قصة

خيّـوس*.. !!

>

1ـ (البرّ):

لم يكن لدي ما افعله وانا في إنتظار محامية محلية من الجزيرة لإنجاز معاملة ما.

القهوة الأولى في الـ “ريميتزو” (حيث اعتدنا ان نلتقي كلما جئت إلى الجزيرة). القهوة غالية هنا الى حد ما. ولكنني كنت اشعر بنوع من الارتخاء وعدم الرغبة في الذهاب الى محل آخر.

لم تحضر.. ولا غرابة في ذلك، هكذا هم دائما قبائل المحامين والأطباء وقطعان التكنوقراط.

بعد ساعة مللت..

مللت المكان..

مللت رواية ريتشارد برايذر البوليسية البائتة ـ منذ بداية الخمسينيات ـ Everybody had a gun. مللت الوجوه التي كانت تحيط بي ولغطها. اخذت حقيبتي واتجهت الى محل الـ (غوديز)، على الجانب الآخر من الميناء.

القهوة هنا رخيصة لأنه محل خدمة ذاتية. في إنتظار قهوتي تمشيت في صالة المحل، عند الجدار الزجاجي توقفت احدق في البحر والساحل التركي. استدرت يسارا. في الجانب الخلفي والخفي من المحل، كانت تجلس سيدة سمينة امامها عدة صحون. كانت ـ كما يبدوـ قد خبأت ذاتها ورغباتها في تلك الزاوية السرية عن اعين هؤلاء القرويين الفضوليين، وجلست تمارس هوايتها التي كان من الواضح انها تتقنها تماما.

التقت نظراتنا للحظة، وشعرت بما احسّت به هي في تلك اللحظة. إنه يشبه ان تفتح باب مرحاض غير مقفل من الداخل، فتفاجأ بوجود احد ما هناك وسراويله على ركبتيه.

استدرت على الفور وعدت الى زاوية إعداد القهوة، وأنا اشعر بأنني قد اقتحمت لتوي حياة شديدة الخصوصية، لم يكن من حقي بشكل مطلق حتى مجرد التحديق فيها من ثقب الباب.

اخذت قهوتي، وجلست في الخارج، على الرصيف المقابل للماء.

البشر يمرون دونما انقطاع.

دونما انقطاع.. !؟

ياله من فيلم.. !!؟

ـ بالألوان ـ قلت في داخلي ـ وشرعت في تخيل البشر منذ ظهورهم على ظهر هذه الجزيرة. يمرون.. ويمرون.. ويمرون دون اي توقف ولا انقطاع في الإرسال.

بشر بشعور طويلة يربطون في وسطهم جلد حيوان ما، وتتدلى من اعناقهم قلائد بها اسنان دببة منقرضة.. ويسكنون كهوف الجزيرة ووديانها ومغاراتها.

بشر بملابس من الصوف وقد حلقوا شعورهم نوعا ما. تختلف لديهم ملابس الرجال عن ملابس النساء. يمرون دونما انقطاع على الطريق التي قاموا بتسويتها على امتداد الشاطئ، وبضعة بيوت طينية مقابل الموج.

بعضهم يصطاد السمك.. بعضهم قام بوضع سلع مختلفة امامه على مصطبة ما. يتوقف عنده البعض، يبادلونه سلعه بقواقع البحر.

* * *

بشر.. يمرون.. ويمرون.. ويمرون.

محاربون

بحارة

جوالون

مخربون

صيّع

مهرجون

مصلحون

ارهابيون

تجار

معلمون بأجر وبدون أجر

سفاسطة وبروتاغوريون

فلاسفة

ثوريون.. القليل منهم حقيقيون

اغلبهم مزورون

فيثاغوريون وغنوصيون

رواة اساطير

سيدات من مختلف الأعمار والمهن والأماكن والطبقات

مهاجرون ولاجئون هربوا من اوطانهم او هربت هي منهم

ثم تسربت من بين اصابعهم نحو مجرور التاريخ

هاربون من الهروب وفاقدون للفقد

مغنيات.. وراقصات.. وساحرات.. وعرافات

كاهنات وبائعات هوى وبائعو ريح للمراكب

مرتزقة

بعد ان ظهرت مهنة الارتزاق.. وترفض ان تختفي مثل وباء لا علاج له.

