من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
قصة

خيوس..

.

3ـ الضباب

شيئان لا تجوز الإستهانة بهما أبدا.. العشق والموت..

أغنية شعبية من جزيرة ليمنوس (شمال إيجة)

عندما تكون غاطسا في إيجة، لا خيار لك إلا أن تكون غارقا فيه حتى شحمتي إذنيك او أعلى قليلا.. ولا مجال للتحديق نحو أية آفاق إفتراضية أخرى. لأن ذلك لا يقود نحو أي أفق. لأنه بحر آفاقه محدودة بقدر ما هي فسيحة.

اصعد إلى السفينة واستلقى على اول كرسى على السطح، كان احدهم قد كتب على طاولة البلاستيك “عيناك نار وقلبي ثلج، وكل نظرة منك تذيب منه قطعة”.

ـ يا ساتر.. !!

واخرجت كتابا عله ينسني جدل الثلج والنار هذا

* * *

بعد نصف ساعة مللت الكتاب، وشرعت أضيّع الوقت في إنتظار الوصول بلعبتي الباسيينزا والفري سِل على جهاز الكمبيوتر الصغير الذي أحمله. يقترب مني رجل طويل اشقر ويوجه إلى باليونانية سؤالا لا أذكره الآن، يونانيته تدل على أنه من مكان آخر. من شمال القارة دون شك. فأرد عليه بالإنغليزية:

ـ أنت لست يونانيا.. اليس كذلك.. ؟!

ـ لا.. وأنت..؟

ـ ولا أنا.

ـ يان.. من الدانمارك.. وأنت.. ؟!

أفصحت له عن إسمي.. فقال:

ـ هذا الإسم يبدو لي منتزعا من العهد القديم.

ـ دعك من إسمي.. فأنا شخصيا لا اعرف إلى أي عهد أنتمي.. ولا اعرف من اي عهد تم إنتزاعي، ومن الذي انتزعني، أو ما إذا كنت أنتمي إلى أي عهد.

ـ إنهم مجانين.. قراصنة ـ يقول غاضبا ـ زجاجة البيرة على ظهر السفينة بثلاثة يورو ونصف.

اعزمه علبة بيرة.. لتهدئة غضبه وأقول له:

ـ نعم.. في المرة القادمة تشتريها من البرّ وتحملها على ظهرك..

جلس لكي يشرب بيرته ويهدئ أعصابه، وتحدثنا عن كيركغورد واسبينوزا وصناعة النظارات وتقطير الكحول والمقاهي التي تبيع الماروانا في امستردام والأزمة الإقتصادية في اوربا. قال لي بأنه يدرّس اليونانية الحديثة في كوبنهاغن، كما قال أن زوجته تستلقي مريضة في الكابينة، لأنها لا تستطيع المشي، أعطية علبة أخرى لزوجته التي لم التق بها متمنيا لها الشفاء. يغيب فترة، ثم يظهر قبل أن ترسو السفينة على الرصيف.

ـ سأعزمك بيرة في محل يملكه يوناني اعرفه.

ـ يان.. أنا متعب وأريد أن أذهب لأرتاح.. إذا كان باستطاعتي ذلك

ـ لن تذهب قبل أن ترافقني. عند مخرج السفينة يسأل الموظف الواقف عند المدخل.. كم ستظل السفينة متوقفة..؟

ـ نصف ساعة..

ـ هيا ـ يقول لي ـ هذا وقت كاف.

على الرصيف المقابل وعلى بعد دقيقتين فقط ـ لأن المسافات مضغوطة ومركزة هنا مثل حليب (البيبي لاك) إذا ما زال أحد يذكره ـ كان ثمة مطعم يجلس أمامه عدة رجال، وقف الدانماركي وسلم على أحدهم بحرارة من يعرفه معرفة حميمية، بل ووجه إليه بعض الشتائم والكلمات البذيئة باليونانية.

ـ هيا.. هات لي زجاجة اوزو صغيرة، وبيرة لصاحبي اليهودي هذا. أو إبن عمك.. ألست أنت يهوديا ايضا.. كان قد بدأ يخلط بين الهويات مثلما يخلط بين الأوزو والبيرة، أو ربما بسبب ذلك الخلط. كان قد قال لي على ظهر السفينة بأنه يكره اسرائيل. فقلت له بأنني لا أكره أحدا بالتحديد، ولأنني اكره فقط العنف والظلم من أي مكان جاءا، وبنفس القدر.

