من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
قصة

خَــرْبَشَـــاتٌ صِبْيَـانِــيَّةٌ

Fathia_Jeroshi (8)

مُنهَمِكَةٌ طيلة وَقْتِهَا بِالنَّظَرِ فِي مِرْآتِهَا الصَّغِيرَةِ ، حَقِيبَتُهَا الرَّمَادِيَّةُ الجَدِيدَةُ تَنُوءُ بِمَا تَحْمِلُ مِنْ مُعِدَّاتِ تَجْمِيلٍ حَشَرَتْهَا فِي دَاخِلِهَا بِشَكْلٍ عَشْوَائِي، الفَصْلُ فِي حَالَةٍ يُرْثَى لَهَا، مَقْلُوباً رَأْساً عَلَى عَقِبٍ، الصِّغَارُ يَتَرَاشَقُونَ بِبَـــــقَايَا الوَرَقِ المُـــمَزَّقِ وقُشُورِ البُرْتُقَالِ ،وَيُدَبِّرُونَ الحِيَلَ المَاكِرَةَ لِبَعْضِهِمْ ، السُّبُّورَةُ تَتَسَوَّلُ مِنْ قِطْعَةِ الطَّبَاشِيرِ وَلَوْ حَرْفاً وَاحِداً تَخُــطُّهُ عَلَيْهَا، كُلَّــــمَا ارْتَفَــعَ ضَـجِيجُ الصِّغَارِ فِي الفَصْلِ بَادَرَتِ المُعَلِّمَةُ بِتَلَمُّسِ عَصَا الخَيْزُرَانِ وَضَرْبِهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ بِقُــوَّةٍ لِتُثـِــــــيرَ الخَــوْفَ فِي نُفُـوسِـــهِمْ ، فَيَـــسُـودُ الصَّمْتُ لِبُرْهَةٍ ، ثُمَّ تَعُودُ الضَّجَّةُ مِنْ جَدِيدٍ لِتُدَوِّي فِي المَكَانِ ، وَتَعُودُ المُعَلِّمَةُ لِمِرْآتِهَا وَأَدَوَاتِ تَجْمِــــيلِهَا ، تُخْرِجُ أَحْمَرَ الشِّفِـاهِ الذِي أَهْدَاهُ لَهَا خَطِيبُهَا وَتُمَرِّرُهُ عَلَى شَفَتَيْهَا بِسُرْعَةٍ ، تَكْتَحِلُ ، وَتُمْشِطُ شَعْرَهَا ، تَنْظُرُ فِي المِرْآةِ ، يَرْتَفِــــعُ صَخَبُ الصِّغَارِ مِنْ جَدِيدٍ ، تَتَذَكَّرُ هِيَ جَدْوَلَ الضَّرْبِ ، فَتَأْمُرُهُمْ بِتِرْدِيدِهِ مَعَ بَعْضِهُمُ البَعْض ، يُطْلِقُ الصِّغَارُ العَنَانَ لأَحْبــَــــالِهِمُ الصَّوْتِيَّةِ ، وَيَبْدَؤُونَ بِالتَّرْدِيـدِ بِصَــوْتٍ وَاحِــدٍ ، دُونَ تَوَقُّـفٍ : (واحد في الواحد بواحــد .. واحـد في الاثنين باثنين .. واحد في الثلاثة بثلاثة..).

تَنـْـتَشِي المُـعَلِّمَةُ فَرَحـاً، تَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهَا فِي المِرْآةِ ، ثُمَّ تَأْخُذُ عَصَا الخَيْزُرَانِ ، مُيَمِّمَةً بِوَجْهِهَا صَوْبَ بَابِ الفَصْلِ ، لِتَخْرُجَ مِنْهُ بِسُرْعَةٍ ، وَتَدْخُلَ كَالْعـَـادَةِ دُونَ أَيِّ مُقَدِّمَاتٍ فِي الحِوَارِ السَّاخِنِ الذِي كَانَ دَائِراً أمَامَ الفَصْلِ المُجَــاوِرِ بَيْنَ بَعْـضِ المُعَلِّمَــاتِ ، لَيـْــسَ ثـَــمَّةَ خُطُــوطٌ حـَـمْرَاءُ ، أوْ أَدَوَاتِ اسْتِثْنَاءٍ ، أَوْ حَتَّى قَوَاعِدُ مُعَيَّنَةٌ تَسِيرُ عَلَيْهَا أَوْ تَتَوَقَفُ عِنْدَهَا تِلْكَ الهَدْرَزَةُ النِّسَائِيَّةُ الرَّائِقَةُ ، الَّتِي تَمْــضِي دُونَ تَرَدُّدٍ كَتَدَفُّقِ مِيَاهِ شَلاَّلٍ هَادِرٍ إِلَى مَصَبَّهَا ، فَتَـــمُرُّ بِأِطَــــايِبِ الأَكَلاَتِ اللَّذِيذَةِ ، إلى آخِرِ صَيْحَاتِ الموضَةِ فِي الألبِسَةِ وَالمـُـجَــوْهَــرَاتِ ، وَلاَ تَتَوَقَّفُ عِندَ تَفَاصِيلِ العِلاَقَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ بِزَوَاجِ هَذِهِ ، أَوْ طَلاَقِ تِلْك ، تَتَوَسَّعُ دَائِرَةُ الحِوَارِ، يترُكُ الصـِّـــــغَارُ جَــــــدْولَ الضَّرْبِ ، وَيَعُودُونَ لِشَقَاوَتِهِمْ ، يعبثُونَ بحقيبة المُعَلِّمَةِ، أحمرُ الشفـاه، كريمُ تفتيحِ البَشْرَةِ، مِشْطُ العَاجِ، كُلُّهَا أضحت بين يدي الصَّغَارِ أُلْعُوبَةً، كَمَنْ يُوَاجِهُ مَصِيرَهُ المَحْتُومَ وَيَقِفُ مَكْتُوفَ اليَدَيْنِ، لَوَّنُواْ وُجُوهَهُمْ وَأيْدِيـــهِمْ، وَرَسـَـمُواْ بِخَــرْبَشَـــاتِهِمْ عَلَى جِدَارِ الفَصْلِ لَوْحَاتٍ صِبْيَانِيَّةٍ مُزَرْكَشَةٍ بِفِـوْضَى الأَلْوَانِ الفَاقِعَةِ، تَوَقَّفُواْ بُرْهَةً، خَطَرَتْ لَهُمْ فِكْرَةً، بَدَتْ لِبَعْضِهِمْ غَيْرَ رائقةٍ لأوَّلٍ وَهْلَةٍ، تَرَدَّدُواْ، نَظَرَ بَعْضُــــهُمْ إلى بَعْـــضٍ، دُهِــــشُواْ لِمَا بَــدَا عَلَيْهِ فَصْلُهُمْ، سَيْطَرَ الصَّمْتُ عَلَى المَكَانِ، بـَــدَأَ الخَـوْفُ يَدُبُّ فِي أوصَالِهِمْ، احتبست دمُوعُهُمْ فِي مَآقِيهِمْ، لَمْلَمَ بَعْضُهُمْ شَتـَـــاتَ الشَّجَاعَةِ الضَّائِعَةِ، ثمُّ لَمْ يَلْبَثُواْ فِي تَنْفِيذِ حِيلَتِهِمْ المَاكِرَةِ لِلإِيقَاعِ بِمُعَلِّمَتِهِمْ فِي شَرَكِهَا، أخذُواْ أمَاكِنَهُمْ، حَبَسُواْ أنفَاسَهُمْ، تَأَهَّبَ أحَدُهُمْ للتَنْفِيذِ، بَحَثَ عَنْ شَيْءٍ صُلْبٍ يُنْجِزُ بِهِ عَمَــلَهُ، عَثَرَ أَخِيراً عَلى قِطْعَةِ حَدِيدٍ مِنْ مقعَدٍ مَكْسُورٍ، أَمْسَكَهَا بيَدٍ مُرْتَعِشَةٍ، ودُونَ سَابِقِ إنذارٍ، رَمَى بِهَا عَلَى النَّافِذَةِ اليُمْنَى بِكُــلِّ قُــوَّتِهِ، تَهَشَّمَ زُجَاجُ النَّافِذَةِ سَرِيعاً، مُحْدِثاً ضَجَّةً رَهِيبَةً، فَزِعَتِ المُعَلَّمَةُ المِسْـــكِينَةُ، وَأَتَـتْ بِخُطْوَاتٍ مُتَلاَحِقَةٍ، لَكِنَّ خُطُوَاتِ نَاظِرِ المَدْرَسَةِ كَانَتْ أَسْرَعَ، فَوَصَلَ إِلَى الفَصْلِ لِيَنْظُرَ مَا الذِي حَدَثَ، تَعَثَّرتْ قَدَمَاهُ بِالحَــبْلِ الذِي كَانَ مَرْبُوطاً أَسْفَلَ البّابِ، وَوَقَعَ خَـارّاً عَلَى وَجْهِهِ، وَسَطَ ذهُــول الصِّبْيَةِ الأشقِيَاءِ، فَالأَمْرُ لَمْ يَكُنْ مُتَوَقَّعاً بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ ، دَخَلَتِ المُعَلِّمَةُ الفَصَلَ، رَمَقَــتْ تَلاَمِيذَهَا بِنَظْرَةٍ عَابِرَةٍ، ثُمَّ أخَذَتْ حَقِيبَتَهَا الرَّمَادِيَّةَ التِي لَمْ تعُدْ جَدِيدَةً، وَخَرَجَتْ مُسْرِعَةً، وَقَدْ عَقَدَتِ العَزْمَ عَلَى ألاَّ تعُودَ إلى هَـذَا الفَصْلِ مـِنْ جَـدِيدٍ.

مقالات ذات علاقة

الْمنْجَل

أحمد يوسف عقيلة

فـزعُ الكوابيس

خالد السحاتي

الصاحب!

عبدالله الماي

اترك تعليق