قصة

خنفر

من أعمال التشكيلي مرعي التليسي


كان الوقت قيظاً في ذلك العام، لدرجة أن القطعان هلك معظمها، لقلة الحشائش، وشح المياه في منطقة جنوب الصحراء الكبرى فشرع القوم يتنقلون من واد إلى آخر، بحثا عن مراع خصب.

كان خنفر قد امتطى منذ الصباح ظهر بعيره الأبرش، وانطلق غرباً، بحثاُ عن مكان به بقايا حشائش، خلفتها قطعان البدو الرحل، من القبائل الأخرى، الذين فضلوا الهجرة جنوباً إلى بلاد (الهوسا) حيث الاخضرار ووفرة الماء.. واصل المسير يوما كاملاً، ولم يشأ التوقف حتى غابت الشمس متوارية عن الأنظار خلف الأفق الأزرق.

كان التعب قد هده ونال منه الإرهاق، أحس بشيء يتحرك خلف سرجه وراء سنام الجمل ألقى بنظرة خاطفة ليتبين الأمر، فتراءت له على ضوء القمر، امرأة جميلة رائعة الحسن، في نظراتها حب يكسر السكون، يسحر العيون، ويفتت الحجر لمح وجهها، وكأنه يتربع على مساحة السماء، وملامحها تطغى على مصطلحات الانتماء، لكل شيء جميل في هذه البيداء، تخيل نفسه وكأنه يشبر، ويفصل، جسدها الغارق في وحل إعجابه، على حجم أحلامه! أغمض عينيه، وهو يردد في سره: أأنا في حلم أم يقظة؟

ثم فجأة أحس بأصابعها الطرية كالحرير، تلكز كتفه اقشعر جلده، وانتصبت شعيرات جسده، تمتم بآية الكرسي، وبعض الأدعية، والأذكار، سمع صوتاً أطرب أذنيه، ودغدغ مشاعره، يهمس له: أنا لست ذميمة الوجه لتدير لي ظهرك! التفت إليها، وكم كانت دهشته عندما أبصر عجوزاً شمطاء، عارية شعر رأسها المجعد الذي لامس منتصف خاصرتها، أخفى نصف وجهها القبيح.. عرفها سريعاً، جنية، تمالك جأشه، ولم يخف، أناخ الجمل.

ترجل فك السرج، وطرحه أرضاً إلى جواره وركل بمشط رجله البعير الذي كاد التعب يجهز على أنفاسه قيده، وتركه يرتع بالقرب منه، يلتهم أغصان شجرة أتل هرمة وارفة، راح يلملم بعض الأعواد اليابسة ليكبر النار، والجنية تساعده أشعل النار، ووضع إبريق الشاي على جنب الموقد حركت الجنية الإبريق، فمال إلى جنبه، وانسكب الشاي على الجمر مخلفاً دخاناً اختلط ببعض الرماد الذي بلله الشاي، غضب “خنفر”، وتناول شهاباً، ووخز به الجنية، التي انتفضت هاربة وهي تردد: حرقتني بالنار، حرقتني، الله يحرق قلبك.

وعلى الفور وضع “خنفر” راحلته على الجمل، وركبه عائداً أدراجه إلى الخيام، أصيب بعدها بحمى هائلة، أقعدته الفراش مدة طويلة، ولم يجدي أي دواء في عالجه، ولا حتى القوم توصلوا إلى تشخيص حالته؛ إلا أن بعض العارفين بأمور السحر، وعالم الجن، رجحوا أصابته بمس شيطاني، سببه الجنية التي قال “خنفر” انها بصقت عليه، لما وخزها بالنار، وتوفي بعد ثالثة أشهر من مقارعته للمرض.


2006

مقالات ذات علاقة

بـرتـقـالــي

عطية الأوجلي

الداليا – الحلقة الأخيرة

المشرف العام

نظـــارةُ أبـي

خالد السحاتي

2 تعليقان

حسين بن قرين درمشاكي 7 نوفمبر, 2020 at 16:25

تشكراتي وامتناني لموقع الطيوب الرائع..تحايا عاطرة والمطر لصديقي الأديب الكبير أ.رامز رمضان النويصري/ Ramez Enwesri..كل الود التشكيلي المبدع مرعي التليسي..

_درمشاكي_

رد
المشرف العام 7 نوفمبر, 2020 at 17:51

هذا واجبنا أخي

رد

اترك تعليق