الغناء الشعبي
تراث

خُوتَام رُوسْ خْمَاسَة

فسانيا

 محمود السالمي

فى كثير من الأحيان ، يحدث ونحن نطالع عبارات الأغنية الشعبية فى مناطق الجنوب وفى واحاته ( خاصة الجفرة ) وجود مفردات ذات صلة وثيقة باللغة العربية الفصحى فنستغرب كيف يمكن لمن لم يدرس اللغة على أصولها كيف يقدر أن يطوع الفصحى لتتلاءم مع متطلبات الشعر الشعبي أو الأغنية فيعجز دارس الفصحى عن ذلك خذ مثلا على ذلك كلمة ( العيون ) التي استخدمها شعراء الفصحى بشكل كبير وفي قصائد لاتعد ولا تحصى نجد أن لها مفردات ومسميات عديدة وكل مسمى يحدد للعين شكلاً ومضموناً يختلف عن الآخر فهم يقولون ( العين السودا ) وهي معروفة ( والعين المذبالة ) أي ذات النظرة الناعسة و ( العين الواسعة أو الكبيرة ) أي شديدة الاتساع وشديدة الاسوداد و غيرها من التعابير ..

حول موضوع العين اخترت مقطوعة من الفن الذي يُغنَّى في بَلدات سوكنة وهون وودان ، تغنى في الأفراح مع الطبل ولا نعرف اسم الشاعر الذي قالها فهي من الفن الشعبي القديم الذي أصبح متناقلاً على ألسنة المغنين يقول مطلعها : عيون سود في مولى الخدود نقية مشارب غدارة تاو شبن فيا.. شاعر هذه الأغنية يحشد في مطلعها عدداً من الأصناف التي تتناسب مع المرأة قيلت فيها ويبدأ من العيون التي يشير إلى أنها سوداء وصاحبة هذه العيون ذات خدود وبشرة نقية صافية وهو يشبهها ب ( مشارب غدّارة ) أي كأنها حربة بندقية أو مثل فوهة السبطانة لسلاح ( الغدّارة بريتا ) وهي سلاح إيطالي الصنع معروف ، وقوله ( تاو شبّن فيّا ) حدد فيه أن اللحظة التي صادف فيها الشاعر هذه العيون أحس بأنهن قد أنشبْن حرابهن فيه .. ثم يقول : عيون سود في اللّي قصته محرودة نظيف العضا بو عين تكوى سودا إن كان نارهم كيف نارنا ميقودة هيه يا شقا اللي يحجروا في الغيّة. فهذه العيون السوداء صاحبتها امرأة تتزين ب( القُصْة ) وهي خصلة من الشعر في مقدمة الرأس تفرد على الجبهة من الأمام كانت تهتم بها المرأة كثيرا لأنها من تمام الزينة بالنسبة للمرأة الليبية وقوله ( في اللي قصته محرودة ) أي أنها محددة بشكل جميل ودقيق يتناسب والغرض الذي وضعت لأجله ، ثم ( نظيف العضا بو عين تكوى سودا ) فهذه المرأة كما يراها شاعر الأغنية جميلة الملامح بضة الأعضاء نظيفة المظهر ولعينيها السوداء وقع الكيّ في الفؤاد ، ثم يضع سؤالا تقريرياً ( إن كان نارهم كيف نارنا ميقودة ) أي إذا كانت هذه المرأة ذات العيون المكحولة تحس بما يحس به شاعر هذه الأغنية من نصب وتعب شبهه بالنار المشتعلة الموقدة ( هيه يا شقا اللي يحجروا في الغيّة ) كلمة ( هيه ) تستعمل للنداء في الفصحى والعامية وقصد بها في هذه الأغنية التنبيه على أن الذين يحاولون منع وجحر الأحباب والعشاق من الوصول إلى مرادهم سوف يشقون وسيلقون نصباً فيما يريدون ( والغية ) هنا تعني الحب وهو الغاية والمراد . ثم : عيون سود في اللي حجروني ناسه نظيف العضا خوتام روس خماسة ورا خالتي ما ينفعوا العساسة الخانب خنب سلطان يا مدعية. يشير الشاعر في هذا البيت إلى أن صاحبة العيون هي نفس المرأة التي منعني أهلها عنها ( في اللي حجروني ناسه ) فمن عادة أهل المحبوبة أن يمنعوها عمن تحب إذا اشتهرت قصة حبهما وهي عادة عربية قديمة لازالت دارجة في الواحات ، ثم يقول : ( نظيف العضا خوتام روس خماسة ) فيعود في هذه العبارة إلى وصف المحبوبة فيرى أنها ذات بشرة صافية وأعضاء ممتلئة وجسم متناسق وعبارة ( خوتام روس خماسة ) تشير إلى أن هذه المرأة الموصوفة بيضاء البشرة حلوة اليدين فهي تستعمل الحناء في تزيين رؤوس أصابعها .. والحناء حينما تأتي بشكل دوائر تلف رؤوس الأصابع وتصبغ الأظافر وتكون إما حمراء أو سوداء تعطي جمالاً رائعاً للفتاة . في الشطر الثاني تكون البداية بقوله ( ورا خالتي ما ينفعوا العساسه ) إذ يصر شاعر الأغنية على تأكيد أن الحواجز التي يضعها أهلها لن تفيد ولن تنفع سواء أكانت بالمنع أو بوضع المراقبين الذين يعملون عمل ( العساسة ) ويقصد بها الحراس فالسارق حينما يريد أن يسرق فإنه قادر على سرقة حتى السلطان رغم ما هو عليه من المنعة والجاه هو ما أفادته عبارة ( الخانب خنب سلطان يا مدعية ) ( الخانب ) في العامية تعني السارق . وفي بيت آخر نراه ينشد : عيون سود في اللي صيتها متعلي قمر زارقة تاو السحاب مجلّى هني بال من يضبح عليك وتحلي اتجي حافلة بالجرد والشامية. هذا البيت يرى فيه الشاعر أن الفتاة التي أحبها ذات العيون السود هي ذات صيتٍ عالٍ ومعروفة الحسب والنسب يزيدها جمالها شهرة وذكرا فهي كالقمر البازغ بين سحاب تجلّى ليزيد من جمال القمر ( قمر زارقة تاو السحاب مجلّى ) وهو يرى أن من ستكون هذه الفتاة زوجته سيعيش هانئ البال رضيا ، خاصة حينما يناديها فتأتي وهي مرتدية الزي الشعبي الذي يظهر جمال فتيات الواحة وقد خص من الأزياء الشعبية ( الجرد والشامية ) فالجرد معروف أما الشامية فهي لباس من الحرير ترتديه النساء . وقديماً قال شعار العرب : خليلي ما أحلى الهوى وأمره.. وأعرفني بالحلو منه وبالمر. أو قوله : عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري.

مقالات ذات علاقة

محاورة بين العقـل والعين

المشرف العام

لا تخطموا

جمعة الفاخري

«الطوير الأخضر».. «سندريلا» التراث الليبي

أسماء بن سعيد

اترك تعليق