كتاب.. مغنون.. شعراء.. مرتزقون.. كلهم. لا فرق بينهم. نفس الوجوه، نفس الاشكال، نفس الكلام المثير للتقزز والقيء.

* * *

خليط من البشر لا بداية له ولا نهاية.

المشهد يتغير على نحو مستمر. ولكن ببطء بحيث لا يمكنك ملاحظته، إلا إذا كان بإمكانك البقاء على سطح الأرض لعشرة أجيال متتابعة على الأقل.

تدريجيا.. تظهر بيوت من الحجر، من الاسمنت. طرق من الاسفلت. يخلع المارون ارديتهم الصوفية والقطنية الفضفاضة. يحلقون وجوههم ورؤوسهم، ويلبسون بذلات مفصلة على حجم اجسامهم بالضبط.. دون زيادة ولا نقصان. بعضهم تتدلى من اعناقهم اربطة عنق ملونة. يحملون في جيوبهم بطاقات شخصية، وبطاقات إئتمان، وجوازات سفر، ووثائق أخرى لا حد لها.

النساء غيرن ملابسهن ايضا.. اصبحت الوانها اكثر تعددا. انخفض عنق اللباس حتى منتصف الصدر تقريبا. فيما ارتفع الجزء الأسفل منه إلى ما فوق الركبة بمسافة كافية.

ومع ذلك..

ما انفكوا يمرون

ويمرون

ويمرون.. دونما إنقطاع

سيتغير المشهد بالتأكيد بعد حين، ولكنك لن تكون هنا لمشاهدته.. قلت..!!

* * *

يمرون..

وأمرّ معهم.. اخرج من ذاتي لكي اراني امرّ من بعيد.. على مسافة زمنية كافية من التاريخ. اعبر نحو الجانب الآخر.. نحو القلعة التركية القديمة، وأعبر ممراتها المسقوفة على هيئة نصف دائرة، وأرى جنود السلطان (الميت الحي) يمرون عبر تلك الممرات بطرابيشهم الداكنة الحمرة، بحميرهم وبغالهم وعرباتهم ويطغاناتهم (1) وخناجرهم وبنادقهم العصماللية ومؤامراتهم وبقية حقاراتهم.

اصل إلى نهاية الممر

التفت.. فأرى بإنهم قد اختفوا حتى آخر واحد منهم في رمشة عين واحدة مقدارها عدة قرون. بشاويشهم وصدرهم الأعظم وسلطانهم.

* * *

بعضهم كان يشرب لأنه يخاف دوار البحر.. بعضهم يشرب لأنه يخاف أن يخاف منه البحر عندما يكون صاحيا فيضطرب، وهو لا يريد ان يدوخ.

* * *

في رحلة العودة، كان القمر معلقا على بعد نصف شبر من الأفق المائي. تذكرت اغنية القمر الأحمر للمغربي عبد الهادي بالخياط. وتذكرت انني كنت اعتقد بأنها اغنية غاية في الجمال.

لو سمعتها الآن لأغلقت الراديو على الفور دون ابداء الأسباب.

وبدا لي كما لو أن القمر كان معلقا بخيط غير مرئي فوق سطح الغمر.. وأن إنقطاع الخيط سوف يجعله يسقط في الماء.

صرفت النظر..

واخرجت مجلة للكلمات المتقاطعة لقتل الوقت الذي يرفض ان يموت، رغم ان احدا لا يعرف مقدار عمره ولا يذكر تاريخ ميلاده.

بعد لحظتين اثنتين.. فقط.. قلت في نفسي:

ـ هل اترك هذا الفيلم الذي يعرض منذ الأزل يمر، لكي اشتغل على مثل هذه التفاهات.

رميت المجلة لأول موجة عابرة. وتفرجت على القمر والماء. تركيبة عجيبة.. مع رصيف طويل من الضوء يصل بين القمر ومروحة السفينة. ومع مساحات مائية متلآلئة بين الفينة والأخرى مثل حقول مزروعة بالنور.

ـ ها.. !! الحقول المغناطيسية. وبدا لي آندريه بريتون وهو يخرج رأسه من الماء، ثم يطلع لي لسانه ساخرا.

مللت من كل هذه الخيالات.. استعدت مجلة الكلمات المتقاطعة من الموج بعد الإعتذار له عن الخطأ غير المقصود. غرقت في تفاصيلها التافهة المملة لمدة نصف ساعة، وعندما رفعت رأسي كان القمر قد اختفى.

ـ هع.. !! لا بد ان الخيط قد انقطع، وغرق القمر.. !!

ولا اخفيك انني احسست بالشماتة.. شماتة في القمر الذي ما انفك يتعالى على البشر حتى حولوه إلى رمز مزيف للعشق.

في تلك اللحظة.. كان الأفق يطفح بالكآبة والماء والملح.

* * *

2ـ (الماء):

تائهون على اطواف من جذوع الشجر، يصلون إلى الجزيرة.. يستقرون.. يؤسسون تجمعات شبه بشرية الى جانب تجمعات باقي القردة العليا والحيوانات الأقل علوا.

يخترعون شباك صيد السمك، وفخاخ صيد الحيوانات البرية.

تتحول الأطواف إلى مراكب.. تمر بهم السفينة آرغو (2) التي يقودها ياسون وبحارته في طريقهم إلى (ايا) على شواطئ البحر الأسود، لسرقة الجزة الذهبية، وأخذ ابنة الملك الساحرة (ميذيا) التي قتلت اولادها حزنا على ياسون. تجمعوا حول السفينة يتلمسونها بأصابعهم المبللة بالماء والملح واليأس، والدهشة تفيض من عيونهم البدائية.

ومنذ ذلك اليوم الموغل في القدم، تعلموا ان يطوروا اطوافهم، وأن يحولوها إلى مراكب حقيقية. ثم لم تلبث ان ظهرت على سطح الملح مراكب كثيرة ذات اشرعة وحبال والواح. اصبح التنقل بين الجزيرة وغيرها من الجزر المجاورة وسواحل آسيا الصغرى اكثر سهولة.

اصبح الصيد اكثر يسرا..

ملأ السمك الأسواق حتى تعفن.. وتعفن البشر بعد ان تعلموا (فن) التجارة. ليس في السمك فقط.. في كل شيء.

تجمعت القطط الجائعة حول السمك والتجارة لكي تشبع وتسمن.

وصل الآخائيون بسفنهم واسلحتهم ودروعهم واخيلياسهم (3) لاجتياح طروادة.

إنقطاع في أرسال التاريخ..

دعاية تجارية..

دعاية سياسية..

تشويش في شاشة البحر..

عودة الإرسال..

الصورة بالألوان هذه المرة. حيث يظهر ميناء مرصوف بالحجارة والاسمنت. وسفن كبيرة.. كبيرة (كالأعلام)، ينبعث من اعلاها الدخان. تجيء وتذهب دونما توقف.

تتقيأ مئات البشر عند كل وصول، وتبتلع طوابير المنتظرين على الرصيف قبيل كل إقلاع. بحيث لا يمكنك التفريق بين من يصل ومن يغادر. مثلما يحدث في حياتك اليومية بالضبط.

اجر حقيبتي ذات العجلات على الرصيف الحجري. سائق تاكسي يعتقد انني وصلت لتوي يقول لي:

ـ هي تريد تاكسي..؟

ـ لا.. اريد سفينة.. هل لديك واحدة..؟

ثم اختفي في بطن القيطس الحديدي.

ليزفوس ـ اكتوبر 2010

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* خيوس جزيرة في بحر إيجة جنوب ليزفوس وعلى بعد ثلاث ساعات منها بالسفينة.. وعلى مقربة من الساحل التركي. بحيث انه يمكنك رؤية جنود السلطان ومخبريه وقواديه وداعريه ـ مع سلطانهم ـ وهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.

1ـ اليطغان.. سيف تركي معقوف.

2ـ السفينة التي ابحر على متنها ياسون ورفاقه لجلب الجزة الذهبية من كولخيذا، والتي قام بصنعها صانع السفن الماهر آرغوس بن فريكسوس، فحملت اسمه.

3ـ آخيلياس ابن بيلياس ملك فثيّا.. احد ابطال ملحمة الالياذة الاسطورية.

مقالات ذات علاقة

جريدة أمادو

المشرف العام

بَيْنَ الحُبِّ و الـحُبْ

محمد النعاس

قرش أسود / يوم أسود

محمد المسلاتي

اترك تعليق