قصة

دخـــــان

لدى أستاذ يادم عداوة مع التدخين لا يمكن تفسيرها فقط بكراهة التدخين أو حرمته، فكم من المعلمين يوصون أو يعاقبون تلاميذهم على التدخين إذا وجدوهم متلبسين بذلك، وكذلك الأمر بالنسبة للوالدين والأخوة الكبار والأعمام وسواهم، أما بالنسبة للأستاذ يادم فالمسألة أبعد من ذلك، فهو يمر مثلاً على طابور الصباح وطابور ما بعد الاستراحة يتشمم أفواه التلاميذ وينظر في أسنانهم وأظافرهم وأناملهم، أو يختبر هذه بغطسها في سطل ماء، فإن رأى أثر صفرة عليها، أنزل العقوبة بهذه البيّنة، بل إنه يعرف أنواع السجاير التي يدخنها زملاؤه من المعلمين والفراشين.

فالأستاذ صالح يدخن الرياضي والحاج سالم يدخن الجفارة والمدير يدخن السفير وهكذا، فأي عقب سيجارة تقع عليه عينه الحادة في أي زاوية من زوايا المدرسة، لا بد وأن يتفحصه عسى أن يكون غريباً، فيفتح تحقيقاً دقيقاً في ذلك حتى ينتهي إلى يقين، بل إنه يفتن التلاميذ ويختبرهم بأن يلقي في ممر من الممرات عقباً، ويكمن وراء الأبواب مراقباً، عسى أن ينحني أحدهم عليه، أو يقترب منه، ولكنها خطة صارت مع الأيام وبفضل اقترانها بالعقوبات الشديدة، معروفة مجتنبة مشتبه فيها، بل إن أحد التلاميذ إذا أراد الكيد بزميله، فما عليه إلا أن يدس عقباً في حقيبته أو جيبه، ويبلغ عنه أستاذ الدخان، أستاذ يادم.

وكان للأستاذ يادم نص كلمة واحد في كل اجتماع لأولياء أمور التلاميذ:

ـ (أيها لخوه الآباء وأولياء الأمور التلاميذ السلامو عليكم ورحمة الله وبركاتو .. نذَّكَر ونا عيّل في سنة ثالثة ابتدائي، والحالة حالة شتا وصقع، لكن ياجماعة كان الصقع دافي، انظر مالصغر، انظر من سماحة الوقت، الغايتو كان جاينا خالي رافع، مراكم الا تعرفوه الله يرحمه ويسامحه! كان ادخاخني تايحه، سبسي في جرة سبسي، نين العرب امسميينه البابور مالدخاخين، مات عالتسعين وهو ايدخن، ويمضغ وينفنف، وتو هناك عرب ايقولو لك الدخان ايسبب الوفاة، لا إله إلا الله محمد رسول الله، العمار فيد الله يا اسلام، الحصيلو كنت قاعد احذاه هو وباتي الله يرحمه ويسامحه فالمربوعه، وما شر من خالي فالدخان إلا باتي، الله يرحمهم ويسامحهم، هاذك الليلة خلوا مربوعتنا فوق السحاب مالدخاخين، قول تمددوا عالفراشات والسباسي ما زالن في أفواههم، ونا انتفرج عالتلفزيون، نرجا في اغنية أم كثلوم امتى اتفض، بيش نحضر السهرة، وهو باتي ايطوح سبسي ودّان كامل إلا حاجة ساهله، وما يطب هاذك السبيسي إلا قدامي، وحط يا رحيمته العباه علي وجهه، هو حط العباه علي وجهه وخيّكم ينط اتقول قط ويلقط السبسي، واللي مانش فاطنلها إن العملية كانت موجرد كمين من باتي، ثاريته ايبصكل فيّ من تحت العباه، كان امنقد عليّ إني اندخن وموش متيكّد، والا قيسّا العزوز قايلتله عالدوّة، لا جل هي كم مرة لاقية في جيوب سراويلي عقابات، نا ما حطيت السبسي في فمي زين نين حياة باتي ينفض العباه من علي وجهه ويقول لي: (كما كنت!) إي والله (كما كنت!) مو عَيْد هو كمّل عمره فالعسكرية، ويصبي ويهد علي، وهذي اتصيدك، وهذي اتخطاك، شي ابواني، وشي كالشوات، وشي روسيات، وشي كفوف، وخيكم طالق لعياطات، وينما ادهش ياخذ وينزل سير البدلة العسكرية يريد ينزل فيّ بيه، رميت علي خالي، ويا نازل مالعلة يا طايح في سلاّل القلوب، اينوض خالي ويشيلني شيل، لاعند التركينه اللي فيها العقاب، وياخذه ويبقى ايلذّع في بيه علي شواربي وخشمي، وحتى ذاني، إي والله، شور أيش ذاني؟ ما نيش عارف، قيسه إيريدني نكره بنة الدخان وطعمته، وحتى طاريّه، أهن هاللطاطيع هذين هاللي اتحقو فيهن علي ذاني راكم تحسابوهن كَيّ والا خرت، لا والله إلا من تلذيع خالي لي هاذك الليلة اللي انموت ولا ننساها، ابهاذك السبسي اللي كان آخر سبسي انحطه بين شواربي).

