النقد

دراسة لبعض جماليات القصة القصيرة.. قصة الكاغط محمد النعاس أنموذجا (1/3)

الجزء الأول من الدراسة: الاشتغال الزمني في القصة

من أعمال التشكيلي محمد التونسي
من أعمال التشكيلي محمد التونسي

1.1 مقدمة

يمكن أن يلحظ قارئ قصة الكاغط [1] لمحمد النعاس أن الزمن عنصرا مهما فيها، خاصة والراوي يضعنا بين زمنين بعيدين بعض الشيء: الأول زمن وقوع أحداث القصة وهو سنة 1991.م، والثاني زمن السرد وهو يبدو قريب من العقد الثاني من الألفية. وبينهما مرحلة زمنية طويلة، فكان عبر التذكر يسرد قصة الطفل الذي كانه يوما وتلك الأحداث المختلفة التي صاحبت لقاءه بالجد، هذا الجد هو شخصية مختلفة عن السائد، طباعه حادة، ويجمع بين مكونين مختلفين داخله: مكون المثقف الذي أبلى زمنا من عمره في طلب العلم والدراسة، ومكون المزارع المهتم بزراعته ومزرعته.

كما نجد ذلك أن الزمن كان مادة للسرد عبر تأطير الأحداث الرئيسية زمنيا بالإضافة لتأطيرها مكانيا. الراوي كان مميزا وهو يقدم حكايته فاشتغل على المروي له مُحدِّثا ومؤكدا، كما كان استخدامه للصورة الحواسية مميزا، وهي تدخل ضمن تقنيات سرد أخرى مميزة في هذه القصة. أيضا من الأشياء التي نحس بأهميتها ضمن متخيل هذه القصة ذلك البعد الفنتازي المصاحب للسرد، خاصة ونخن نتابع مخيلة طفل وما يتصوره من أشياء؛ طفل قادم من المدينة سافر والديه إلى الحج، وجاء ليقىم في بيت الجد حيث بيئة المزرعة مختلفة وحيث المقبرة المجاورة  مثيرة للتوجس، كما كانت لقصة أبن العم المنتحر  في زريبة أغنامه الدور نفسه في إثارة هواجس ذلك الطفل.

سنقوم بداية بالتعرف على طبيعة الاشتغال الزمني على الأبعاد الثلاثة المعروفة له وهي: علاقة زمن الحكاية بزمن الخطاب، والسرعة من حيث اشتغال المشهد والتلخيص والوصف والحذف، وعمليات اشتغال السرد التواتري.

كما سنتابع دور البعد الفنتازي في بناء القصة؛ باعتباره كان المكون الأساسي في نهاية القصة عند ما نعرف في لحظة التنوير في نهاية القصة الحقيقة.

سنتابع أيضا بعضا من اشتغالات الراوي المميزة في علاقته بالمروي له، كما سنتابع الممارسة السردية خاصة جانب الاشتغال على الحواس،

  • 2.1 علاقة زمن الحكاية ببناء مكونات القصة الرئيسية

لكي نصل لفهم ازمنة الحكاية في هذه القصة فإننا سنحددها بداية، ثم سنحاول أن نضع خلاصة عن علاقة كل منها بعناصر هذه القصة.

  • أولا. أزمنة الحكاية بحسب ترتيبها في الخط الزمني المتتالي

يمكن تقسيم زمن الحكاية في هذه القصة إلى ستة أزمنة كما سنتابع (وهي تتخذ ثلاثة دوائر). لنتابع ازمنة الحكاية لهذه القصة كما يلي وهي مرتبة من السابق إلى اللاحق

  1. زمن الحرب قديما في المكان (المقبرة).

هذا الزمن تمّ الحديث عنه من خلال الحديث عن قصة الحرب الإيطالية والصراع في المنطقة وسبب وجود المقبرة امام بيت الجد:

” (أ) وأنني أمضيت وقتاً كثيراً أستمع لقصص الراعي احمد، نهضت واعتذرت منه…أخبرته أن جدي ينتظرني وعلي أن أعود إليه في أقرب وقت، في طريقي إلى العودة كنت أعيد بعضاً من كلماته شاعراً بالسعادة لتمكنني أخيراً من الحديث مع أحدهم  بعد أربعة أيام من الصمت والكلمات البسيطة مع جدي، (ب) كانت بعض الحكايات التي قصها عليْ لازالت تتكرر في عقلي، (ت) قصّ علي حديث الأرض التي نقطنها، (ث) قال لي أن الجبّانة المقابلة لمزرعة جدي مليئة بالليبيين والطليان، شهدت معركة بسيطة بين الأهالي والطليان لم تزد عن ساعات قليلة، لكن ما يجعلها مميزة أنها شهدت بعد ذلك بأيام الكثير من محاولات اغتيال الحامية الإيطالية لجمعية استكشاف أثار صبراتة المدفونة، (ج) قال لي: في الليل، لازال بإمكانك أن تسمع صوت البنادق تطلق والخيول الليبية تزهق والدبابات الإيطالية تكسر الأشجار، كما أنه بإمكانك إذا ركزت أن تسمع صليل سيوف وأناس يرطنون بلغات لا يمكنك فهمها،(ح) قال لي أنه وجد شيئاً ما كتمثال مقطوع الرأس في أحد المراعي المجاورة ”