ـ كيف حال زوجتك ـ قال لليوناني صاحب المحل

ـ أية واحدة منهما..

ـ هل تزوجت مرة أخرى

ـ نعم.. لقد انفصلت عن الأولى

ـ لا استغرب ذلك، رجل في وسامتك باستطاعته الزواج كل عام

ـ لأنني لست مثلك.. أورط نفسي مرة واحدة دون مخرج للطوارئ و لا طوق للنجاة.. وأنت أين زوجتك.. لِم لم تأت معك.. ؟!

ـ هل أنا مجنون حتى آتي بزوجتي إلى رجل وسيم مثلك .. ربما عدت إلى كوبنهاغن غدا لوحدي.

واستمر المزاح لبعض الوقت.. والدانماركي لا يتوقف عن مشاكسة صاحب المحل اليوناني.

ـ هيا.. يان.. ستفقد السفينة وستذهب إلى كوبنهاغن ماشيا على الماء ـ أقول له ـ لأذكره بالنكتة التي رويتها له على ظهر السفينة، والتي تتحدث عن سبب مشي المسيح على الماء.(1)

ـ لن يفقد السفينة فقط، بل سيفقد زوجته ايضا ـ قال صاحب المحل.

ـ لا تقلق.. إنها تعرف البيت.

ـ حسنا.. هيا بنا.. قال لي بعد برهة وهو يضع حقيبته على ظهره، ويفرغ آخر قطرات زجاجة الأوزو في جوفة

ـ ولكننا لم ندفع الحساب

ـ أنا لن ادفع هنا لهذا الفلاح.. فأنا آتي طوال الصيف إلى هذا المحل، ماذا يعني إذا شربنا عنده بيرة وزجاجة اوزو صغيرة مجانا هذه الليلة.

ـ حسنا.. سأدفع أنا إذن.

ـ لن تدفع شيئا.. فأنا الذي دعوتك.. وأنا لا اريد ان ادفع.. ولذلك فأنت لست مطالبا بأن تدفع.. بل إنني أمنعك من ذلك.. دعه يفعل ما يشاء.

راقبنا اليوناني بهدوء كامل ونحن ننصرف، وقبل ان نعبر الطريق نحو الرصيف المقابل، التفت الدانماركي وقال له:

ـ ربما أدفع لك في مايو القادم، عندما أمرّ من هنا.

هز اليوناني رأسه ورفع يده مودعا كأن الأمر لا يعنيه، ثم استدار نحو الداخل.

عند مدخل السفينة أخرج علبة سباسي صغيرة وأعطاني واحدة.

ـ خذ هذه للطريق.. لكي تتذكرني

ـ السيجارة تذكار قصير الأجل ـ قلت له ـ ففور أن تلقي بعقبها على الرصيف تنتهي الذكرى..!!

ـ هيا دعك من الفلسفة.. خذ السيغارة ودعني الحق بالمركب

كانت سيغارة سوداء طويلة اراها للمرة الأولى، طلبت منه ان أرى العلبة.. كان مكتوبا عليها ـ باستثناء عبارة التدخين يقتل ـ “خمسة سباسي.. أربعة يورو”.

ـ ما هذا.. خمسة سباسي فقط بأربعة يورو.. .؟!

ـ لأنه تبغ ممتاز.. إنها سجائر مغطوسة في البراندي يا رجل.

ـ ولكنك فور ان تشعلها يطير البراندي.. اليس كذلك.. يتبخر.. !!

ـ لا يهم.. هي غالية بعض الشيء ولكن تعجبني رائحتها

ـ بون فواياج ـ اقول له

تمايل بعض الشيء مع حركة السفينة التي لم تلبث ان إبتلعته.

وقفت على الرصيف حتى دارت المروحة وبدأت السفينة في التحرك خارجة من الميناء

وانهمر المطر..

* * *

الجزيرة مثل فقاعة صابون رمادية تطفو على سطح اليمّ. لم يكن الجو باردا، بقدر ما كان هناك شعور باللزوجة يموج عبر الرصيف الممتد على طول دائرة الميناء. أتحرك متحللا إلى عناصري الطبيعية الهيولية الأولى. الرطوبة لا تطاق، خاصة إذا اضفت إليها ذلك الإحساس اللزج الذي يتبعك ويلتصق بك اينما توجهت مثل كابوس. إختفى المزدحمون طوال الصيف على الرصيف المحشو بالبارات والمقاهي. أولئك الذين كانوا يضطرونك في المساء إلى السير على الرصيف المقابل المحاذي للموج والاسماك. إختفى الرحّل الذين يجرون حقائب بداوتهم ذات العجلات، أو يئنون تحت وطأة شناطيهم التي يلبسونها ـ أو يلصقونها ـ عل ظهورهم مثل جمال قوافل طريق الحرير. خف وطء الأرجل والأحذية والشباشب الصيفية على الرصيف.

أجلس في مطعم صغير.. تأتي الغرسونة السمينة بعض الشيء، تنحني لتسمع ما أقول، فألاحظ وشما على رقبتها بالعربية يقول (آنا).

عندما انتهيت من تناول عشائي، حملت حقيبتي وذهبت إليها لكي أدفع لها الحساب.

ـ هل أعجبك العشاء.. تسألني

ـ رائع.. شكرا يا آنا..!

حدقت في وجهي مندهشة وقالت:

ـ هل تعرفني..؟

ـ ومن لا يعرف آنا..؟! أنت أشهر من أية جزيرة في إيجة، بل ربما أنت أشهر جزيرة في هذا البحر

ـ أنا آسفة ولكنني لا أذكر..

ـ لا يهم.. ووضعت طرف سبابتي على عنقها مشيرا إلى الوشم..

إرتجفت قليلا بسبب جرأتي وقالت:

ـ آه.. !! أنت لست من هنا إذن.. !!

ـ وماذا يعني أن تكون من هنا أو من هناك.. !!

ـ صحيح..

ـ تصبحين على خير.. !!

واستدرت على عقبيّ..

* * *

في الطريق نحو الفندق إشتريت راديو صغيرا بأربعة يورو من أفريقي أو أحد أبناء القارة الهندية لا أذكر، كان قد جلس في زاوية يبيع بضاعته على الرصيف وقد رفع ياقته إتقاء الريح، والذي حاول أن يبيعني سترة شتوية ايضا قال أنها ضرورية في فصل المطر. إعتذرت.. وضع لي بطاريتين مجانا من جيبه في الراديو. جلست على كرسي مقهى مغلق على الرصيف داخل الفقاعة المعتمة وأدرت الإبرة لأجرّب الراديو.

أول محطة كانت تركية، بها امرأة لا تعرف ما إذا كانت تغني أم تنوح على صوت ماندولين وناي وعود. كانت الأغنية مرثية ومناحة في نفس الوقت، حتى أنني أكاد أجزم أنني رأيت دموع الراديو الصغير وهي تنحدر مع موجات الإف إم على وجنات الموجة المتوسطة لتسقط في امواج المتوسط. وصلت إلى الفندق، وضعت الراديو على كرسي وتركته ينوح (أو يغني لا أعرف). وحتى لا يغرق الغرفة ويغرقني بدموعه، وضعت تحته سطلا من باب الإحتياط واستسلمت للخدر. لحسن الحظ.. إنتهت الأغنية الغاطسة في دموع الناي، وشرع الراديو يذيع أغنية أخرى بدا لي أنها تشبه الأغاني التي يمكن أن تسمعها في مهرجانات الأكراد في أماكن متعددة من القارة الهرمة. أفرغت السطل في الحمام، كان السطل مليئا بالدموع والمقامات والنوتات الشرقية الحزينة من كل نوع.

ـ فاي فاي آمان.. !! اولدرديور.. نه يابالبريم.. غوزالي غوزالي.. آمان قوربان آمان قوربان

ـ نعم.. آمان وألف آمان من هذا العالم المنحط.. سز خبر سيك

* * *

الحزن القديم المعلق في الأفق

وهذا المساء الذي يتآكل بهدوء كامل في قصبة الناي

كلمات الأغنية التركية الغارقة في الحزن

والتي تغوص في لحم استغراب الذات عن حالها كخنجر بشعبتين

وأهداب رنة الماندولين المبللة بالأسى

حدقت في الساعة الصغيرة التي احملها معي دونما مبرر حقيقي.. وبدا لي أن الزمن قد توقف.

ربما توقفت الساعة

أو ربما توقفت أنا، او توقف زمني وتركني متوقفا في هذه الزاوية التي لا وتر لها ولا شفع.. !!

* * *

في اليوم التالي طفت المحامية ايريني على سطح الغمر ومعها محامية أخرى.

ـ محاميتان مرة واحدة.. هذا أكثر من قدرتي على الإحتمال.. قلت.. ولكن ربما هذا افضل لكي تذكر إحداهما الأخرى إذا نسيت. جلسنا في مقهى نناقش برنامج العمل.. وقبل أن نشرب قهوتنا الأولى أهل الأفغاني عزيز بشعره الطويل الذي يذكرك بسلفه جمال الدين. وهو يحمل على ظهره جهاز كمبيوتره المحمول (لاب توب) الذي لا يفارقه. أقبل وابتسامته باتساع الميناء، رغم سنوات طفولته التعيسة البائسة في افغانستان، والتي قضاها غارقا في دموعه وهو طفل، بعد أن فقد أسرته بأسرها في إنفجار ما ـ مثلما قال لي ذات مرة ـ قبل أن تلقي به أمواج إيجه على أحد شواطئ جزيرة ساموس.

بعد أن أنتهينا واتفقنا على اللقاء مرة أخرى، ودعنا المحاميتين، وسرت مع عزيز على رصيف الميناء نتبادل النكات.

ـ محاميتان مرة واحدة ـ قلت له

ـ نعم ـ ثم أردف بإنجليزيته الممتازة ما معناه ـ وإن خفتم ان لا تعدلوا فواحدة.

ـ ولكن ماذا إذا لم يكن باستطاعتك أن تكون عادلا حتى مع هذه الواحدة.

ـ عندها تكتفي بما ملكت إيمانك.. لأنهن مجرد اصفار ولن تحاسب على درجة عدلك تجاههن.. وضحك.

إنتظرنا لنعبر الطريق، ولكن احدا من سائقي السيارات لم يعطنا فرصة لذلك.

ـ ما هؤلاء البشر.. قال ـ ليس لديهم إحترام للمارة

قلت وأنا أتذكر سلفه مرة أخرى

ـ لعلهم من نسل البقروت (2)

لم يفهم ما أعني.. شربنا قهوة أخرى في الـ “غوديز” وغادرته منشغلا بجهازه الالكتروني. كان البحر غاضبا.. ويجلد الرصيف بأمواجه بعنف جلاد من العالم الثالث.

يا لأمواج شواطئ آسيا الصغرى هذه.. التي لا تكبر ابدا.

* * *

هذا الضباب المتحفز للإنقضاض

وقطرات المطر الليلي

مع قطرات آخر كأس قبل أن يغلق البار ابوابه

الخطوات الأخيرة التي تتساقط على الرصيف المقابل للبحر

وأصوات المحلات وهي تغلق

اين تذهب في هذا المساء الرمادي، والليل ما زال طفلا يمص إبهامي قدميه.. ؟!

وأنت ليس لديك مكان يحتوي حزنك المقدد المملـّح القديم المنشور على حبل صمته، سوى مخدتك الباردة في غرفة الفندق البائسة، والسحابة الحبلى التي تحاول أن تتسلق منحدر ميرسينيذي المقابل، والمساء غادر الأرخبيل تاركا مكانه للعتمة الضبابية والمصابيح الصفراء التي ترمش اهدابها محاولة تلمس طريقها نحو الجانب الآخر للرصيف، تاركة آثارها تلتمع في برك الماء الصغيرة التي خلفها المطر.

غادرت جميع النوارس. ولم يبق ساهرا غير السمك. لم تبق غير القوارب التي تتراقص مع الريح والموج. ربما ابتهاجا بقدوم العاصفة، وبعض الذين تناساهم الزمن، فجلسوا على طاولة المقهى الذي اغلق ابوابه، يمضغون امجاد ازمنة متخيلة. لم يتبق هنا غير هذا الضباب وبضعة امواج تتكسر خجولة على رصيف ميناء خيوس.

* * *

عندها.. !!

لم يتبق لي إلا أن أغادر وأترك هذا المكان لأهله، والبحر لأسماكه وقواقعه، والرصيف لهذي السفن التي لا يتعب العابرون من إنتظارها. حيث لم يبق في الأفق غير التوقع والإنتظار

لعل النهار

يطل على غفلة

من الزمن الذي كف أن يكون زمنا حقيقيا يملأ الوجود ويمتلئ به.

وهذا المكان المتغير اللون، والذي لا يمكن نعته بالمكان

ولا حتى بشبه مكان.

رنة الماندولين

والأغنية التي لا يمكنني ترجمتها ولا حتى قياس كمية أحزانها

وزجاجة النبيذ المتوحدة فوق طاولة المقهى.. يرمقها الموج والعابرون

ـ آمان.. آمان.. آمان ـ تقول المغنية التركية، والدف لا يتردد عن إضافة المزيد من الملح إلى جرح الكلمات المسائية، وأنت.. !!

أنت تهوّم في صحراء من الملح تحاصرك في جزيرة وحدتك التي اخترتها طوعا او ربما كرها.

ـ ها.. !! دعك من المماحكة، بل هو كره

ـ نعم لعله كذلك.. دعنا نسمّه كذلك

* * *

في الفندق، افريقيتان تعملان في بار ما، تعودان متأخرتين كل ليلة وتشرعان في الشجار بصوت عال. كان صوتهما مرتفعا في الغرفة المجاورة. من الواضح أنهما قد (سمطتاها) تماما. يعني كانتا سكرانتين.

الشجار استمر إلى ما بعد الخامسة صباحا، عند السادسة غسلت اطرافي، وضعت قدمي في حذائي أو حذائي في قدمي وخرجت، لأن مؤشر الإحتمال لدي وصل إلى الصفر.

كانت الجزيرة مثل فقاعة صابون رمادية تطفو على سطح محيط من الشك واللايقين. المحلات لم تفتح بعد، باستثناء مقهى محطة الباصات الذي يعمل طوال الأربع والعشرين ساعة. ولكن القهوة لديهم هناك سيئة تماما، مرة وثقيلة مثل شربة الحلبة المركزة، ومن الأفضل أن تتمشى، قاطعا هذا الضباب الكثيف جيئة وذهابا، نصف مغلق العينين مثل السائر في نومه، حتى تفتح المقاهي الأخرى.

* * *

في المساء.. !!

رحلة العودة إلى ليزفوس (العودة أم الذهاب.. لا أدري..؟!)، كانت مجرد حدث ممل آخر، تحديق في الطريق الرغوي الأبيض الذي ترصفه السفينة خلفها في البحر دونما حاجة إلى شركات القطاع العام ولا المقاولين الكذبة الذين يلهفون الفلوس ويتركون الشارع محفورا تملأه مياه المجاري. تجر حقيبتك مرة أخرى على رصيف الميناء. قهوة أخرى في محل الـ “غوديز”، ثم جرعة الكآبة المسائية المعتادة دونما ثلج.

في الليل لم يكف المطر عن التهطال. كنت ارغب في التمشي قليلا على رصيف الميناء، ولكن الموج كان عاليا، والشوارع تحولت إلى اودية. في البيت.. غيرت ملابسي المبللة، وحاولت أن اقرأ، دون فائدة، إستمعت إلى البرنامج الثالث للراديو، الذي يبث موسيقى كلاسيكية طوال الأربع والعشرين ساعة. جاء موتسارت وذهب ليعقبه شوبرت، ثم شتراوس، بعدها شرعوا في بث غناء اوبرالي مثير للملل. أغلقت الراديو وحاولت أن أنام.

لا أعرف في أية ساعة استلمني نوذيموس ومورفياس الأسطوريان(3)، وفي اليوم التالي قرأت في الأخبار أن خيوس تغرق. قتيلان.. والدولة (نعم الدولة..!) تفكر في إعتبارها منطقة منكوبة. تفكر.. ؟!! وتركتها وهي ما زالت تفكر. وطويت الصحيفة.

ـ ها.. !! لم يعد المهاجرون الآسيويون فقط يصلون إلى الجزيرة، ربما حتى التسونامي قرر أن يعبر إلى شرق المتوسط، (ليحرق جواز سفره المائي) ثم يقفز بعد ذلك نحو إيطاليا ليغسل صحون وشواطئ الغرب.

* * *

كنت قد استيقظت على صرخة مفاجئة من مكان ما من الشارع، أفتح الباب وأحدق يمينا وشمالا في الشارع النصف مهجور باستثناء بعض القطط.. لا شيء.. نفس الصمت المعتاد. لعل الصرخة كانت حلما، لا يهم إن كانت حلما ام كابوسا أم مجرد صرخة محايدة. وفيما استعد للخروج بتثاقل يرن التلفون. عليك العودة إلى خيوس لأسباب متعددة ليس من محل ولا مبرر لسردها. في المساء أكون في مكاني المعتاد على السطح أحدق في البحر والمسافرين والمودعين والعابرين والمتسكعين على الرصيف. وأشباح مئات الالآف من الذين ما انفكوا يعبرون هذي الطرق المائية منذ أن فتح الإنسان عينيه وتثاءب للمرة الأولى في هذا الكون.