وكان بعض أولياء الأمور بمن فيهم المدخنون يقرونه على ما توحي به الحكاية ويؤيدونه ويدعون لأبيه ولخاله بالرحمة والمغفرة، وأول بند يناقشونه في مجلس الآباء تحت سحب دخان المدخنين منهم، هو بند آفة التدخين، ويعبق مجلسهم بتقريع أنفسهم آباء ومعلمين مدخنين، وبأسفِهم على أن لم يجدوا من يحول بينهم وبينه ولو ببتر السبابة أو الوسطى، ثم يختمون مجلسهم بأن لا هوادة مع الأولاد والتلاميذ في هذا الشأن أبداً، موصين الأستاذ يادم خاصة بأن له مطلق اليدين في العقوبة.

ولا توصي يتيماً ببكاء، فالأستاذ يادم بغير حاجة إلى أن يوصيه أحد، والحق يقال فإنه قد قضى على دابر الدخان في المدرسة، حتى ولو كان علبة علكة أو شوكولاطة على شكل سجائر تباع في المقصف المدرسي، كما كانت له أعمال جبارة في هذا الشأن، منها قيادة حملات على أعقاب السجائر على حواف الطرقات العامة والأرصفة في سوق القرية، وإقناع خطيب الجمعة مرات ومرات لتناول آفة التدخين.

ومما يروى من قصص على شدة حرصه، في تتبع المدخنين أنه ذات يوم من أيام أول الأعوام الدراسية، كانت قد وصلت على ظهر فيات شاحنة بالجرار حمولة / طلبية مقاعد دراسية، انهمك التلاميذ في إنزالها تحت إشراف الأستاذ يادم، الذي لم يلهه العمل عن همه الأول: مكافحة الدخان، حيث تمكن من شم رائحة دخان غريب، ما هو بدخان أي من أفراد طاقم المدرسة، فاستطلع المكان، فعثر على ولد قاعدٍ متكئاً على عجلة الشاحنة يدخن، فجثم عليه، وصاح ببعض التلاميذ فأمكنوه منه في محله، وشرع في إنزال الفلقة به، ولم يكن الولد سوى الأوتانتي / مساعد سائق الشاحنة.

 _________________________________

* ملاحظة كل الأخطاء في الأسطر باللهجة الليبية مقصودة.

مقالات ذات علاقة

أسطورة الأساطير !!

الصديق بودوارة

يعيش الحاكم…تعيش الحكومة

إبراهيم حميدان

أخطر أسراري

عائشة إبراهيم

اترك تعليق