 في (أ) تابعنا أن القصة التالية منقولة من الراعي المتوهم (أ) ثم نجد في (ب) كيف بدأ التحديد لتواتر تذكر الولد للحوار حول الجبّانة التي تقابل مزرعتهم، ثم نجد في (ت) تحديد الموضع وفي (ث) ثم في (ج) نجد ما يحفز الفنتازيا لتتحقق، خاصة ونحن نتابع الراعي – وهو من سنعرف في نهاية القصة أنه شخصية متخيلة من الطفل لكنها غير موجودة في الواقع- يحكي للطفل الصغير قصصا عن حرب قديمة وعن أصوات ليلية لتلك المعارك في مكان مقابل للبيت وهذا المكان عبارة عن مقبرة (جبانة)،  ثم ينهي الراعي حديثه في الحكاية المتخيلة في (ح) وهو يحدثه عن ذلك الرأس الذي وجده مثل تمثال مقطوع الرأس.

هذا الزمن هو الأقدم من حيث الحكاية باعتباره متعلق بزمن الجهاد ضد الطليان في بدايات القرن الماضي وهو زمن أساسي لبناء زاوية الحدث الفنتازي وتمّ سرد احداثه عن طريق شخصية الراعي الميت المتخيلة.

  • زمن الجد وإرساله ليتعلم:

نتابع زمن الحكاية الثاني الذي سرده الراوي من خلال ما يتذكره وكان في بداية القصة وتمّ عن طريقه تقديم شخصية الجد مثقفا ومتعلما ومحبا للأرض في الآن ذاته. الراوي استخدم أسلوب التذكر ليضعنا في تلك المسافة بين ما يحكيه حاليا وما يعرفه عن الجد منذ زمن بعيد.

 “(أ) تذكر أنّ جدي كان مثقفاً، عُرف في شبابه أنّه أول من تعلم من أبناء المدينة، أرسله والده إلى إحدى المدارس الإيطالية بطرابلس، تعلم صُحبة السوريالات،

 قال له والده عندها: برا، معاش تولي.

(ب) والده كان فلاحاً نشأ على حرث الأرض وزراعتها، يحمل على كتفه حمل أبناء كان جدي أصغرهم، تعلم في العاصمة هناك (ت)  ولم يكن له إلا أن يعود مخالفاً لوصية والده، يعود لأرض بالغة الاتساع.”

في (أ) بداية القصة وتذكر الراوي على لسان الولد قصة الجد وتعليمه، ثم في (ب) صورة والد الجد فلاحا مهتما بالفلاحة، ثم في (ت) عودة الجد للأرض مخالفا تعاليم والده. هذا الزمن كان من الواضح أنه زمنا مخصصا لتعريفنا بالجد وتاريخ العائلة عبر المرور على والد الجد أيضا.

  • زمن قصة آل بشير.

هذا الجزء من الحكاية يتناول أسرة الحاج بشير وهو أبن عم الجد. الحاج بشير نكب بانتحار ولديه قرب زريبة الأغنام، عم الفتى يحكي القصة للجد وبعد فترة سيعرف الولد حيثيات تلك القصة بشكل أوسع. هناك عودة زمنية ضمن هذا الزمن لنعرف طريقة معاملة الحاج بشير لأولاده، وهي كانت سبباً لسوء الحالة النفسية لابنه أحمد الملقب ب: حمودة. لنتابع المقطع التالي حيث ننتقل عبر الحوار إلى زمن في الماضي القريب عند اليوم الأول من الزيارة:

(أ) سمعت بعلي ولد الحاج بشير؟ قال عمي.

(ب) ومضى يقص على جدي قصة وفاة أحدهم، كان أحد الأقرباء الذين يقطنون في أنحاء المنطقة كان اسمه علي، ابن الحاج بشير ابن عم جدي، قال له أنهم وجدوا جثته معلقة بجانب زريبة الأغنام.

(ت) مسكين الحاج بشير، ثانيله ولد يموتله نفس الموتة، لم يكن على طبيعته منذ أن شاهد أخاه معلقاً بجذع شجرة السرو تلك التي تظلل الزريبة”

بينما يتم تحديد مكان القصة هنا: “راعي غنم في صبراتة يموت هكذا يفصل بينه وبين الأرض قدميْن، حبل سميك من الفلين، كان المشهد يطارده طيلة حياته حدثني عن صورة أخيه التي تأتيه في المنام،”

بينما هنا تحدث عودة زمنية أكثر عند سرد العم لقصة حمودة لأبن اخيه ليلا، لنتابع ذلك ونتعرف على حمودة ونوضع في إطار مشكلته أو أحد أسباب مشكلته التي دفعته للانتحار: ” كان حمّودة هو راعي الغنم الذي يشرف على مأكلها ومشربها، تنظيفها وجز صوفها في موسم الصيف، بيعها في السوق، كل شيء… يقضي نهاره صحبتها، وفي الليل يجلس في دار قرب الزريبة يحتسي البوخة صحبة علي أحياناً ثم يعود للبيت حيث زوجته العاقر سكران، كان الجميع يعرفون عن حالات سكره،

قصة أبناء العم بشير والانتحار ثم لقاء الولد لطيف حمودة وحديثه المستمر معه، كان اداة لوضعنا في إطار البعد الفنتازي للقصة.

  • زمن الاستعداد للسفر للحج من الوالدين وتوصية الولد بجده.

طيف الأم هنا يصبح أداة لتذكرها ولتذكر وصاياها لنتابع جماليات النقلة الزمنية هنا من الحاضر حيث الطفل مع الجد إلى الماضي حيث هو مع أمه:

“(أ) في لحظة ما حضرت صورة أمي، (ب) تذكرتها وهي تعد لي الإفطار، كانت تسكب الحليب الدافئ في كوب الشاي خاصتي عندما كانت تذكرني بأن استوصي خيراً بالجد، وأن لا أعكر مزاجه، (ت) كنت آكل لا مهتماً بوصاياها، أراقب الكوب باهتمام شديد، كان بخارٌ ما يصعد في السماء، (ث) أمسكت أمي بقميصي وأغلقت الزر الأعلى ثم قالت لي: جدك يحب الصغار العاقلين الي ما يتشيطنوش. ثم مسحت على رأسي فقبلته، ثم وقفت تنهي آخر وصاياها: ما تعذبش جدك، ما تخليشي يقلق عليك، ثم أضافت: ولا منك!، مرّ طيفها خاطفاً، (ج) ستسافر إلى بلاد الله وتتركني صحبة رجل عجوز

لاحظنا في (أ) بداية الانتقال الزمني وهو انتقال مناسب جداً، لأن الطفل الصغير عندما شاهد وجه الجد وما يبدو من صعوبته تذكر- كنوع من التعويض النفسي – امهن ثم في (ب) التذكر لأن هناك مسافة زمنية بين الحدثين، الحدث المنتقل منه للماضي وحدث السرد الذي يحدث في وقت غير بعيد من الزمن الحاضر. في (ت) يرسم لنا تصرفه وردة فعله عن نصائح امه، وهي ردة فعل طبيعية تتناسب مع طبيعته طفلا، ثم في (ث) نجد ما تفعله الأم وما توصيه به من وصابا تخص ضرورة عدم إقلاق جده، ثم في (ج) نجد تلخيص سبب حضوره للجد وهو سفر أمه وأبيه إلى الحج أو العمرة.

المقطع السابق والنقلة الزمنية لحديث أمه ترسم بشكل من الأشكال شخصية الجد حسب تصورات الأم، فهي حريصة على أن يكون ابنها غير مشاغب باعتبار أن شخصية الجد صعبة ويبدو أنه غير متسامح أيضا مع الأخطاء.

  • زمن بداية الزيارة والوصول للمزرعة.

تعد لحظة الوصول للمزرعة من اللحظات الأولى في خطاب هذه القصة، وذلك ان الراوي بعد أن قدم تعريفا بالجد والعائلة وتعريفا بتاريخ الجد وحرص والده على تعليمه، ثم  بدا السرد بلحظة الوصول إلى المزرعة في يوم ساخن، لنتابع ذلك:

“(أ) كان صيفاً حاراً شديد القيظ، ذلك الصيف الذي أتيته ولداً في الثانية عشر من العمر صحبة عمي، (ب) الشمس في فؤاد السماء تغرس مسامير أشعتها الحارة في مصب رؤوسنا، الأرض بدت حامية تذوب من فرط الحرارة، كان يسقي بعضاً من الشُجيرات الملتفة حول البيت (ت) تحت هيام الحَر حيث تنشط الجن…”

يمكن ان نلحظ في المقطع السابق كيف تمّ تعريفنا بلحظة الوصول إلى المكان في (أ) كما تمّ تزويدنا بمعلومات حول شخصية الولد الذي عمره (12) سنة، الذي يعد مدار السرد في هذه القص، بينما نتابع صورة تلك القائلة المتوهجة بشمس الصيف في (ب)، ثم نجدنا في (ت) ندخل قليلا لبعض هواجس ذلك الولد المهووس بالعالم الخفي والجن في (ت).