* * *

تائه بين جزيرتين.. قدم هنا وقدم هناك

إنتهى الحلم.. وبدأ الكابوس.

أعتلى السفينة العتيقة مرة أخرى.. للعودة.

العودة من أين، أو إلى أين.. لا أحد باستطاعته أن يعرف

وأجلس في الفضاء المفتوح عند المؤخرة.

أخرج من حقيبتي ـ كالعادة ـ علبة بيرة حتى يمر الوقت، وأنا احدق في كتاب لا يمكنني التركيز على ما يقول.أمامي كانت تجلس إمرأة تقرأ كتابا بالفرنسية، بين ساقيها وضعت حقيبتها واسترخت بين السطور.

قربت وجهي منها وقلت:ش

ـ لعل السيدة في حاجة إلى علبة بيرة.. ؟!!

رفعت رأسها عن الكتاب، وفتحت في وجهي حقيبتها التي كانت مليئة بعلب البيرة التي اشترتها من البرّ. كانت تعرف انه من الافضل شراء البيرة من البرّ.

ـ شكرا.. لدي ما يكفيني حتى بيريوس

امرأة عملية وذكية.. قلت.

اشارت بيدها نحو الشاطئ الآخر المضاء وقالت:

ـ هل هذه هي ايطاليا.. ؟؟

ـ باردون.. قلت لها .. لعلك تمسكين الخريطة بالمقلوب.. !!

ـ لماذا..

ـ لماذا ماذا.. ؟!! أتعرفين أين أنت.. ؟

ـ في ليزفوس.

ـ وهل ليزفوس تقع في البحر الادرياتيكي.. ؟!

ـ انا في إجازة لمدة اسبوع.. ولا يهمني كثيرا في اي بحر أنا، سواء كنت في الادرياتيكي أو إيجة.

ـ حسنا إذن.. هذا شاطئ الامبراطورية العثمانية السابقة

ضحكت ثم سألتني من اين أنا..

ـ سأقول لك.. رغم أن ذلك لا يهم كثيرا.. أنا من بلد في شمال افريقيا اسمه ليبيا.

ـ اسمع بها.. ما رأيك لو ذهبت لقضاء إجازتي القادمة هناك.

ـ لا أنصحك بذلك مطلقا.. خاصة دون محرم

لم تأبه لكلامي.. أو لعلها لم تفهمه..

تحدثنا كثيرا عن اشياء مختلفة. وتبادلنا العديد من النكات وهي تخرج بين الفينة والأخرى علبة بيرة من حقيبتها وتضعها اماها على طاولة البلاستيك البيضاء المتسخة. وعندما وصلت السفينة إلى خيوس، اصرت على اصطحابي حتى المخرج لتوديعي. وفيما اجر حقيبتي خارجا، تبادلنا قبلات الوداع كما لو كنا نعرف بعضنا منذ الف عام، قلت لها:

ـ هل شكلت فكرة عن الليبيين.. ؟!

ـ نعم.. يحبون الحديث إلى الآخرين، حديثهم مفترك احيانا، ويحفظون الكثير من النكات، التي بعضها بذيء بعض الشيء.

ـ هذا أول خطأ تقعين فيه مع هؤلاء الليبيين، لأنه لا يمكنك تشكيل فكرة عن شعب كامل من مجرد لقائك مع فرد واحد منه. أنا لا أجروء على تشكيل فكرة عن فرد واحد حتى لو فرضنا انه باستطاعتي مقابلة الشعب الذي ينتمي إليه فردا فردا. بالنسبة للبذاءة، هي بذاءة الحياة نفسها، لأن الحياة البذيئة تعلمك نكاتا بذيئة بطبيعة الحال.

لوحت بيدها مودعة والسفينة ترفع السلم، وصاحت:

ـ اسمي سولين.. ربما اعود في العام القادم.

ـ حسنا.. قلت لها في خاطري.. ربما لن أكون هنا في العام القادم.. ولا في أي عام آخر. فالسنين معتادة على أن تلد الفراق واللقاءات العشوائية، والبحار التي لا شواطئ حقيقية لها. إنسي الأمر.

