المقالة

خمسون العرّاب

بوابة الوسط

نصف قرن مرّ على صدورها. تغيّر العالم وتغيّرنا، حتى صرنا ما نحن عليه اليوم. يا إلهي: لكم يبدو عام 1968 بعيداً وقريباً في آن معاً. قد يتذكر البعض صدورها في طبعتها الأولى، وما أثارت، آنذاك، من حماس ونقاش، وما فتحت من آفاق في عوالم الأدب والفن والسينما.

أنا أقصد رواية «العرّاب» رائعة المؤلف الأمريكي / من أصل ايطالي «ماريو بوزو Mario Puzo» وهي تصدر هذه الأيام ، في طبعة جديدة فاخرة، وبمقدمة كتبها المخرج السينمائي فرانسس فورد كوبولا، احتفاء ببلوغها الخمسين: لنردد معاً بصوت يفيض امتناناً مهنئين: «سنة حلوة يا جميل».

من لم يقرأ الرواية في لغتها الأصلية، لابد وأن يكون قرأها مترجمة إلى لغته. ومن فاته قراءتها مترجمة، لابد وأن يكون شاهدها سينمائياً، في أجزاء ثلاثة، واستمتع بأداء وحرفية مارلون براندو، وآل باتشينو. الفضل لمخرج شاب موهوب اسمه فرانسس كوبولا. أو تابعها مسلسلة على شاشة التلفاز.

ميلادها جاء بعد روايتين سابقتين، أثارتا اهتمام النقاد. كان بوزو في الخامسة والأربعين من عمره، وفي مرحلة حرجة مالياً من حياته ككاتب يعتاش على كتاباته، وفي حاجة ملحة للمال، وما حصل عليه من روايتيه السابقتين كان مخيّباً لآماله، فقرر كتابة رواية أخرى، واضعاً نصب عينيه النجاح. وحين صدرت العراب عام 1968، كان الحظ،، في تلك المرة الثالثة، مستعداً لاحتضان بوزو. فانفتحت له خزائن المال، وغمرته أضواء الشهرة. وهذا بدوره أتاح له فرصة قضاء ما يشاء من أوقات ومتعة في نوادي القمار في لاس فيجاس.

نجاح العراب ما كان يتم لولا المخرج السينمائي كوبولا، الذي حولها إلى عمل سينمائي لا ينسى، لكنه جعل الكاتب بوزو ينفي علناً، عقب مشاهدته الفيلم، علاقة روايته به. نفي وإنكار بوزو ذهب أدراج الرياح، وبقت «العراب» حيّةً، ومقترنةً باسمه ككاتب، وباسم كوبولا كمخرج، وباسم بطلها دون كورليوني «المافيوزي» وعائلته. وفتحت الرواية الأبواب واسعة أمام شركات الانتاج السينمائي في هوليوود لتنغمر، لسنوات طويلة، في إنتاج نوعية أفلام جديدة، مربحة، ومثيرة، أبطالها أمريكيون من أصول جذورها تمتد عبر الأطلنطي لتصل إلى صقلية عاصمة الجنوب الإيطالي على البحر المتوسط.

حين صدرت الرواية، قابلها النقاد ببرود، ووصفت بخلوّها من جماليات الكتابة الأدبية المتعارف عليها في السرد، وافتقاد حواراتها للحياة. لكن الرواية لم تصمد لتلك الهجمة فقط، بل نجحت واكتسبت خلوداً، لأن جماليات الكتابة الإبداعية لم تعنِ بوزو. كان همّه كتابة رواية بأسلوب يتسم بموضوعية، لا تختلف عن واقعية ما يدوّن في سجلات الوقائع، وليس ميلودراما. كانت دور النشر تبحث آنذاك عن روايات المافيا الإيطالية بعد انتشار قصص آل كابوني، وهذا بدوره دفع بوزو إلى التنقيب والحفر في تراث صقلية، بلد أجداده، وقاده البحث إلى العثور على «دون كورليوني»، وعائلته في سعيهم لتحقيق حلمهم الأمريكي.

صدّر بوزو روايته بجملة مقتبسة من الروائي الفرنسي بلزاك: «وراء كل حظ عظيم جريمة»، وكان عديدون من النقاد قد أشاروا إلى أن الرواية تلفت الأنظار إلى حقيقة وجود علاقة لا تنفصم بين مشروع تحقيق الحلم الأمريكي والجريمة. وربما لهذا السبب يرى البعض أن إقبال الأمريكيين على الرواية تزامن مع فترة سياسية متميزة وهي سطوع نجم آل كنيدي سياسياً، ووصول جون كينيدي إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، حيث زعم أن والد الرئيس كان يعمل مُهرّباً.

ماريو بوزو توفي في عام 1999 وهو في الثامنة والسبعين من العمر، وعاشت العراب لتحتفي بعيد ميلادها الخمسين، في طبعة، جديدة فاخرة، تليق بها، وتستحقها.

مقالات ذات علاقة

هذا القلب…

يوسف الشريف

مع هيرودوت وجها لوجه

يوسف الشريف

“عساكر سوسة” الفيس بوك..

سعاد سالم

اترك تعليق