سنجد التحديد الدقيق لزمن الحكاية بربطه بحدث مهم، وهو حدث احتلال الجيش العراقي  للكويت بداية شهر اغسطس 1990.م، لنتابع المقطع التالي الذي فيه تحديد لزمن البداية ورسم صورة عن الواقع آنذاك من عين أو وعي طفل:

” (أ) لابد أن رجلاً في عمره لا يأبه للسكري، ربما لم يعرف الناس السكري في ذلك الوقت أو لم يأبهوا كثيراً حياله، (ب) كان ذلك في العام الذي دكت فيه دبابات صدام حسين مدن الكويت (ت) ووجود شيء كهذه النشويات والحلوى والبسكويت في حضرة رجل عجوز يعد ترفاً، (ث) كانت البلاد وقتها يغازل وجودها القحط والحرمان وقلة جودة الحياة وأن تبذر دنانيرك في أشياء كالسكريات المباعة خارج الجمعيات الاشتراكية يعد ترفاً.”

في (أ) الراوي على لسان الولد يحدثنا عن الجد مناقشا عدم اهتمامه بمرض السكري وتناوله للسكاكر والحلوى، ثم في (ب) يعرج على الزمن فيحدده بدقة: فهو زمن دخول صدم حسين محتلا للكويت، ثم في (ت) نجد تقييما للواقع آنذاك ولظروف الحياة ثم تتضح الصورة اكثر في (ث) حيث نلحظ صورة مميزة لكيفية حياة الناس جوعا وحرمانا باستثناء الجمعيات الاشتراكية.

زمن حدوث زيارة الولد لجده وأقامته عنده أساسي لبناء شخصية الولد وتقديمه أمامنا، ففي هذا الزمن تابعنا الأحداث التي عشناها زمن ذهاب والديه للأراضي المقدسة.

  • زمن الحاضر حيث الراوي يحكي القصة.

زمن السرد هو الزمن الحالي ويبدو زمنا قريبا في هذه السنوات حيث يفصله عن الماضي في تلك الأحداث فترة زمنية تؤشر لها بعض الجمل المعبرة عن ذلك، لنتابع هذه البداية:

“”(أ) أتذكر أنّ جدي كان مثقفاً، عُرف في شبابه أنّه أول من تعلم من أبناء المدينة، أرسله والده إلى إحدى المدارس الإيطالية بطرابلس(…) (ب) كان صيفاً حاراً شديد القيظ، ذلك الصيف الذي أتيته ولداً في الثانية عشر من العمر صحبة عمي، (…) (ت) أتذكر الآن كامل تفاصيله، كان الكرسي مصنوعاً من البامبو المضغوط مع بعضه بعناية، يبدو كعرش ملكٍ قديم، بعض الحبال التي تضغط الألواح مع بعضها كانت نافرة مما يوحي أن الكرسي عتيقٌ بعض الشيء، كنت واقفاً لا أدري ما أصنع، “

تابعنا في المقاطع السابقة من بداية القصة كيف بدأ السرد من خلال التذكر؛ حيث يتذكر هذا الشاب -الذي كان طفلا في زمنا ما قديم- قصة زيارته للمزرعة في (ب)ن وتذكر قبلها في (أ) ما يخص الجد من تعليم وتربته ووالده وعودته لمزرعته مخالفا وصايا الأب، بينما في (ب) تابعنا زيارته للمزرعة وهي بنقس إطار التذكر الأول، بينما في (ت) يعيد علينا مسالة تذكره لكامل تفاصيل لكرسي الذي اعتقد الولد أن الجد يطلبه. وكونه يحدد كامل تفاصيله صورته يوحي ببعد زمني باعتبار أن تذكر كامل التفاصيل يعتبر شيئا مهما يسرد.

وهنا نجد حدثا مهما اخرا يشير إليه الراوي بالتذكر وهو رؤية جثة طائر حمام ميت:

أتذكر بعد أيام من وصولي رؤيتي لجثة طائر حمام يبدو أن جُرذاً ما قد اقتنص فرصة تواجده بالغرفة، كان مقطوع الرأس، الدم في ريشه يذكرك بالطريقة التي يتم تحضير الجان بها، هناك قصص كثيرة للجان في رأسي، لم أكن أعلم كيفية اصطياد الحمام وقتها وما تحبه من طعام إلا بعد ذلك اليوم، حيث ازدادت غريزتي المفترسة.”