ـ آ بيين تو. صاحت من وراء سياج السفينة التي بدأت تتحرك.

ـ لا يوجد بيين تو. فأنا عرّاف قديم مثلي مثل تيريسياس وكالخاس (4).. وأقول لك منذ الآن أن هذا اللقاء كان مجرد فسحة لقضاء الوقت حتى لا نشعر بالملل خلال هذه الرحلة السامطة التي لا طعم لها.. لا أكثر ولا اقل.. بون فواياج.

اختفت.. واختفيت بدوري في فقاعة الجزيرة الرمادية التي لا أغادرها إلا لكي اعود إليها. ولكن بعد أن غسلها الطوفان هذه المرة.

* * *

يعاندك الموج الذي يلعب بك جيئة وذهابا.. النوارس تضحك من هيئتك البائسة. وخط المساء الرمادي المتعرج الذي يحاول أن يقرأ آخر سطر خطه قلم الشمس المتوهج فوق الأفق لهذا اليوم يضحك منك ايضا. لا أهمية لشيء باستثناء ما عشته، والأماكن التي رأيتها أو رأتك.. والبشر الذين عرفتهم صدفة ولن تراهم مرة أخرى.. كل شيء تقريبا..

ثم هذه المياه المالحة التي تغلفك وتحتويك مثل مشيمة أمك.

تذكرت ذلك الإيطالي الذي اقترب مني ذات مساء وأنا أجلس في مقهى أراقب الغروب على شاطئ مدينة نافبليو بشبه جزيرة البيلوبونيسوس (البيلوبونيز)، على الجبال المقابلة للبر اليوناني، وقال لي بأنه إذا ما دفعت عنه زجاجة بيرة، فإنه سوف يخبرني عن سر تلك الخطوط التي ترسمها الشمس على رؤوس الجبال.

ـ حسنا ـ قلت له ـ وطلبت من الغرسون زجاجة بيرة للضيف العرّاف

فقال وهو يشرب بيرته (او بيرتي):

ـ هل تعرف بأنه إذا ما استطعت أن تقرأ ما تكتبه الشمس على رؤوس الجبال مساء، يكون باستطاعتك التنبؤ بالمستقبل.

ـ ها.. جميل جدا.. هذا اكتشاف لم يسبقك إليه أحد آميكو. هيا اشرب بيرتك وغادرني في حالي.. فأنا لست في حاجة إلى المزيد من المشعوذين.. فلقد رأيت الكثيرين منهم هنا وهناك. فهم منتشرون في كل مكان. وأنت لست أول واحد التقي به.

* * *

في اليوم التالي كان لدي موعد آخر مع المحامية. نفس القهوة، نفس الوجوه، نفس الرصيف والشاطئ، نفس الفقاعة/الدملة الرمادية على جلد إيجة التي يمكن أن تتقيح او تغرق في أية لحظة.

* * *

في المساء.. فتحت الراديو الصغير على المحطة التركية.. وتركته ينوح ويذرف دموعه براحته واستسلمت للنعاس. إذ تفصلني ليلة كاملة ونصف يوم عن موعد مركب العودة (أو الذهاب) القادم.

خيوس/ ليزفوس.. اكتوبر/ نوفمبر 2010

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ تقول النكتة أن سائحا اجنبيا سأل صاحب مركب على بحيرة طبرية عن الثمن الذي يطلبه لينقله إلى الشاطئ الآخر للبحيرة، فقال المراكبي بأنه مائة دولار، فرد السائح:

ـ ها.. الآن عرفت لماذا فضل المسيح قطع المسافة ماشيا على الماء.

2ـ “رجل من نسل البقروت” تعبير شهير لجمال الدين الأفغاني.

3ـ مورفياس اشهر إله للنوم في الميثولوجيا اليونانية، اما نوذيموس فهو إله للنوم أقدم منه ولكن أقل شهرة. الملفت للإنتباه أن النوم في مدينة جادو وما حولها يقال له “نودم”.

4ـ عرافان اسطوريان في الميثولوجيا اليونانية، يقال بأن تيريسياس كان قد تنبأ بدمار طروادة.


مقالات ذات علاقة

عن المدينة والبحر وبرنيس

محمد العنيزي

موسم الخرافة

كريمة حسين

الأبكم…

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق