من الدخان تُزين الأفق، كان الزُقاق فارغا إلا مني و أخي، صامتين داخل سيارة يهدر مُحركها بقوة، يُطلق سُعالا بين الحين و الآخر، و منازل حديثة البناء، معظمها غير مكتمل، و الكثير من التُراب. قاد اخي مسافة اربع دقائق حتى ولجنا الطريق الساحلي، هناك انتصبت العيادة التي اتردد عليها، ركنها في باحتها الأمامية الضيقة، و قبل ان ينطفئ المحرك فتحت الباب و نزلت مسرعة إلى داخل العيادة. كانت مُزدحمة على غير المُتوقع ببعض المدنيين المُصابين الذين خرجوا بطريقة ما من مناطق الاشتباك، كانت في جلها اصابات خفيفة، جروح سطحية، و كسور يُمكن علاجها في عيادة صغيرة نسبيا كهذه، لقد كانت اقرب مرفق صحي للمنطقة المنكوبة، ادرك الآن حجم مخاطرتي بالخروج في هذه الأجواء”[5]

نحن نلاحظ ذكر الحرب وأصوات القنابل والمعارك والجرحى من المدنيين وغيرها من الأحداث التي مرت بمدننا الليبية، لكن دون تحديد اطراف الحرب، ولا تحديد موقف منها، كما أن الحرب بشكل من الأشكال هي سبب الأزمة التي تعيشها الشخصية وظهر ذلك في حوارها الهاتفي مع الطبيب النفسي كما سنتابعه فيما بعد. كما نتابع تأثير الحرب على العائلة من خلال صورتهم وهم خارجين من مناطق القتال، وهي حالة طالما عاشها الليبيون:

في تلك المرحلة عانيت من دوار شديد. علمت فيما بعد أن اخي و عائلته كانوا قد قرروا الخروج من المنطقة بأي طريقة كانت، بالرغم من اشتداد المعارك حولنا، من اجلي اولا، و لأجل سلامتهم ثانيا، كان ذلك في صباح احد الأيام، حيث تكون المعارك ابطئ وتيرة و اخف حسا، خرجنا بالسيارة حاملين امتعة خفيفة، لم اكن في وعيي التام ، اتذكر أننا تمكنا من الخروج عن طريق الأحياء الخلفية ، آخر ما وقع نظري عليه قبل مغادرتنا هو جدول مزروعاتي من النعناع، اتذكر أن ابنة اخي قد قطفت كمية كبيرة منها على عجل، كُنت قد افترتُ عن ابتسامة صغيرة، ثم اجتاحني الدُّوار من جديد. سافرنا أنا و اخي و زوجته لأتلقى العلاج في تونس، تاركين اطفالهم عند خالتهم.”[6]

الحرب ليست هي المركزية في تناول الراوي للقصة، وإنما كان المركزي هو عرض الجانب الشخصي للشخصية أمام المروي له، وهو يترك العنان لها لتعبر عن كل هواجسها وتقييمها للواقع، فالأمر المركزي هنا في هذه القصة هو الأحوال النفسية للشخصية صاحبة النعناع. لكن هذا لا يمنع من ظهور اثار الحرب على السكان كما رأينا.

سابعا. توظيف الحوار الهاتفي لبناء الحكاية والشخصية

سنقوم هنا بتحليل دور الحوار الهاتفي بين المريضة والطبيب النفسي في بناء القصة والشخصية:

نتابع هنا  – ضمن دراسة انماط التواصل بين الشخصيات- استخدام الهاتف في بناء القصة. الهاتف كان يستخدم من قبل المريضة في حوارها مع الطبيب النفسي وكان الحوار مؤثرا بشكل إيجابي على شخصيتها، كما أنه أبرز بشكل غير مباشر رؤية الطبيب لطبيعة مرضها، وكذلك رؤيته لطبيعة الأسباب التي أدت بها إلى المرض النفسي، لنتابع ذلك الحوار بينها وبين الطبيب؛ حيث أستخدم أحد افراد العائلة شبكة المعلومات الانترنت ليصل إلى رقمه، وأوصاها بالحوار المباشر معه، وذلك لصعوبة الحركة في المدينة بسبب القتال الدائر فيها زمن القصة:

نتابع في (أ) حصولها على الرقم من أبن أخيها الذي وجده عن طريق الانترنت:

“(أ) اطلق ابتسامة مُختلطة بين السخرية و السعادة، ناولني جهازه الخَرب و رقم الطبيب وخرج من الغرفة بخفة.(ب) ادخلت الرقم و طلبته، فلم احصل إلا على “تووت .. تووت .. تووت”، ثم اغلق الخط، (ت) تملكني الامتعاض، لماذا يضعون ارقامهم الشخصية إن لم يريدوا أن يُلبوا حاجات المرضى؟، (ث) اعدت الكرة، هذه المرة حصلت على ثلاثة نداءات ثم فُتح الخط، تكلم رجل متوسط العمر، يبدو في الأربعينات، شائب الشعر، مُخضرم في مجاله، هكذا تخيلته”[7]

 المقطع السابق قبل بداية الحوار الهاتفي في (أ) تابعنا كيف حصلت المريضة على رقم الطبيب وعلى الهاتف لتكلمه، ثم في (ب) تابعنا توترها وقلقها من خلال ما تقوله في حوارها الداخلي عن عدم رد أي شخص عليها، ثم في (ت) تابعنا بداية الحوار من خلال رد شخص ما من العيادة عليها، وهي تتخيله في الأربعينات وتعده متوسط العمر (بحكم عمرها في 69 سنة)، لنتابع المقطع التالي حيث بدأ الحوار بينهما:

(أ) قال لي: نعم، عيادة ساي كير للعناية النفسية، صمتُّ لبرهة، حتى اعاد على مسامعي: هل من احد ؟، (ب) عندها فقط تحررت حنجرتي (ت) وقلت له: اه، نعم، أنا .. أنا مريضة بالوسواس القهري، ماذا افعل ؟،(ث) توقعت أن يضحك و لكنه لم يفعل، (ج) قال لي: حسنا، ومن شخص لك مرضك هذا ؟، قلت له: ممرض عند العيادة التي بجانبي، قال: ولماذا قال لك ذلك ؟، قلت له (ح) شعرت بأن الدموع تخنقني وقت إذ (خ) : لأني اذهب إليهم عدة مرات في اليوم من اجل ان اقيس ضغط دمي الذي يستمر في الهبوط، بالرغم من أني اتبع تعليمات طبيبي وآكل جيدا، واشرب شراب النعناع الساخن، [8]

في المقطع السابق نلحظ كيف بدأ الحوار بين المريضة وطبيبها وهو حوار مؤطر بمعنى إننا نقرأ ما قالاه معا في حوارهما، ونقرأ مع ذلك تصورات الشخصية حول الطرف الأخر في الحوار الهاتفي؛ حيث يتميز الحوار الهاتفي بعدم حضور الشخصيتين المتحاورتين بشكل مباشر معا. في (أ) نتابع بداية الحوار وتعريف الطبيب بالعيادة وسؤاله عن المتصل، ثم في (ب) تابعنا حالة الشخصية التي تحررت تلك اللحظة من قلقها ثم قالت في (ت) مباشرة -وقد بدى هذا الأمر غريبا – أنها مريضة بالوسواس القهري. في (ث) تابعنا توقعات الشخصية نتيجة لخوفها أن يضحك الطبيب من كلامها، لكنه كان يمتلك حرفية وهو يحاورها، وأخذ يسألها بشكل علمي دقيق عن الشخص الذي شخّص مرضها ، فردت ردا، ثم رد عليها، ثم ردت عليه من جديد، ثم في (ج) توترت وشعرت بالدموع عند تذكرها لكلام ذلك الممرض في العيادة، وهو كلام قاس موجع. واستمرت في (ح) تحدثه عن نفسها وما تقوم به من افعال متواترة، وهو ما يبرز كونها قد اندمجت في الحوار، وتحررت من خوفها من الطبيب، وذلك ربما لطريقة حواره الرفيعة معها. نتابع كيف جعلت في المقطع التالي (أ) تحدثه عن أشياء لا علاقة لها بالمرض، ثم شعرت في (ب) بإحراج موقفها وهي تثرثر مع شخصية لم تتعرف عليه إلا منذ لحظات، لنتابع ذلك هنا:

(أ) إني ازرعه في حديقتي، إنه جميل، لقد قمت بسقايتهم صباح اليوم بالرغم من القصف المستمر في الخارج، اتسمعه؟،(ب) عند هذه اللحظة فقط اعترفت لنفسي بأني قد اصبحت عجوزا حقيقية، اثرثر كثيرا مع رجل لا اعرفه وكأني افتقد من اثرثر له، والآن سيظن بأنني امرأة ليس لديها ما تفعله،[9]

في المقطع التالي نجد حوار الطبيب النفسي مباشرة وقد تكلمت فيما سبق عن القصف والحرب يسألها في (أ) عن خوفها من الحرب وعندما تهربت من الإجابة لم يركز كثيرا على هذه النقطة حتى لا يثيرها؛ حيث نتابع في (ب) تصورها أن ردها كان غاضبا، ثم في (ت) ردها عليه من جديد، ثم في (ث) تصورها لفظاظة حوارها،  الرد كان بعد تصورها في (ج) لتواتر هدوء ردوده واعتيادها ذلك الهدوء.

(أ) قال لي: هل تخافين القصف ؟، قلت له(ب) بغضب مُتناسية ظنوني اتجاهه(ت) : أنا لا اهتم بالقصف، إني اريد أن اتعالج من الوسواس القهري الذي يجعلني لا ابالي بأي شيء سوى أن تصبح صحتي بخير، (ث) ندمت لفظاظتي، قال لي(ج) بهدوئه الذي اعتدته”[10]

الرد من الطبيب كان في (أ) وكان يكلمها مستندا على ما قالته بهدوء وطريقة إيجابية مميزة في الحوار، ثم في (ب) نتابع احساسها تجاه سؤاله عن عمرها، ثم في (ت) و(ث) رده عليها وفي (ث) تصورها لأفكاره وهي تصورات جيدة مما جعلها تشعر بالراحة، في (ج) اخذ يؤكد لها ما يقوله باعتباره طبيبا، وبأن حالتها ليست حالة وسواس قهري وكان لبقا في حديثه مما أشعرها بالسعادة والخجل في (ح) وهو يخاطبها بكونها في عمر متوسط ويكمل في (خ) خطابه ناصحا اياها، ولعل في كلمته الأخيرة بخصوص الأم ما زاد من راحتها:

(أ) : تقولين بأنك مُصابة بانخفاض في ضغط الدم، و بأنك مُصابة بالوسواس القهري الذي شخصه لك ممرض في العيادة المجاورة لبيتك، أليس كذلك يا سيدتي ؟، قلت: نعم، لكني لست مُتزوجة، قال: كم عمرك؟، (ب)  ترددت، يا إلهي متى كانت اخر مرة قد حسبت عمري فيها؟ . (ت) قلت له: اعتقد، ستين، قال لي: أه. (ث) ثم حسبته يغرق في افكاره الخاصة، بطريقة ما اراحني، كانت عيناي تدوران بقلق كمن ينتظر أن تخرج عليه مُفاجأة من مكان ما من الغرفة، (ج) ثم قال: حسنا يا آنستي، أنا طبيب نفسي، وارى أن حالتك هذه لا يُطلق عليها الوسواس القهري، إن هذا مرض خطير قد يجعلك تشكين و تقلقين من أي شيء حولك، ثم إن قلقك على صحتك في عُمر مُتوسط كهذا (ح) (هنا تورد قلبي) (خ) يجعل الأمر مُبرر، (د) عليك أن تُلقي بكلام ذلك الممرض، إنه لا يجيد سوى اعطاء الحُقن، الأفضل أن تُراجعي طبيبك عن هذا الانخفاض، أو مشاورة طبيب آخر اكثر كفاءة، حاولي التحدث مع من تُحبين، قومي بالأعمال التي تُحبينها، اهتمي بنعناعك، وتذكري دائما: هناك نوعين من الأشخاص في الحياة لا يكذبون، الأمهات و الأطباء.”[11]

المقطع التالي نهاية الحوار الهاتفي وتأثيره عليها، نجد في (أ) شعورها حوله وهو شعور إيجابي، بينما في (ب) و(ُث) نجد حواره الأخير وبينهما في (ت) شعوره بالذهول من لباقته وحسن الحوار معه وهي ترد عليه بكلام طيب وتشكره. في (ج) شعورها باحتمال عدم سماعه لكلامها، ثم في (ح) نتابع مشاعرها الطيبة بالراحة.

(أ) ثم شعرت بأنه يبتسم بود، لقد ادركت بأنه قد اخذ مسألتي على محمل الجد،(ب)  ثم تابع بعد برهة من الصمت: اتفقنا ؟ ، قلت له: نعم. (ت) كُنت مذهولة، (ث) قال لي: اتمنى لك صحة وعافية مديدة، هل انتهى حديثنا ؟، قلت له: أه نعم، ثم اردفت: شكرا، شكرا لك ايها النفساني، (ج) لكني شعرت بأن كلمتي هذه كانت مُتخاذلة جدا، ضاعت في الأجواء مع ترددات اشارة الاتصال، كان قد اغلق الخط،(ج) غرقت في راحة عجيبة، انا لست مُصابة بالوسواس، أمي مُحقة، قلبي يخفق بشدة.” [12]

تابعنا الحوار الهاتفي السابق وحسن تأطيره من خلال الشخصية ورصد مشاعرها حول نفسها وحول الطبيب الأخر، وقد كانت هذه المشاعر المرصودة من الشخصية تساهم بشكل مهم في جعل الخطاب حيا ومميزا.

 ولعل هذه واحدة من مميزات الحوار الهاتفي؛ حيث المسافة المكانية بين الشخصيتين من الممكن أن تُملأ بشكل مميز من خلال مشاعر الشخصية المتصورة كما تابعنا تعريفنا بالشخصية وعميق ما في نفسها من توترات وآلام وأحزان، فهي بذلك تمثل تقنية سردية مميزة مكنت الراوي/ الشخصية من سرد الحوار الهاتفي ومن سرد ما يتراكم من وعي وأفكار الشخصية المتوترة، فكانت نقل الحوار وترسم تصوراتها في المنطقة بين الحوارات التي كانت تؤطرها بكلامها ورؤيتها، وقد كان لهذه المشاعر المرصودة من الشخصية دور مهم في في جعل الخطاب معبرا عن احاسيس الشخصية ومميزا.

ثامنا. ملاحظة أخيرة عن العنوان

ايضا من النقاط المهم الإشارة إليها هي عنوان القصة النعناع الذي يعبر في ثقافتنا الليبية المحلية عن الحميمة، النعناع لم يكن حاضرا في العنوان فقط ولكنه شكل عنصرا مهما من عناصر تشكيل القصة؛ فهو فاعل مهم في رسم الشخصية أمامنا، كما انه كاد أن يكون سببا لهلاكها وهي تتناوله بدون تقنين.

النعناع من وجهة نظر أصدقائنا الذين يحبون تحليل الجوانب النفسية في القصص يعبر عن تعويض للحميمة المفقودة، وقد يكون في الإفراط في تناول النعناع موازيا للإفراط في البحث عن الحميمية وفيهما كليهما ضررا كبيرا كما تابعنا في القصة.

تاسعا. خلاصة

تميزت القصة بقدرة الكاتبة على ترك الشخصية تتكلم وتحكي عن أشياء بالسكوت عنها أحيانا وبالحديث عنها بشكل غر مباشر في أحيان أخرى، وذلك بإبراز مشاعر الشخصية التي تتحدث دون الوقوع في المباشرة، وهذا امر يحسب لهذه الكاتبة؛ فالشخصية تعاني عقدا مختلفة منها حالتها النفسية المرهقة نتيجة لظروفها المختلفة ومنها عمرها وفقدانها للأم وشعورها بانها حمل على أسرتها، كما كان لأحداث الحرب آثرا عليها وكذلك حادثة استهزاء المشتغلين بالمصحة بها. تمكنت القاصة من تقديم الشخصية بشكل مميز وكانت وظفت حالة الحرب في المدينة، لكن دون أن تقع في تشخيصها بشكل مباشر، فالحرب قدمت باعتبار أثرها على الشخصية.

كان أيضا لتوظيف الحوار الهاتفي دورا مميزا في تقديم الشخصية الرئيسية، وذلك  وهي تتحدث مع الطبيب النفسي، وكان لعملية سردها لما تشعر به من تصورات أثناء حوارها مع الطبيب دورا مهما في بناء شخصيتها. كما كان لحوارات الطبيب النفسي الدقيقة والمتقنة والمناسبة لشخصيته الدور المهم في رسم أبعاد غير ظاهرة بشكل مباشر من جوانب الشخصية ومن جوانب شخصية الطبيب نفسه.


[1] الشيماء الغرياني، قصة نعناع، رابط القصة في مدونة الكاتبة على الوورد بريس: قصة نعناع

[2] قصة نعناع

[3] قصة نعناع

[4] قصة نعناع

[5] قصة نعناع

[6] قصة نعناع

[7] قصة نعناع

[8] قصة نعناع

[9] قصة نعناع

[10] قصة نعناع

[11] قصة نعناع

[12] قصة نعناع

مقالات ذات علاقة

القصيدةُ ترسمُ مشهداً

عبدالباسط أبوبكر

كتاب يطرح رؤية جديدة للصراع القرطاجي الإغريقي

محمد الأصفر

لماذا تبهرنا كتابات الفـاخري؟*

محمد عقيلة العمامي

اترك تعليق