ثم نجد المزيد من فعل التذكر إطارا للمقاطع السردية كما في المقطع التالي:

“لا أتذكر ذلك الكم من التفاصيل فيما يخص المشاعر، كل ما يحضر وجه جدي أمامي كان وجهاً بارداً، صلداً”

بينما هنا يحدثنا عن عدم تذكره لطبيعة المشاعر المختلفة عند الجد باستثناء حادثة معينة ظهر فيها غضبه مما يشي بمشاعر حارة عنده، بينما عندما يروي العم قصة أبناء العم بشير: حمودة،  وأخيه، حكى العم في ذلك الزمن القديم سنة 1990.م جزءا من القصة لأبن اخيه الطفل، ثم الراوي يعلن لنا من الزمن الحاضر (حيث الطفل السابق شابا حاليا) وهو يتذكر مرحلة زمنية تالية (بعد ان مر زمن واصبح كبيرا) أنه قد سمع أمرا يليق بالكبار (فقد) سماعه وهو يخص حمودة:

“عرفت عندما كبرت بعض القصص عن حمّودة، قيل لي أن علي لما انتهى من أعماله اليومية وأراد أن يرفه عن نفسه صحبة أخيه ضبطه ذات ليلة يعاشر نعجةً في الزريبة،”

الزمن الحاضر او زمن السرد هو زمن متعلق بشخصية الولد وبنائها أمامنا وهو يعكس مع الزمن الخامس السادس تكوينه الشخصية.

ثانيا. تقسيم الزمن باعتبار تعلقه بالمكونات الأساسية في القصة

يمكن لمن يريد ان يحدد العناصر الأساسية التي تدور حولها هذه القصة أن يجدها ثلاثة عناصر، أو ثلاث مكونات: أثنين منهما يتعلقان ببناء شخصية الجد، وشخصية حفيده، والعنصر الثالث متعلق ببناء البعد الفنتازي في القصة.

1. جانب بناء الشخصية الغريبة للجد

وله الزمن الثاني الذي تم إرساله فيه ليتعلم والزمن الرابع حيث ترسم والدة الفتي (الكنة) صورة والد زوجها وتساهم في بناء شخصيته.

2. بناء البعد الفنتازي في القصة

تم استخدام الماضي (زمن الحكاية الأول) حيث الحديث عن القتال والحرب مع زمن الحكاية الثالث الذي فيه قصة آل العم بشير وانتحار الراعي أحمد (حمودة).

ثالثا. زمن بناء قصة الولد

وتم ذلك من خلال المسافة الحاصلة بين زمن الحكاية الخامس عندما زار جده  مع زمن الحكاية السادس الذي يفترض انه زمن رواية القصة من قبل الراوي وهو يتذكرها.

خلاصة حول موضوع علاقة زمن الحكاية بزمن الخطاب وبناء القصة

تم في هذه القصة بناء حكايتها من خلال ستة ازمنة حكاية بينها مسافات زمنية عن طريق حذف بعضها والاهتمام بالأخرى، هذه الأزمنة تبدأ من خلال الزمن الأول وهو زمن متخيل جاء على لسان الشخصية المتخيلة (الراعي الميت) ويحكي عن حرب بين الليبيين والطليان في المكان، وهو اداة لرسم الماضي وتحقيق البعد الغرائبي المتمثل في الأصوات الصادرة من المقبرة المجاورة، بينما الزمن الثاني يحكي عن قصة الجد وهو صغيرا وقد أرسل ليتعلم في طرابلس، وهو زمن يساهم في بناء شخصية الجد، ثم نجد الزمن الثالث وهو زمن الأحداث التي عاشتها أسرة الحاج بشير ويصور الآلام والمشاكل التي مرّ بها الراعي أحمد،  ثم زمن انتحاره ثم انتحار اخيه، وهو زمن حكاية يؤسس اكثر للبعد العجائبي الذي يعيشه الولد مع الراعي احمد الميت وهو يتخيله رفيقا له. بينما الزمن الرابع هو زمن قصير يرسم لحظة سفر الولد للمزرعة مع أمه وهي توصيه بجده خيرا، وهو زمن جاء ليساهم بشكل غير مباشر في رسم شخصية الجد، ثم نجد الزمن الخامس وهو زمن بداية الزيارة والوصول للمزرعة، ثم الزمن السادس وهو زمن نهاية الزيارة والزمنين استخدما لبناء شخصية الولد.

نحن أمام ستة ازمنة قسمت لتبني ثلاثة موضوعات، أحدهما البعد الفنتازي وشخصيتي الجد والولد. 

3.1 السرعة والتواتر واشتغال الراوي في قصة الكاغط:

السرعة في السرد وفيها يتم متابعة الحركات الزمنية الأربعة وهي: التلخيص، والمشهد، والوقفة الوصفية، والحذف.

من الممكن أن يتابع من يقرأ هذه القصة أنها تعتمد على المشاهد التصويرية التي يتقنها الراوي مع حضور الحوار (أحيانا) ضمن تلك المشاهد، وهو حوار متقن ظهرت فيه براعة الراوي من جانب قدرته على استخدام لغة مناسبة لوعي الشخصيات، الراوي الرئيس كان ذلك الطفل فيما قدمت معلومات اخرى من خلال الحوار على لسان شخصيات أخرى.

نلحظ حسن توظيف تقنية الحذف وذلك من خلال حذف أزمنة واختيار أزمنة أخرى مناسبة لتكون مادة للسرد؛ فنجد حذف المسافة من حرب الليبيين والإيطاليين، وانتقاء مرحلة تعليم الجد في طرابلس مع السوريلات، وهي قد تكون في ثلاثينات القرن الماضي، والمقصود مع المدارس الكنسية الإيطالية التي فيها الراهبات، بينما نتابع مرحلة ما قبل حضور الفتى (وائل) لجده،  وهي قصة أل بشير وانتحار حمودة، ثم انتحار أخيه علي أيضا. ثم ننتقل من هذا للحظة إلى لحظة زمنية كانت الام فيها توصي أبنها خيرا بجده، وهي لحظة زمنية سابقة لزيارة الجد قليلا. ثم كان زمن الوصول للجد والزمن الخير هو الزمن الذي يحيك فيه وائل وهو كبير قصة زيارته ويتذكره.

  • أولا. نماذج للمشهد والتلخيص

لنتابع التلخيص منذ بداية القصة: المشهد التصويري التالي يعكس لنا عبره الراوي ما يدور في ذهن ذلك الولد لحظة الوصول للمزرعة

” تعلم في العاصمة هناك ولم يكن له إلا أن يعود مخالفاً لوصية والده، يعود لأرض بالغة الأتساع …”

وهنا أيضا يتم توظيف التلخيص لتغطية شخصية الراعي أحمد (حمودة) من خلال سرد الراوي ومقولات الأخرين، لنتابع المقطع التالي:

“(أ) كان حمّودة يعاني في آخر أيامه من عقدة نقص ولدتها داخله تعليقات والده وافتخاره بأبناء أخيه وبأخيه المتعلم، (ب) كان الحاج نفسه يريد من أبنائه أن يصيروا كأبي وعمي. لكن حمّودة وعقله لم يتوافقا أبداً مع العلم، علمه الوحيد الذي وجده كان تحضير أفضل شراب بوخة بالقرية، (ت) الرجل الذي قتله علمه…هكذا سماه عمي بعد أن ذكرت له اسمه بعد سنوات.

نتابع تلخيص الراوي لعقدة حمودة في (ا) ثم تلخيصه لموقف الحاج في (ب)، ثم دعمه لذلك كله بالخلاصة التي نقلها عن عمه بخصوص حمودة الذي تمحور علمه في صناعة أفضل شراب خمر محلي (بوخة) في القرية.

بينما نجد هنا توظيف المشهد:

” كان صيفاً حاراً شديد القيظ، ذلك الصيف الذي أتيته ولداً في الثانية عشر من العمر صحبة عمي، الشمس في فؤاد السماء تغرس مسامير أشعتها الحارة في مصب رؤوسنا، الأرض بدت حامية تذوب من فرط الحرارة، كان يسقي بعضاً من الشُجيرات الملتفة حول البيت تحت هيام الحَر حيث تنشط الجن، تحميه – أو يحسب ذلك- من الشمس معرقته البيضاء وسحنته الشاحبة، لم يبدو مهتماً بصوت السيارة ولا توقف محركها ولا حتى إغلاق الأبواب”

لا يبدو توظيفا واضحا للوقفة الوصفية، أو الوصف الذي يوقف الزمن، حيث تعتمد القصة غالبا على الوصف المُسّرد الذي اختلط بجزء من بالسرد.

