ثقافة الحوار
المقالة

خواطر حول ثقافة الحوار

حسن إسميك – الأردن


“قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب”
عبارة قالها #الإمام_الشافعي (رحمه الله) فغدت حكمة وقاعدة لأي حوار ناجح، لو اِعتنقها كل صاحب رأي لكانت أغلب الحوارات الفكرية والثقافية ناجحة ومثمرة ويتم التوصل فيها إلى حلول وآراء تغني الفكر والثقافة وترتقي بالإنسان والمجتمع نحو آفاق رحبة من الإبداع.

وهذه المقولة شجعتني على طرح سؤال يجول في خاطري دائماً وأنا أشاهد طرائق وجلسات الحوار السائدة في مجتمعاتنا، ألا وهو: كيف يمكن للحوار الإيجابي أن ينجح ويصبح ثقافة سائدة بين الناس؟
يبدو لي أن كثيراً من سوء الفهم بين الناس في العديد من القضايا يعود إلى عدم توفر أو امتلاك ثقافة الحوار التي تقوم على احترام الرأي الآخر؛ فالاعتقاد الجازم بصواب الفكرة أو الرأي وتسفيه رأي الآخر المختلف معي أو عني، باعتباره خطأ لا يحتمل الصواب أو الصحة هو ما يفشل جلسات أو ندوات الحوار.
لأن الحوار الناجح يحتاج إلى أن يؤمن طرفاه بنسبية الرأي واحتمالية الصواب والخطأ فيه، وإلا فإن النتيجة هي التعصب المسبق للرأي والفكر بحجة امتلاك الحقيقة المطلقة، مما يؤدي إلى انسداد أفق الحوار والتلاقي بين الناس.

وثمة عوامل أخرى تساعد على الحوار الناجع منها -على سبيل المثال لا الحصر-: سعة إطلاع المحاور؛ فالثقافة الواسعة التي تشتمل على المعارف المتعددة حول الإنسان والكون ضرورية، لأنها تشكل اللبنة الأساسية الأولى التي تمد الحوار بكافة أسباب نجاحه، بحيث يغدو حواراً خلّاقاً ومبدعاً. ويحضرني هنا قول الإمام أبي حنيفة (رحمه الله) “أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس”، يقصد فيه ضرورة العلم باختلاف العلماء ومعرفة أقوالهم حتى يكون على سعة من المعرفة والاطلاع، تمكّنه من أن يكون عالماً أو محاوراً حكيماً يمتاز بالمرونة والتفهم للآخر المختلف معه في الرأي، وبالتالي يكون محاوراً ناجحاً وبعيداً عن التعصب لرأيه، وبذلك ينجح الحوار.

والحق أن ثقافة الحوار الإيجابي لا يمكن تحصيلها بسهولة لشخص أو مجتمع إلا ببذل الجهود المضنية على صعيد التربية الأسرية والمدرسية والجامعية…. إلخ، فهذه الحواضن الاجتماعية هي التي تشكل العقل الجمعي للفرد، وبالتالي ينتج عنه (العقل الجمعي) منظومة من السلوكيات والتصرفات الإيجابية أو السلبية (الثقافة).

ومع ذلك كله فالحوار حتى لو كان ناجحاً فإنه لن يفضي إلى جمع الناس على رأي واحد دائماً، أو في كل قضية أو مسألة؛ حيث أن اختلاف الآراء والأذواق والميول هو سنة الله في خلقه، وبالتالي يعني أن إجماع كل الناس على رأي واحد صعب المنال، لأننا بذلك نطلب المستحيل، وهو ما نصت عليه الآية الكريمة: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ”. (سورة: هود اية: 118)

كانت هذه بعض الخواطر المتعلقة بمسألة ثقافة الحوار رغبت بمشاركتها معكم لظني أنها من أهم المواضيع التي نحتاجها في حياتنا اليومية؛ فالمجتمعات الناجحة حضارياً هي التي استطاع أبناؤها إتقان ثقافة الحوار الشخصي والمجتمعي حول القضايا الخاصة والعامة، لذلك تقدمت هذه المجتمعات في كثير من المجالات نظراً لارتفاع مستوى الفهم والوعي الذي وصلت إليه، بحيث أنها تخلصت من الكثير من أمراض التعصب بشتى أنواعه.

مقالات ذات علاقة

ثوار …. واشياء اخرى (1)

أحمد معيوف

أين ليبيا التي عرفت؟ (29)

المشرف العام

بَـيْنَ مَـوْتِ الْـمُـؤَلـّف وَ رَشَـقَـات الْـغِـوَايـَة

المشرف العام

اترك تعليق