من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
المقالة

خيال مآتة

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

كان التاريخ وما يزال محنة السياسي، يبذل قصارى جهده ليعبر إليه بأمان، حتى وإن ارتكب كبائر الآثام وفظائع الأفعال، مهتديا بقاموس حبائله الشخصية وحيله الضرورية، ومقتديا بمن عبروا قبله من القساة والقتلة والمتوحشين والمجرمين، وهو يعلم تماما أن صدر مدون الأحداث وصدر مبررها واسعان كذمتهما، فأشهر المؤرخين يحملون بحسب الشواهد تعاطفا جارفا مع صورة النافذين وأسلوب بسط نفوذهم، وهو من وجهة نظر العامة علة المعرفة، ومن وجهة نظر السماء معرفة العلة.

ولولا أن كل ما يجري من طرف النافذ يقترب من مزاج السيرة لما اجتهد في البحث عن تأويل لبرنامجه في تثبيت سلطته وتصفية خصومه، فما يتحدث عنه الناس ويتمسك به الزمن يكسب السياسي _ خاصة القياديين منهم _ فرصة أن يتحول إلى نجم من نجوم الأساطير، وحبذا لو كانت أساطير معاصرة تجد تقاطعها مع تراث مجد السياسة المشبوه، وإرث العنف الذي حرف طريق الأمم وأثر في شكل مستقبلها.
لكن هذا ليس اتهاما مطلقا للتاريخ ولكتّابه، فقد اجتهد الكثيرون ممن اضطلعوا بدور رئيسي في تخليد النوائب ليكسوا النافذين ثوبا يناسب مقاس ما يقترفون، واضطرهم ذلك أحيانا إلى المبالغة في حجم ما تم اقترافه، والمبالغة في تشكيل الملامح المقاربة لهيأة الغيلان، وربما سبب هذا عدم الثقة فيما يكتبون، فما يسهل وضعه يسهل دحضه، والمبالغة في التأكيد تفضي إلى المبالغة في النفي، غير أن هذا كله لا يدلل على رخص معدنهم، كما أنه لا يدلل على شرف الكذب.
والمحنة الأخرى هي أن ما يتفق عليه المريدون ويجنح المعارضون إلى قلبه ليس هو بالضرورة ما ترويه العامة، وتفشيه فيما بينها، وقد تأكد أن التاريخ الشفوي هو الأبقى، طالما يتصف المكتوب بصفة الجموح في الرفع أو الحط من قدر أفعال النافذين.

ونلاحظ أن الأدب السياسي الذي كان دوما مرجعا مهما لقراءة حياة النافذ السياسية وفهم أفكاره وتوثيق نزواته ورسم خط حياته قد جعل من الشفوي حجته الأولى للصياغة، ذلك أن الأدباء هم أذكى الكتاب كما يشاع، ولم يقف تدوينهم للأحداث عند حدود تشخيص الحالة أو الإبراز الدقيق للملامح بل تعدى ذلك إلى إلغاء كل التفسيرات التي يعتنقها الأنصار والخصوم لمصلحة وجهة النظر الشعبية ؛ ذلك أن الأديب السياسي يستهدف الخلود مثلما يستهدفه الساسة.
من يستهدف العبور إلى التاريخ يستهدف الفوز بالمجد، وهناك العديد من كبار النافذين في التاريخ يستهدف أن يثبته المؤرخ في قالب الطاغية، فالطغاة للأسف هم أكثر من يتذكرهم الناس وينبهرون بعاداتهم، وهو ما أعطى للمؤرخ حجة أن يزيح كما هائلا من الشخصيات التي أفادت البشرية، لمصلحة من خربوها.
أنا هنا لا أقدم عظة ما كما يفعل رجال الدين، أنا أتحدث عن حالة قائمة، ودرس ينبغي أن يكون محفوظا، فالشعوب قد تعودت على أن تقبل بالمادة الأولية لتراكم عليها ثرثراتها، وهو شيء جيد من الناحية الفنية، لكنه يحمل نقائص عدة، ذلك أن على هذه الشعوب أن تختار أساسا صلاحية المادة الأولية وصحتها وصدقيتها، فالسيرة الشعبية بقدر ما هي معين الأديب السياسي، إلا أنها ما لم تقدم تبرير اختياراتها تسقط في الفخاخ العديدة والمتنوعة للتكرار والفضائحية.

حقا أن الأدب السياسي المروي قد استوعب مسارات اقترافات النافذين ودلالاتها لكنه وقف دوما عند جدار الصد الكبير وهو الغواية، مثلما وقف النافذون أنفسهم عند هذا الجدار الذي قدموا عنده الذبائح من أحلام العامة، فالمجد في ظني هو فم واسع بأنياب طويلة حادة يفتك بكل ضحية تقف في مواجهته، فمثلما افترس النافذون من وقف في وجوههم أطبق الأدب السياسي على أي رقبة حاولت أن تعلو كي تتطلع إلى القادم بأمل، كل ذلك لحساب تفوق الأسلوب وبقاء مخترعه، ولا ينجو من كل ذلك إلا ذوو العادة القبيحة بحسب القاموس الجديد المسماة ( تقصي الحقائق ).

مقالات ذات علاقة

قراءة في صوت الفنان مصطفى طالب

زياد العيساوي

خرافات تونسية عن الأمة الليبية

المشرف العام

ليبيا وبر الأمان

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق