الشاعر: علي صدقي عبدالقادر
دراسات

دراسات في الشعر العربي المعاصر

تكتسب التجربة الشعرية للأستاذ على صدقي عبد القادر أهمية خاصة في مسيرة حركتنا الأدبية عامة. والشعرية على وجه الخصوص. وتأتي هذه الأهمية من تلك المثابرة الدءوبه التي طفق هذا الأستاذ على القيام بها منذ أن بدأت هذه الحركة تنسج خيوطها الأولى عقب الحرب العالمية الثانية. وما رافق ذلك من طرح للقضية الليبية في المحافل الدولية، وحلول ما يمكن وصفه بالحركة الوطنية التقليدية التي كان من ثمرتها وصف الأستاذ على صدقي عبد القادر بشاعر الشباب. كلما نشر على صدقي عبد القادر شيئا من تجاربه الشعرية في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الحركة الأدبية.

الشاعر: علي صدقي عبدالقادر
شاعر الشباب، الشاعر علي صدقي عبدالقادر

وعلى النقيض مما فعل الكثير من نظراء الأستاذ على صدقي عبد القادر في خوض تجربة الإبداع الشعري او الأدب من الذين طرقوا هذا الباب في تلك الفترة ثم مالبثوا ان هجروا هذا الميدان تحت بريق شتى الإغراءات الدنيوية، ظل على صدقي عبد القادر يواصل رحلته في ميدان الكتابة الشعرية، ويؤكد صلته القوية بمشكلات الفكر، دونما استسلام لطبيعة عمله كمحام، او لما خلب الباب الكثير من أبناء جيله الذين تخلوا نهائيا عن محراب الكلمة إبداعا، وربما حتى قراءة، وهو الأمر الذي أدى به الى تقديم هذا العدد الكبير من الدواوين الشعرية، وهذا الجهد القوي في شتى الأنشطة التي تقام في الداخل والخارج على السواء. طوال الأربعين سنة الماضية، والتي انقضت على ظهور قلم علي صدقي عبد القادر كشاعر مجدد. ومثقف لا يعرف الكلل.

ومما لا شك فيه أن كل محاولة للاقتراب من تجربة الشاعر الخصبة، لا بد أن تقترن بإلقاء نظرة على التيارات الفكرية التي سادت في المرحلة التاريخية عشية ظهوره. والأصوات الشعرية التي ارتفعت عند

استواء شخصيته، بحيث يمكن بعد ذلك تحديد مكانة هذا الشاعر. وما تحقق لتجربته من مظاهر القوة، وكذلك ما انتابها من مظاهر الضعف وعلامـات الوهن، وأن شئنا الإخفاق في تحقيق التطور المرتقب. وغير خاف على أحد أن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. هي فترة ازدهار التيار الشعري الجديد، وهي كذلك فترة التحركات السياسية الكبيرة التي حلت بالوطن العربي، وأدت الى ظهور تلك التحولات التي شملت مختلف مناحي الحياة. إلا أنها بالنسبة لواقعنا الليبي قد اختلفت عن ذلك بعض الشيء، فلقد ظهر في هذه المرحلة جيل المدرسة الإسلامية العليا من الذين بدأت أسماؤهم تملأ أعمدة الصحف، تتناول قضايا التاريخ والمجتمع وبعض المعالجات الأدبية، المتمثلة في الشعر والخاطرة الأدبية. وكادت الحياة الأدبية أن تخلوا خلواً كاملاً من أي قلم جديد كما شهدت تقهقر المدرسة التقليدية الحديثة. بحيث اقتصر الشعر التقليدي على القصائد المنظومة التي لا تفصح عن شاعرية صحيحة، ولا تفصح عن أي إدراك واع لرسالة الشعر، حتى ليمكن القول : انه باستثناء صوت النقد لم يكن يوجد في تلك الفترة او بعدها بقليل ما يدل على أي مناخ شعري بالمعنى الصحيح لكلمة الشعر وقد سبق ان تعرضنا في غير هذا المكان الى تلك الفترة وملابساتها، كما سبق لغيرنا من الباحثين ان تناولوا جوانب كثيرة منها، وبقى علينا أن نتناول تجربة الشاعر علي صدقي عبد القادر. وهي تجربة خصبة للغاية. تجربة امتدت في حساب الزمن ونأمل أن تمتد أكثر فأكثر، كما امتدت في طبيعة المعالجة ونثق أن تمتد أكثر فأكثر أيضاً. وقد كانت هذه البداية كما حفظتها الصحف الصادرة في ذلك الزمان بداية متواضعة للغاية، بداية يختلف فيها علي صدقي عبد القادر عن الكثير من الشعراء الذين عاصروا رحلته الشعرية سواء أولئك الذين سبقوه بعض الشيء او الذين جاءوا بعده بقليل.

ان هذه البداية في الحقيقة، عندما نقف أمامها اليوم نلاحظ أنها لا تكتشف عن شاعرية مطبوعة، وليس ثمة ما يدل فيها على أي صلة بحقيقة الشعر، وقد

نشرت على ما يبدو بسبب مشاركة الشاعر في هموم الناس اليومية ومساهمته المعدودة في قضايا الناس، أكثر من كونها تمثل موهبة شعرية مطبوعة، او إمكانية فنية متميزة. ولا تسعفنا أشعار تلك المرحلة عن أي شكل تقليدي تظهر من خلاله مقدرة الشاعر على السبك، او تفوقه في توليد المعاني، او داريته في فن الوصف أو أي شرط من شروط القصيدة التقليدية بل أنه ليبدوا أبعد ما يكون عن استيعاب تجربة القصيدة التقليدية كما بعثها البارودي وشوقي، وكانت في رحلته الى هنا تؤثر في تجارب رفيق والشارف. تماما مثلما لا يجد المرء أيه صلة لهذا الشاعر بالتراث القديم. ومن هنا شاعت في تجاربه الأولى تلك الصور الساذجة والتشبيهات العادية، حتى يجدها القارئ اقرب ما تكون الى تلك الأحاديث العدية التي يلقيها الناس هنا وهناك.

فتنة المرأة كالرقطاء حـــولي تتلوى

نصفها نار ونصف من هشيم بات يشوي

بعضها يأكل بعضا ثم يخـبو. ثم يقوي

ويرى بعد رمادا منه حــواء تـسوى

فتنادى ليس عني يــا بني أدة سلوى

أنـــــــا من أدم ضلع قد خلقت

وقديمــــــا في الفراديس سكنت

وعلى أرضــــــكم الآن هبـطت

فخدوا عني كمـــــا شئتم وشئت

لا تقولوا فتنة الدنيـــــــا ولدت

لقد عاش علي صدقي عبد القادر سنوات طويلة على تجارب إيليا أبي ماضي وبعض هموم الشباب البسيطة. ولكن لم يستطع أن يؤكد من خلال أي لون شعري متميز، بل أن تكراره لبعض آلام أبي ماضي إنما كان من قبيل

المحاكاة والتأثر البدائي الذي لا صلة له بالشعر الحقيقية. كما يتضح في هذا النص :

أتيت ولا علم لي بالدُّنا، وأرحل عنها بدون اختيار

وأسلك فيها طريق الردى. واخبط عبر مثار الغبار

وأجهل ما يختفي في غدى، فها جنة أم عذاب ونار

فلا أسف أنا عما مضى، ولا القلب يأكله الانتضـار

فتمت حياة ويفني أناس، ويدلج ليل ويأتي نهــار

ان المواقف الوطنية النظيفة ذاتها لم تستطع ان تزكي هذه الشاعرية من الناحية الفنية، كما عجزت المواقف الثورية النبيلة عن تغطية الكثير من النواقص وذلك لان الموقف التقدمي والموضوع الوطني، لا بد له في الحقيقة من أداة فنية متطورة لا بد له من صياغة قوية إذا كان العمل إبداعا أدبيا، ومن قدرة في خلط الألوان وتحديد الطلاء إذا كان العمل لوحة فنية. وكذلك الحال بالنسبة لكل الأشكال الأخرى. لقد قاوم علي صدقي عبد القادر فكرة الأحلاف الأجنبية وكان في مقدمة الأصوات التي تصدت لحلف بغداد ولكننا عندما نقف اليوم أمام شعره في تلك المرحلة وعن ذلك الحلف بالذات ماذا عسانا قد نجد ؟ لا شك أننا سنجد الموقف الوطني اما الشعر فلا مكان له على الإطلاق انه نفس الموقف الذي نقف عليه حول بعض القضايا الأخرى حيث يجسد علي صدقي عبد القادر الروح الوطنية ولكن أداته الشعرية تعجز عن ذلك

عد ايا غاصب من حيث أتيت

واجل عــنا انك الآن انتهيت

غير مجد سفح دم،،ع ان بكيت

طالما في ارض اجدادي بغيت

وبأوراق الجنيــهات اشتريت

ذمما خانت فـأهوت إذ هويت

نحن هدمنا الذي أنت بنــيت

ذق هوان الطرد منا ارأيت ؟

زلــــزلوه

أنــــزلوه

حــــولوه

علم المحتمل من هذي الديـار

أنه بوق عار ونثــــــار

علم العادي الذي في الرق جار

اذ عليه العربي الحـــر ثار

وانبري يلقي به عرض البحار

لقد أعطت هذه التجارب الشعرية الضعيفة الفرصة القوية للكثير من خصوم علي صدقي عبد القادر في الخط الوطني، من الذين لم يبلغوا مسلكه الوطني النظيف ان يقللوا من دوره. معولين على ضعف الروح الشعرية لديه، لينالوا بعد ذلك من التجربة الشعرية الجديدة في العموم. وقد استطاعوا تحت هذا القناع ان يخفوا حقيقة عدائهم للشعر الجديد، ذلك العداء النابع من رفض مضمونه السياسي أكثر مما هو موجه الى شكله الفني. نعم لقد ظل علي صدقي عبد القادر لفترة غير قصيرة من الزمن مثلا سهلا يمكن أن يركن إليه كل من لا ترتاح نفسه لمضمون الشعر الجديد. وظل ذلك مبعث لكثير من الغاضبين على هذا الشعر من الذين وقفوا أسرى نظرتهم الأولى لشاعرية علي صدقي ولم يفطنوا بالتالي لما تحقق لـهذا الشاعر من التطور. انه التطور الذي وان لم يصل بالشاعر إلى القمة، إلا أنه لم يبق عليه في السفح.

وإذا ما سلمنا بالرأي القائل : أن مقياس التطور في كل شعر أنما يتحدد من خلال ما تحقق لمبدعه من استقلال الشخصية، والتخلص من سيطرة الآخرين بحيث يكون نتاج مرآة صادقة لشخصيته، تظهر من خلاله صورة العصر ويندمج فيه ما يسوده من قيم وأفكار، وما يشرق من أمل، وما يغشى من ألم فأنه يمكن : إن تجربة علي صدقي عبد القادر من التجارب الفريدة في حركتنا الشعرية، ففي هذا الشعر تظهر شخصية علي صدقي كأدق ما يكون الظهور واضحة.

وهـذه الشخصية في الحقيقة تجسد بصدق صورة المدينة القديمة بمثلها الحضارية، وتقاليدها الشعبية. وصورها البسيطة وتجربتها المحدودة وحياتها الخيالية من التكلف والمحاضرة، وفي هذا العالم تظهر خطوات الناس محدودة وممارستهم المحسوبة، وعلاقتهم ثابتة. هنا تشبث لا حدّ له بالقديم وتشبث لا نظير بقيمه ومعانيه، هنا رفض لروح المغامرة وميل واضح نحو الهدوء والثبات وخضوع صادق لسلطان التقاليد وجبروت العادات، ورفض قوي لغير المألوف وغير المستقيم من الأفعال.

ومن هنا فان هذه الشاعرية تسير في عمومها في خط واحد هو معاداة الوجود الأجنبي في تلك الساحة العربية، رفض قاطع للأحلاف الأجنبية انحياز كامل نحو القوى الوطنية، انتفاضة الطلاب في يناير رفض النموذج المنهزم والمتقلب والمتاجر بالكلمة، الى غير ذلك من الأنماط السيئة التي سادت قبل تفجر ثورة سبتمبر وبالأحرى في السنوات الأخيرة من حكم العهد المباد.

انه الاتجاه الوطني الذي طبع التجربة الشعرية لعلي صدقي عبد القادر وكان المحور الأساسي في مواضيع شعره بالإضافة الى مواقفه الحياتية.

هي ذات المعاني النبيلة التي جعلته دائم التجاوب مع كل موقف شريف وهدف سام ومطلب جماهيري داخل البلاد وخارجها، والتي جعلت منه على الدوام وجها شديد الأشراق في تاريخنا المعاصر، الذي عرف الكثير من المتقلبين والمترددين وسماسرة الكلمة الذين ضاق بهم دائما قلم علي صدقي واحتلوا حيزاً كبيراً من شاعريته وصفحات دواوينه.

وفي هذا الشعر تظهر روح علي صدقي عبد القادر كصوت وطني للكثير من الممارسات والكثير من السياسات التي سادت طوال الخمسينات والستينات، أي منذ أن افرغ الاستقلال من محتواه الحقيقي الذي كان يتطلع إليه جيل علي صدقي، وأقيم ذلك الشكل السياسي الهزيل المرتبط أوثق الارتباط بالاستعمار العالمي، الراضخ لسيطرته القوية ظاهراً وباطناً، وما أكثر ما شغل بال علي

صدقي عبد القادر وجود القواعد الأجنبية على الأرض الليبية ووجود سياسة كانت على الدوام معادية للخط التحرري، وكان هذا الانشغال ظاهرا في شعر علي صدقي وفق رؤية شعرية ذات قسمات خاصة ولون خاص ومضمون اجتماعي خاص أنها الرؤية التي تحددت ملامحها الأولى في فترات الكفاح الوطني، وظلت مرتكزة على المبادئ العامة التي يمكن ان يحملها أي إنسان طالما إنها لا تحدد مضمونا للاستقلال، ولا شكلا للنظام الاقتصادي الذي ينبغي ان يسود كبنية متفرعة عنه.

وهكذا يتضح بصورة مجملة الخط العام للظروف التي كونت رؤية علي صدقي الشعرية والتي هي جزء لا يتجزأ من نشأته الأولى وتصوراته الخاصة لمعنى الاحتلال ومعنى التحرر، وبالتالي لحقيقة الشعر.

وبينما كان الشعر تعبيرا عن رؤية شاملة تخص الكون والحياة وترى صورة المستقبل، وتتخذ موقفا من الحاضر، وفيما كانت العبارة الشعرية أداة لتحديد صورة ما، والصورة وسيلة لإبراز مضمون ما. وفيما كان ذلك كله يقوم على التجربة الإنسانية المعاصرة والتجربة التراثية مرات أخرى، ظلت رؤية شاعرنا تختلف عن ذلك كل الاختلاف، رؤية تقوم على وصف الأشياء لأنها أشياء وتسوق العبارات لأنها عبارات ولو أراد المرء أن يصل بواسطة هذه الكلمات الى معنى او يستنبط فلسفة من الفلسفات لما وجد غير كلمات الشاعر التي هي كلمات ليس غير.

وقد يقال ان الشاعر يجب أن يكون شاعرا وحسب، وليس من شأنه ان يكون فيلسوفا، ولا يطلب منه أن يعبر عن وجهة نظر ما المهم أن تكون لديه الصورة الشعرية الجميلة، والمعنى الجميل يتفق في ذلك الشعر الذي يصور الجمال او يحي الموقف البطولي. وهذا القول ينطوي على بعض الحق، ولكنه في الآن نفسه ينكر جوهر الحق، فالصورة في حد ذاتها تعبر عن فلسفة واللحظة تجسد رؤية. ونحن لا نشترط زواية من الرؤى إلا في ظروف خاصة وما بقى

فإننا نحب أن تعثر على رؤى، رؤى ليس غير وكثيرا ما يعيينا البحث في شع هذا الشاعر، كثيرا ما يعيينا عن الصورة التي تصل بنا الى الرؤية القوية، وكثيرا ما نحس بأن الكلمات كتبت من أجل ان تكتب أي أن الكلمات لدى الشاعر لا تعبر عن دلالالة ولا تومئ الى مدى بعيد.

والحقيقة إننا لا نسوق هنا تعريقا ضيقا للشعر، تفرضه علينا وجهة نظر نقدية او اجتهاد شخصي. ولكنا نحتكم الى كلمات الشاعر نفسه، وهو يحدد مفهوم الشعر من حيث الموضوع ومن حيث الشكل، من حيث مضمون العمل الشعري كخلاصة لجهد الشاعر الشاعر في الصياغة الشعرية. وفي المعنى الإجمالي للعمل الشعري، ان علي صدقي عبد القادر يقول : ان الشعر اعتراف وان القصيدة خبايا إنسان يتمنى ان تكون له، وان الشعر امتلاك للعالم ولكنه في الشيوع حتى ليصبح الشعر بمثابة الاندماج الكامل بين الشاعر والمتلقي فليس هذا الأخير حالة الاعتراف، فيسمع صوته ويظن أن التجربة هي تجربة الذاتية.

حقاً ان الشاعر يفلح في ملامسة بعض الأجواء الشعرية، وهو يطرق بعض التجارب على نحو ما نرى في تصويره للواقع الذي ران على البلاد في فترة الثورة بقليل، حتى إذا ما قدر لهذه الثورة ان تقوم كانت بمثابة المفاجأة التي كذبت الكثير من الحسابات، وخالفت الكثير من التوقعات. انه يفلح في التعبير عن هذه النقلة الكبيرة وذلك من خلال الصورة الشعرية الصادقة.

إنهم يخشون حتى الكلمــــــــة

ولها يبنون أسوارا وسجنـــــــا

بيد معروقة مرتعشــــــــــة

فاح منها عرق الإثم الكريــــــه

عرق الجيل الذي في فمه ثدي الخطيئة

حملوا أشواكهم، سدوا الطريـــق

وعلى أكتافهم ليل مريـــــــع

وصليب وجــــــــــــبال

ورؤوس تدلي بــــــــالجبال

غير أنه ما يلبث إن يقع أسير التبسيط عندما يقترب من هذه التجربة الكبيرة مرة أخرى، وبدلا من أن يعمق مفهومه ويستعيد شيئا من ذاته ليسقطه على هذا الحدث الضخم نفاجأ به يوغل في تبسيط الأمر حتى لتصغر أمنيته لمجرد ان يتحول إلى حالة شكلية إلى مشارك بسيط في الأمور العادية. وكأن الثورة حالة عادية او كأن المثقف يمكن ان يكتفي بهذه الأمنية التافهة التي أثرت في تفكير الشاعر وأدت إلى ظهور مثل هذا الكرم العادي الذي لا صلة له بالشعر ولا علاقة له بالشعور العميق. بل أنه يذهب إلى أكثر من ذلك فيظل يمالئ الشارع الذي كان ينقصه النضج وتسيطر عليه الكثير من ردود الأفعال السريعة التي تخالف كل الأحوال الصحيحة، والشروط التي تقتضيها ضرورات الرحلة وطبيعة الفترة الزمنية المعاشة.

والواقع أن هذه النظرة الكسيحة “” والتعبير هنا مجازي محص “” جعلت الشاعر وهو على ما هو عليه من المعاداة للوجود الاستعماري، طوال تاريخ ما قبل الثورة لا يجد صورته العميقة في شعر علي صدقي فلا يجد في تصويره سوى الملابس القديمة والتصرفات الشخصية ليتخذ منها مأخذ على الوجود الأجنبي، وهكذا تضيع التجربة الشعرية في عوالم التسطيح والتبسيط، وتختفي أي رؤية يمكن النفاذ من خلالها إلى عالم ما.

في فجر يوم راقـــــص الأضـواء

قد خرج الجندي، ذو القبعة السـوداء

تجر ساقاه السراويل الكبــــــيرة

رسمت فوق ظهره : القرصان لن يعود

علقت فوق صدره : لافتة الجـــلاء

نقشت فوق عينه : ليبيا تواجه الـنار

مضى يجر قبره بلا رجـــــوع

ويمــــضغ الكــــفن…

ويخرج الأطفال أمنين يـــلعبون

يلملمون الشمس فــــي الاردان

ويضفرون النور كالتــــــيجان

ويقفزون ينشدون للجــــــلاء

لأن ذلك الأزعر الممقوت غــــاب

ويقذفون آلاته المزركشـــــــة

مغموسة بحوض قنديل لشـــهر زاد

تشع مثل عين النسر في الســـماء

ويرسلون في الضحى أغنية الجــلاء

تستوقف السحاب في الفضــــاء

نعم ان هذا الشاعر الذي نطالع له صورة معبرة غاية التعبير وأصدقه لذلك النموذج المذبذب الذي استمرأ لعبة الرقص على الحبال في فترة ما قبل الثورة بقليل عندما أصيب الكثير من ذوي الماضي الجيد بالوهن، فشاعت لدى الكثيرين لعبة التطلع والتراجع عن الموقف الرافض، تحت تأثير المغريات المالية والمصالح الصغيرة، وهو الأمر الذي يفلح الشاعر في رصده بالصورة التي تجمع بين الوصف والسخرية، حتى لنكاد نرى النموذج المذبذب يسير هنا وهناك عبر المدن والقرى.. ان هذا الشاعر الذي يفلح كذلك في تجسيد الخسارة الكبيرة التي حلت بالوطن عند غياب كاتب ملتزم بقضايا الجماهير والتي يرتفع فيها من نادب ساذج او بكاء بدائي الى رمز مختلف للغاية، رمز للإنسان الثوري الشريف الذي يجسد الحياة في المثل والحياة في الموقف والذي هو بالضرورة أقوى من الموت وأقوى من العدم، لان الإنسان الشريف كما يصوره قلم الشاعر مثل حبة القمح الخصبة لا تحصد مرة ألا تترك بعدها سنابل أخرى تنمو من جديد وتطعم

الناس من جديد. انه رمز غاية في الجمال والقدرة القوية على التعبير والثقة في المستقبل الذي لا بد ان يلد دائما من يكمل المشوار ومن يواصل مسيرة الجماهير المناضلة.. ان هذا الشاعر الذي نقرأ له كلمات غاية في الرقة والجمال، حول رحيل شاعر كرفيق او الشارف او الفقيه حسن، والذي يكتب هذه الكلمات الجميلة

عن الكاتب الوطني الشاب عبد السلام دنف المسلاتي لا يلبث ان يتردى في بعض الدعوات المتسرعة والتعبيرات البدائية حين يكتب أشعاره المعبرة عن فرحته بالثورة، فتضيع منه التجربة الكبيرة التي يفترض ان تكون آمالا كبيرة وانتصارات شامخة الى أشياء جانبية وردود أفعال بسيطة لا تصلح إطلاقا أن تكون من هموم الثوار.

ومن الأمور التي عنى بها شعر علي صدقي عبد القادر وراح يدق عليها بلا كلل عبر الكثير من القصائد، وعبر مراحل تجربته الشعرية، عالم الطفولة، ذلك العالم الذي شهد بعثا كبيراً في تجربة الشاعر الخالد أبي القاسم الشابي، الذي كانت قامته عالية عند ظهور علي صدقي عبد القادر، بل والذي يرى البعض أنه قد تأثر به في بعض تجاربه الشعرية. ومن المعلوم أن الشابي قد عبر في شعره عن الطفولة في ذلك الحين الى عالمها الجميل الذي لا يمكن لأحد أن يشعر به ألا عندما يفقده وقد ظهر ذلك التعبير في تلك الصور الجميلة، والأوصاف الحية والتشبيهات الرائعة. ولكن الشاعر علي صدقي عبد القادر لا يقترب من هذا الكون، ولكنه على العكس من ذلك يظل يكرر تكرارا بسيطا وعاديا، يخلو من أي تجربة شعورية حتى حنينه للام ظل حنينا شكليا لا يخرج فيه عن تفكير الإنسان العادي وتعبير الإنسان العادي الذي كثيرا ما يجلس في زاوية من الزوايا قائلا.

لمجموعة من جلساته : إنني ما زلت طفلا ولم أنس بعد ما أكنّه من امي ذات يوم الخ.

هذه المشاعر الفردية التي وان صورت حالة إنسان إلا أنها لا تصلح بالتأكيد لكي تقدم نموذجا للأجيال.

ان مفهوم الأمومة عند الشاعر لا يرتقي الى الرمز المعبر، ولا يقترب من النموذج الدال، وهو لا يحلّق بالملتقى نحو عوالم إنسانية رحبة، او لحظات إنسانية ضائعة ولكنه يقف عند الحدث لا يخرج فيه عن إطار المواطن البسيط

الذي لا هم لديه ألا اجترار الأحاسيس العادية. ان الحديث عن الأمور البسيطة واللحظات العادية لدى الشعراء يفترض فيه أن يثير لدى الملتقى ما هو أكبر على نحو ما نرى عند أساطين المدرسة الحديثة من الذين عاصرهم الشاعر وأطلع على إنتاجهم بدون شك، بل واستفاد من طرقهم في البناء ولكنه لم يفلح في تطوير أشكاله أكثر فأكثر. وقد يحتاج الأمر الى نص محدد، وسأسوق هنا نصا من النصوص دونما اختيار مسبق :

ولـــــــــــو نظــرت

رأتـني طفلهــــــــا الأول

وفي عيـــني ألعابي

بها ألهو، وأصـــــــحاب

وتنظر على وجهي، باب غرفتنا

وقوس زقاقـــنا الضيـــق

وقطة بيتنا ” سعده “

وأربطه القماط البيض مغسولة

بحبل البيت منـــــشورة

قماطي وأنـــــــا طفل

رأت كلــــــماتي الأولى

على شــــــــفة تتعثر

وليست هذه الصورة وحدها التي تدعو الى القول بهذا الرأي في حق هذا الشاعر ـ وإنما هي على العكس من ذلك تتكرر مرة أخرى، عندما يلجأ الى ما يمكن وصفه باستدعاء ـ الصوت الآخر، وهو يعيش هذه المشاعر الوطنية العارمة عشية تحقق الجلاء :إذ عندما أراد ان يتخذ من روح والده رمزاً الجيل الذي رحل قبل أن يتحقق هذا المكسب الوطني الكبير لم يتمكن من الإفلات من تلك المعاني البسيطة التي تصور حالة إنسان او في بعهده عندما تم ذلك الانجاز،

فلم يجد إلا ان يذهب الى قبر أحد الموتى ليزوره زيارة تقليدية، ويقول له : ان الجلاء قد تم. ونحن قد نفهم من هذه القصيدة ان والد الشاعر كان من الوطنيين الذين شغلهم أمر الجلاء، ولكننا لا نحس إطلاقا بأننا أمام نموذج عاش هذه القضية.

بل أن الشاعر حتى في معرض معالجته لتجربة الخطاب الشعري يبدو في بعض المواقع على هيئة مقلّد لأساليب الآخرين على نحو ما نرى في قصيدته عن الدولار التي يقترب فيها من تجارب نزار قباني وبخاصة في قصيدته ” متى تفهم ” ولكنه في قامة تقصر عن ذلك بكثير، بالرغم مما قد يؤخذ على نزار قباني في تلك القصيدة :

ألا تعــــــــــــــــــلم

بأنك أيها الدولار في بلـــــــــدي

بــــلا وجــــــــــــــه

بــــلا شخصية تـــــــــعرف

وأنك سوف لن تلقي الذي يعرف ما وجهك

لأنك عملة للــموت مغلوبــــــة

علّها أنّه الزنجي مصلوبــــــــة

وحقد الأمم المغلوبة الحــــــــرة

عليها بقعة من دم مقــــــــتول

ولهثات لصهيون المرابي الأصفر التائه

عليــــها صرخة كوبــــــــا

والواقع، ان عنصر الحكاية في شعر علي صدقي يبدو واضحا للغاية، بمعنى ان المرء كثيرا ما يحس بأن هذا الرجل يريد أن يقول للناشـئة أشياء جميلة، ولكن حديثة عنها يجعلها غير كبيرة. ان تصويره لشخصية مدير البترول يبدو ساذجا للغاية بمعنى ان الصورة في هذا الشعر تنعدم وتبدو صياغته ضعيفة

للغاية، كل ما في الأمر أن الشاعر يريد أن يقول شيئا عن ذلك الواقع السيئ الذي ران على البلاد في ظل سيطرة رجال البترول في فترة ما قبل الثورة، وكان التطلع نحو الربح الهّم الأول والآخر لدى البعض.

ومما لا شك فيه أن هذا اللون من التعبير يشير الى مدى الانفصال الكبير الذي يعيشه هذا الشاعر فيما يبدو عن بعض التجارب المعاصرة، كتجربة عبد الرحمن الشرقاوي الرائدة في قصيدته المعروفة “” من أب مصري الى الرئيس ترومان “” التي نشرت سنة 1950 للميلاد وكذلك بقية تجاربه الأخرى في ديوان “” عزة والأطفال “”، فضلا عن البدايات الجادة التي سطرها أمثال جيلي عبد الرحمن ومحيي الدين فارس من الذين استلهموا تجربة الشابي في موسيقى الشعر، وعمقوا فكرة المضمون الاجتماعي للأدب في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الشعر العربي المعاصر.

لقد كانت الساحة الثقافية مليئة بالكثير من التجارب، ولكن الشاعر ظل في الغالب يراوح ولم يستطع ان يلج الى تلك التجارب بقوة.

وقد يقــال : ان هذا الرأي يمكن أن يرجـحّ كفة الشاعر، بمعنى أنه قد حاول التعبير عن ذاته، ولم يضع نفسه وراء تجربة الآخرين، ولكن النصوص لا تؤكد هذه الحقيقة، فالملاحظ أن علي صدقي قد اقترب الى حد كبير من تجارب الشعر الجديد، وأنه نحـا نحو بعض النصوص التي كتبها البياتي عند تأثره بتجربة البيوت الشعرية. نعم إننا نقرأ في شعر علي صدقي بعض

النصوص التي تقترب كثيراً من قصائد البياتي في ديوانه أباريق مهشّمة، وبالذات قصيدته ” سوق القرية “

ان علي صدقي في هذه القصائد والتي تعتبر في الحقيقة من أفضل ما كتب من حيث الصياغة لم يتجاوز أطار البياتي سواء من حيث الأخذ بفكرة البحور المجزوءة. او من حيث اعتماد فكرة الصور المكررة بهدف إيصال الجو العام الذي يوحّد التجربة الشعرية ؟ انه يساير تلك الآراء السياسية التي سارت في ذلك

الزمان من ان الجريمة لا تعتبر جريمة في حد ذاتها وإنما ينظر إليها دائما من خلال الأسباب التي أدت إليها. والتي ترجعها دائما الى الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها الناس. إنها الأفكار التي ترى ان السرقة والحرابة ليست من الأمور المتأصلة، وان القائمين بها كثيرا ما تدفعهم ظروفهم المعيشية الى الأقدام عليها. ان الشاعر في هذا المجال يرصد تجربة من أنضج التجارب الشعرية يصور فيها تلك الحالة القاسية التي عاشها ذلك المواطن الذي اضطرته الحاجة الى الأقدام على جريمة السرقة، وفق صراع فني غاية في القوة، انه يترك الأحوال وحدها تتحدث وهو ينطلق الى ذلك من خلال لحظة المثول أمام القاضي والاستماع الى قرار الاتهام والمواجهة بتهمة السرقة، ومن ثم ذلك التناقض بين الاعتراف بالجريمة والدفاع عن النفس بحكم الحالة الاجتماعية السيئة، والمواقف الصعب الذي يواجه هذا الإنسان من جراء حرفية القانون. حتى إذا ما انتهت التجربة ظل طاحون الحياة يدق والإنسان البسيط في تلك الحالة الصعبة، وهو الأمر الذي يبعث الكثير من المشاعر ويؤدي هذا الى الكثير من الموقف، جميعها او أكثرها باستمرار ستكون موجهة نحو تلك الحالة الصعبة التي هي بالضرورة وليدة حالة عامة :

ويذاع حكــم المحكــــــــمة

ويجـــــر ذاك المتــــــهم

للــــسجن معـلول اليـــــدين

وتضيــــع أســــــــــرة

وتشرد الأطفال كالفئران أطفال السجين

عبـــر الأزقة والـــــــدروب

يحـــيون من تجميع أعقاب السجاير

ويضــــاف للسجان مسجون جديد

ويــــدمدم البـــــــاب الكبير

بــــــاب السجــــون

ليغيــــب فيه المتــــهم

ليموت في أعقابه، موت الحياة

ويدور طاحون الحــــــياة

بــــلا انقطــــــــاع

وكــــأن شيئا لــــم يكن

لا يوقف الطاحون سجن الأبريـاء

ولا أنيـــنا للمـــــريض

لم تثنه صرخات طفل جائــع

سجنــــــوا أبـــــاه

لم يثنـــه دمع الأمومــــة

ويظل طاحون الحياة بنا يــدور

ابــــدايـــــــدور.

والغريب ان الشاعر كتب هذه القصيدة في منتصف الخمسينات فيما يبدو انه قد نشرها في ديوانه الأول أحلام وثورة الذي صدرت الطبعة الأولى منه سنة 1957 أي أنها سبقت الكثير من النصوص التي سبق التعرض إليها في صور هذه المعالجة والتي حملتها دواوين الشاعر التي صدرت في الستينات والسبعينات. ومع ذلك فقد جاءت الكثير من قصائده مثقلة بالسلبيات التي سبق التنبيه إليها، ان عدم المحافظة على مبدأ التقدم التدريجي تبدو ظاهرة في تجربة هذا الشاعر، ففي حين يجده المرء يتألق في بعض النصوص، فأنه كثيرا ما يصطدم به وهو يعود الى ما يشبه مستوى البداية.

على أن هذه الملاحظات جميعها وكذلك التي قد يكتشفها غيرنا من الباحثين لا يمكن ان تصرف النظر عن بعض الميزات الخاصة التي ينفرد بها الأستاذ علي صدقي عبد القادر، ولعل أهم هذه الميزات تلك التي تتمثل في قدرته على التفرد بالصور المعبرة ذات المنحى ” السريالي ” أن صّح هذا التعبير. وكذلك التي يسلك فيها مسلك الرسام الساخر. انه هنا يفلح في تسخير الصورة لإبراز المضمون التقدمي الذي يبتغيه من تجارب الشعرية.

ومن هــنا فان قراءة بعض تجارب الشاعر تحتاج الى أفق خاص، الى نظرة لا تتوقف أمام الكلمات بقدر ما تتخذ من الكلمات رموزا للوصول الى مضمون ما. ان ظاهرة مضغ الذيل وشخصية الحاوي وصورة الأذن المثقوبة يوظفها الشاعر لتجسيد صورة النموذج المرتبط بالاستعمار والمتخلي عن القضية الوطنية، الضالع في التردد، المرتكس في دنيا الطمع الرخيص والطموح الدنيوي التافه. وهو نموذج ساد في الستينات حين كثر التهافت على المراكز الأمامية، وتفشي البحث عن المظهر الكاذب والمركز الاجتماعي المصطنع، وهو الأمر الذي جعل الكثير من العناصر الوطنية لا تخفي تبرمها به، لأن الشاعر كان في قلب الحياة، فأننا نجده شديد الضيق بذلك المهج مركزا عليه بطريقته الخاصة وأسلوبه الخاص.

وبذات الأسلوب في التصوير يفلح الشاعر في أبراز بعض المآسي العالمية التي تعرض لها بعض الشعراء العالمين وفي مقدمتهم الشاعر التشيلي بابلونيرودا الذي قتل في المؤامرة الأمريكية على التشيلي عندما أقدم نظامها الوطني على تأميم مناجم النحاس في مطلع السبعينات فكانت النتيجة ان دبرت تلك المؤامرة التي أودت بحياة الآلاف من الوطنيين عقب سقوط أللندي ومن بينهم الشاعر بابلونيرودا.

أن علي صدقي عبد القادر لا يتوقف أمام هذه التجربة بمنظار شخصي، او كنهاية شخصية، وإنما يفلح في الوقوف أما الحدث كمحنة عصرية، محنة في قلب العصر وهمومه، ويأتي تناول الشاعر لهذه المحنة غاية في الجودة، كما تجئ النهاية طبيعية حيث تظل الصورة الفنية قادرة على رفض الهزيمة قادرة على التصدي للقتلة الذين قتلوا بالأمس نيرودا ويواصلون اليوم تأمرهم على كل عنصر وطني نظيف وكل قائد ثوري يرفـض العمالة، ويســمو على التبعية

الأجنبية، أنهم الثوار الذين لا تنهيهم المؤامرات الأمريكية، ولا تقضي عليهم مخططات المتآمرين الدوليين لأنهم يواصلون رحلتهم عبر الكلمة الشريفة وتتحول كلماتهن الى تكبيرات في المساجد وأجراس في الكنائس، وهتافات تعلو بها حناجر الجموع وبالأخص أولئك الحزانى والمحتاجين :

بيت في ( تشيلي ) يـجري خوفــــــا، عند الشاطئ

يبكـــي يتعثر. يغـــــــرق في البـــــحر

كـــل الأطفال هــــنالك، ترفع أصبعهـــــا، لا

لـــم ترضـــع ثديــا. لم تغمض جفنا للنــــوم

وموانئ ( تشيلي ) تـــــرحل في أعناق طيور البحر

سقـــــطت عطشى في آبـــار منســــــية

وبــــــأعلى غصن في غــــاباتك يــا تشيلي

يــــــأتي تاريخك يقرأ في صفـــــحات كتابك

وجـــد الدنيا قفلـــت دون دونك بـــــــابك

ومضـــت لتــــنام

وكــــأن ( تشيلي ) مــــا باتت بظـــــلام

تبكي، عــــصرتـــها الأحـــــزان، الآلام

خرجت من محــــبرة الأطفال خفافيش ســــود

حرقت كراســـات الرسم والفرح الموعـــــود

فيـــما كانت أمطار تهـــــــــــــطل

تجــري جردانـــات الـــطرقــــــات

قضمت كفين. اشتاقت للّقيا عــــبر الخطوات

والشاعر نيرودا قد مات وما مــــــات !!!

وقضى عملاء ( نيويورك ) عليه مرات، مرات ظنوه مات وما مات !!!

قلت في بداية هذه المعالجة أن الشاعر كثيرا ما يخوض تجربته الإبداعية لافتنانه بالكلمة في حد ذاتها، بمعنى أنه كثيراً ما يكتفي بالنظرة التجريدية للكلمة، ولعلى بهذا قد أخذت ببعض الأحكام التي صورت بحق شاعريته منذ فترة ليست بالقصيرة ولعلى كذلك قد أنسقت وراء نظرة نقدية صارمة ربما تصل الى حد الجمود النظري، وأحسب ان الشاعر كثيرا ما يتجاوز مثل هذا الواقع.. كثيرا ما يفلح في إبراز فلسفته الخاصة، وموقفه النظيف إزاء مسألة الإبداع من خلال النص الشعري وحده، فيظل وفق تمثل صادق لرسالة الكلمة الشعرية لقيمة فنية راقية ووسيلة إبداع مشرقة يتأمل رحلة الكلمة عبر نظرة شمولية تقترب مما يمكن وصفه بلوحات المرايا، يجسد نظرته الى الشعر، الى الكلمة التي تتحول في وجدان الى ما يشبه الساحرة الجميلة التي يحقق لها الحبيب كل شيء من خلال حبه الصادق، ولكن المغريات الأخرى تظل تنال من هنائه وتكدر صفو عيشه، فتراه يكتف بسلامة موقفه، ويظل ضمير الأنا وسيلته في التعبير، ولكن الأنا تكتسب هنا ضمير الناس كلهم، الناس الذين تتألق لديهم الكلمة، فلا تباع عندهم في سوق النخاسة، ولا تسخر بينهم للمدح او الدعاية او التبشير الكنائسي :

لأني لـــــم أزيف هذه الكلــــمة

ولم أذبــــح حرفهـــــــا بيدي

على عتبـــــــــــــــــة

على ســــور كبير بابـــــه مقفل

ولم اتركــــه للشيطان في الظلـــمة

على أبواب نول ينهش الكلمـــــــة

له خمسون رأساً، ألف ناب، سمها قاتل

يحولها الى عظمــــــــــــة

تجرر جموع الدود في جــــــــهد

لتبـــقى دائمـــا عظـــــــمة

ولا شيء ســــــوى العظـــــمة

والملاحظ أن علي صدقي يرتاح الى هذا البحر الشعري، وأنه يفلح الى حد كبير في الكتابة بواسطته، بل أن أكثر قصائده دنّوا من الكلمات هي تلك التي نسجها على هذا المنوال، وانك لتراه هنا يرسل الكلمات بعد تكلف فتبدو وكأنها عقود لؤلوية سواء وهو يتغنى بالكلمة او يفتش عن راوية الشعر او يتأمل الحبيبة التي لم تأت بعد.

ان علي صدقي عبد القادر في هذا الشكل الشعري يعمق دائما نظرته ويفصح عنها، ويبين الى حد كبير تلك الهموم التي يعيشها، وهذه الهموم فيما يبدو من رموز الشاعر لا تخرج عن إطار الذات والآخر ان الشاعر مسكون بالكثير من الهواجس ولكن أكبر الهواجس كما فهمت موقف الآخر، قدرته أي الشاعر في الاحتفاظ بما يجب أن يظهر به أما الآخر، والأخر كما أرى هو الناس. ان هذا الشاعر قدرته على حفظ نفسه من تلك المفاسد التي شاعت في الستينات ومن هنا فإن همه الوحيد أن يتنزه عما قد يقال عنه ذات يوم، قدرته على تجاوز العصر والدخول في عصر آخر. ان الحبيبة نفسها التي كثيرا ما ينتظر لقاءها قد لا تكون حبيبة من لحم ودم، ولكنها حياة أخرى ظل الشاعر ينتظرها، ولعل هذا ما جعله يتخذ من المرأة رمزا للتعبير عن جرائم الفاشست التشيليين وهو يصور مأساة نيرودا الذي تحدثنا عنه منذ قليل.

ان التعبير بالخاتم المقفل وكذلك الذي فضه كرها، واستدعاء التفاح الأحمر وقناديل الزيت وقصة الثدي ليس من قبيل الصور الحسية التي كثيرا ما يعمد البعـض الى ترديدها بهدف النيل من التجربة الشعرية عند علي صدقي عبد القادر، ولكنها قدرة خاصة للتعبير عن بعض الأزمات التي حلت بالإنسان الحديث في أماكن كثيرة من الأرض. التي ظل علي صدقي يلاحقها صباح مساء. فعندما شيع الزمان لا بد أن يرضع الأطفال لبن الخطيئة، وعندما يستقيم المسلك وتتألق صورة الوطن لا بد أن تحلق كل الأشياء، لابد أن يضمن المرء سلامة السمعة وطيب الذكر مهما مرّ الزمن. ان الأشياء الجميلة في هذه الحالة تتحول من الملموس الى المحسوس بل أن لغة الكلام ذاتها تتعطل ولا يكون ثمة إلا النظر والنفس كما يقول شوقي في قصيدة(( يا جارة الوردي )) انه مفتون في الحقيقة بما يقول المعقول، ومؤمن إيمانا لا حد له بإمكانية تجاوز كل ظرف، بل أن شوقه الى الثورة ظل يرمز إليه بتلك الجميلة التي تأخر غيابها وظل هو ينتظرها، أما الحقيقة. فهي في نظره فوق الأشياء المرئية، أنها تدرك ولا ترى، تبعث الدفء وتشيع الراحة والفرح اللانهائي.

مررت يدي فـــــــارتاحي على هــــدبي

لأطعن طــــــائري صدرك، إشعاري

وأفتح بـــــاب المغــــــــــــلق

لتطلع شمسنا بأصابعي العـــــــــــشرة

وأجري في مدينتك التي عاشت بــــــلا سكن

وظلت عمرها مسحورة مهجورة. قــــــتلى

على أبراجها حركت ريحا عاصفا أوقدت فيها النار

وأجري حافي القدمين، أهتف فوقها أصــــرخ

أهز مقابض الأبواب والأقفال والساعات أوقظــها

لألقاك، ولا ألقاك بين ملامس الأشــــــياء

ان صورة المرأة تتطور عند هذا الشاعر الى ما يخرج بها من عالم الشهوة الصغيرة أنه يعيد تشكيلها على نحو يختلف غاية الاختلاف عن تلك الصورة المألوفة، انه يتحول بإحساسه نحو المرأة الى ما يعود به الى إنسانيته الأولى أن صح هذا التعبير، أي قبل أن يعرف الإنسان الخطيئة. أنه يعيد علينا شيئا من الإحساسات الصوفية الجديدة، بحيث ينطلق من حبه الصادق البرئ الى اكتساب أشياء جديدة تعطي للأشياء طعما جديدا حتى لنراه يصل الى عالم تتساوى فيه خطوط اليدين عند المحب وحبيبته، وهو الأمر الذي لا وجود له في دنيا الواقع،

حيث تختلف البصمات حتى بين التوائم كما يقول أساطين العلم في معرض توكيدهم للقدرة الإلهية التي حفظت هذه المعجزة باستمرار، معجزة استحالة تشابه خطوات الكف والأصابع، ان هذا الحب يعطي طمعا جديدا للخوخ، يجعل النسوة يعجنّ الخبز من الحب والشعر. ان الحياة في هذه العوالم لا صلة لها بكل الأشياء التي تدنس حياة الناس حيث تقوّم الأشياء بورق البنكنوت وبقائمة الممنوعات الكثيرة التي غرسها عادة مراكز الشرطة. ان الإحساس بالأمان يجعل التفاح ينضج في كل الفصول ان أحدهم قد يرفع عقيرته بأن هذا المفهوم يعني توجها من الشاعر نحو عوالم الوجودية حيث تكون كل الأشياء مباحة إلا أن هذه العقيرة لا بد أن تلج حين نذكر ان الخطيئة لم يعرفها أبن أدم إلا عندما أكل أبوه الأول من تلك الشجرة التي نهى عنها، وأذن فإن علي صدقي إنما يطمح الى عالم لا وجود فيه للأكل من تلك الشجرة المحرمة هو يحلم دون شك، ولكن حلمه جميل على أي حال.

ان الأشيـاء إذن لا تساق للحديث عنها بذاتها كما ألمحنا في مستهل هذه الدراسة ولكنها على النقيض من ذلك تساق من أجل إيجاز التجربة الشعرية وتحديد ملامحها وقسماتها، فهي أذن تؤدي الى إبراز المضمون والإنساني لهذه التجربة، وإعطائها العلامات المميزة وذلك ما يؤهلها باستمرار لأن تكون موضع دراسة وتمحيص، وذلك ما يجعلنا على الدوام لا نقف أمامها إلا ونعود إليها مرة أخرى وذلك لما هي عليه من التجدد والثراء والخصوبة، كما ذلك في إطار التجربة الشعرية في بلادنا بخاصة وفي وطننا العربي الكبير على وجهة العموم.

مقالات ذات علاقة

البناء النصّي في شعر عبدالمنعم المحجوب (9) .. فاعلية بناء الإيقاع المعنوي

المشرف العام

بدايات الشعر في ليبيا

المشرف العام

الشجرة كدلالة مكانية للوطن في الشعر الليبي المعاصر

سالم أبوظهير

اترك تعليق