  • ثانيا. السرد التواتري

تغطية للأحداث وملء لفراغ القصة سعى الراوي إلى استخدام السرد التواتري الذي يُشعِر المروي له بكون الأحداث أكثر مما هي حقيقة؛ خاصة وأن هناك أحداثا تتكرر. هذه التقنية كانت حاضرة مع حسن توظيف للمشهد، مع حضور للتأطير والترهين مع المشاهد السردية والوصفية وهي تساهم في جعل تلك المشاهد مميزة. لنتابع بعض النماذج للسرد التواتري هنا:

“أمضيت الساعات التالية للحدث أكتشف المساحة التي أمامي، التراب اختلط بقدميْ، جلست منهمكاً تحت الأشجار، نقشت الشمس في رأسي بعض من أشعتها، المساحة الخضراء تبلل بالندى حذائي، كان مشبعاً برائحة التراب والعشب والندى…”

المقطع السابق يصور ظهيرة أحد الأيام في المزرعة، الراوي استخدم التواتر ليضعنا في كيفيات تمضية الشخصية (الولد) ليومه، وهنا في المقطع التالي نتابع السرد التواتري الذي يحقق الهدف السابق نفسه:

” (أ) كنت أفعل تقريباً الأشياء نفسها كل يوم، (ب) أختبئ في حقل القمح مراقباً الحمامات، (ت) أصعد إلى خزان المياه لأتمكن من رؤية القرية بوضوح، الجبانة عبارة عن حيوان مرقط بالعشب والقبور البيض، (ث) أتفرج على مزرعة الحاج بشير، يمكنني أن أتبين في الأفق زريبة الأغنام خالية على عروشها، (ج) الزريبة التي مات فيها الأخوان، الطريق الذي يفصل بين الجبانة ومزرعتنا حيث السيارات اللامرئية، أشاهد الجبانة بتمعن”

المقطع السابق يرسم فيه الراوي الفعل المتواتر عبر السرد الشخصي للشخصية التي تحدثنا عن الأفعال المتواترة التي تقوم بها، البداية في (أ) نتابع صيغة الفعل المتكرر، ثم في (ب) و(ت) نجد الأفعال او الممارسات التي تتم بشكل متواتر، وأيضا في (ث) نجد فعلا يبدو متواترا، بينما (ج) نجد صورة المكان: الزريبة والطريق بين الجبانة والمزرعة، بينما في المقطع التالي وهو يلي المقطع السابق مباشرة، نجد التواتر نفسه بالأسلوب السابق ذاته، كما يلي:

“(أ)  استجمع ذاكرتي الصوتية في الليالي الثلاثة السابقة، (ب) صرير الريح، تخبط النوافذ، أشياء تتكسر، (ت) ومشهد السيارة اليومي كل صباح عند العاشرة تماماً بذات التفاصيل، محرك سيارة، قرقعة أبواب ثم أحدهم يصيح ” اسبيزيوني.”

نجد الإحالة على التواتر في (أ) والأحداث المتواترة للحدث الغرائبي الذي يحدث وهو سماع الأصوات المختلفة في (ب)، ثم سماع صوت السيارة اليومي في (ت).

بنفس الوتيرة ولنفس الغرض نجد صورة الوضع ليلا على لسان الفتي ما يلي:

” (أ) في الليل، كان المكان ينقلب إلى حفل من الأصوات المرعبة، (ب) كنت أنام في غرفتي وحيداً استمع لصوت سقوط برميل ما، (ت) أوراق الشجر تصفعها الرياح، (ث) كلاب الجبّانة تنبح، (ث) نافذة إحدى الغرف تتحرك وتصطدم بالحائط مصدرة قرقعة قوية، (ج) أصوات أخرى لم أتمكن من تبينها تتراوح من العالية إلى المنخفضة، (ح) كنتُ دائماً ما أواجه صعوبة في النوم”

نتابع نفس البنية السابقة تقريبا للسرد التواتري: البدء بالحدث المتواتر، ثم التفاصيل التي ترسم  ما يحدث من أشياء متواترة، وإذا كان التواتري في النهار له علاقة بتغطية زمن إقامة الشخصية في المزرعة، فإن التواتري في الليل هو إضافة لغرض رسم البعد الفنتازي ومشاعر الخوف التي ربما كانت تنتاب الولد/ الراوي.

في (أ) بداية الحدث المتواتر وهو قد تم البدء فيه بالتأطير، بينما في (ب) تنويع على تلك الحالة من السماع للأشياء غير الطبيعية؛ حيث صوت سقوط برميل يداهمه باستمرار في (ب)، أو صوت أوراق الشجر والريح في (ت)، ثم صوت نباح كلاب الجبانة في (ث) اصطدام نافذة بالحائط، بينما في (ج) الصوت غير معروف نوعه بدقة، بينما يتم في (ح) إغلاق المقطع بالتأكيد على ديمومة عدم النوم أو جود صعوبة في الوصول للنوم.

وهنا في المقطع التالي التواتر يتم سرد رسم ما يفعله الجد دوما، لنتابع ذلك هنا:

“(أ) ألاحق جدي ونشاطاته اليومية الروتينية، (ب) يسقي شجرة ما، يقلم أخرى، (ت) يصنع لنفسه شاياً (ث) ويجلس على كرسيه الهزاز أمام البيت يقرأ كتاباً ما”

بنية السرد التواتري نفسها، حيث نتابع في (أ) الفعل المتواتر وهو متابعة نشاطات الجد ثم نتابع فيما بعد أفعال الجد المتواترة في (ب) سقايته الشجر او تقليمهـ ثم في (ت) يصنع لنفسه شابا، ثم في (ث) نتابع تواتر جلوس الجد على كرسيه الهزاز وهو يقرأ كتاباً.

  • ثالثا. اشتغال الراوي على المروي له في القصة:

توجد في بعض المواضع اشتغالات من الراوي لتفعيل علاقته بالمروي له من خلال حديثه مباشرة، لنتابع هنا في المقطع التالي الراوي يبدا السرد وهو يحدث المروي له بما يتذكره لنتابع ذلك:  “أذكر أنّ جدي كان مثقفاً”

بينما هنا نجد الراوي يحدث المروي له كما يلي وكيف يعبر الراوي الولد عن موقف من الجد:

“كان جدي بطيئاً في تفاعله مع محيطه، بطيئاً في حركته، في التفاتته، هادئاً، لا تتغير ملامحه البتة، فأنت لا تعرفه إن كان سعيداً أو حزيناً، باسماً أو متهجماً”

الراوي هنا يخاطب المروي له بقوله (فأنت). وهنا يحدثنا الراوي الولد بنفس الطريقة عن جده كما يلي:

أتذكر ذلك الكم من التفاصيل فيما يخص المشاعر، كل ما يحضر وجه جدي أمامي كان وجهاً بارداً، صلداً، ولا يخبرك بأي شيء وكان ذلك الموقف”

  • خامسا. خلاصة حول الإسراع والإبطاء البعد التواتري واشتغالات  الراوي المميزة

لاحظنا فيما سبق من التقنيات الزمنية جانب السرعة؛ حيث تراوحت العلاقة بين زمني الحكاية والخطاب بالتساوي كما في المشهد الذي كان اكثر تقنيات الإسراع الزمني استخداما، كما تمّ توظيف تقنية الحذف، حيث أمنة طويلة مفترضة في الحكاية لا نجدها في خطاب القصة، ومنها على سبيل المثال المسافة الزمنية من جهاد الليبيين ضد الطليان إلى زمن استقرار الطليان وذهاب الجد للتعليم في طرابلس في مدارسهم، كما نجد توظيف التلخيص حيث تكون المدة الزمنية في الخطاب قصيرة وتغطي زمنا طويلا من الخطاب، وهذه كانت نادرة الاستعمال بينما تقريبا غاب الوصف الذي يقوف السرد.

قام الراوي بتوظيف السرد التواتري ليعبر به عن أزمنة طويلة من خلال جمل بسيطة وفي مسافة نصية قليلة، فكان السرد التواتري بذلك أداة تملأ الفجوات السردية بما يقدم من تصورات جاهزة يتم تخيلها من المروي له عن فترة زمنية أمضيت في عمل ما، أو فكرة ما،  وقد تركزت هذه التقنية في جانبين : الجانب الأول رسم مرحلة زمنية من عمر الشخصية/ الولد في المزرعة، وجعل السرد غير ممل، بينما الجانب الثاني الذي تمثل في السرد التواتري دوره كأداة لتصوير الراوي لاستمرار تلك الأصوات الغرائبية التي يسمعها الطفل (وائل)، مما يؤكد استمرار ذلك الخوف وتلك الأزمة في مزرعة الجد غريب الأطوار. التواتري استخدم في هذه القصة بانتظام مع اشتغال الزمن خطابيا ومع توظيف تقنية الابطاء والإسراع. كما كان الراوي يقوم من الحين للأخر باستفزاز المروي له عبر توجيه السؤال له، مما يجعله يتلقى ما يقال له بشكل اكثر وعياً وانتباهاً.


[1]   محمد النعاس، قصة الكاغط، يمكن الاطلاع على القصة على هذا الرابط بموقع بلد الطيوب:

مقالات ذات علاقة

جنازة باذخة .. تقنيات البنية الفنية في قصيدة النثر

المشرف العام

شارع السردين المعلب

رحاب شنيب

رداً على مقالة يونس الفنادي بحق الشاعر محمد الدنقلي

المشرف العام

اترك تعليق