قصة

خطيئة تسير على قدمين

أميرة الكلباش

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

طعنت والدي في صدره، ثمّ هشّمت يديه. سحقت أصابعه سحقًا، حتى امتزج اللحم بالعظام والأظافر الناتئة. لا أدري إن كان محض حلم أو خيالات. في الآونة الأخيرة، الحد الفاصل بين النوم والصحو بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا كسراب ينقشع عن هاوية. أتمنى لو أنه ليس حلمًا بل حقيقة. أنا ابنة عاقّة، فتاة سيئة، خطيئة تسير على قدمين؛ لكننّي أعترف بذلك لنفسي على الأقل. ربما أنا أستحق بالفعل وابل اللعنات التي يلحقني بها والدي يوميًَا، أستحق وابل الصفعات والركلات أيضًا. صداع مزمن ينهش جمجمتي، رأسي ينبض من شدة الألم، ويتفوّق على قلبي في عدد وحدّة نبضاته، بالكاد أستطيع سماع ما يحدث في الخارج. رب ضارّة نافعة، حمدًا لله والشكر له.

لكن هوينة السكون الحاد اندثرت، فيبدو أن الشياطين شهدت حمدي الله على الهدوء، وأسرعت لتوسوس لوالديّ؛ فيصدحا بما أوتي لهما من قوة خلال طقس عائلتنا المفضل- الشجار. أصواتهم تدكّ طوب الجدران، فتعلو طبول الحرب وزمجرات المقاتلين في جمجمتي تباعًا. صراخ والدتي يعلو بدوره، يبدو أن الطقس رسميًّا ابتدأ. يتضرع والدي لآلهة الرجولة والفحولة، ويقدمنا نحن قرابين لها؛ لكي ترضى عنه. آخر قرابينه كان أخي الصغير الذي لم يكمل الحادية عشر، مُحمّد. قد نجا محمّد من ركلة كادت تهشم أضلعه مؤخرًا؛ لكن روحه لم تنجو، فقد مُزِّقت وقُطِّعت ورُمِيت لتتلقفها جحيم من التساؤلات. أقطن تلك الجحيم منذ ما يبدو الآن وكأنه الأزل؛
فلطالما تساءلت: لماذا؟ لماذا يبدو والدي وكأنه ممسوس أو مجبول على إلحاق الأذى بنا؟ لماذا لم تتخلى عنه والدتي منذ أول صفعة؟ لا يجب أن أبالغ! امرأة تترك زوجها من أجل صفعة؟ فضيحة في مجتمعنا لا طاقة لنسائنا بتحمل تبعاتها. ثم من تلك التي لم تصفع ولو مرّة في حياتها؟

“المرا ما عندهاش غير حوش راجلها يا بنيّتي” تكرر والدتي عبارتها ويلهج لسانها بها في كل مرة رصدت علامات التساؤل في عينيّ. “نصيبي شن بندير” تتمتم بعينين رهينتا غياهب حزن شديد وندم صارخ؛ لكن بالطبع لن تترك “بنت الأصول” منزلها من أول عاصفة وعقبة، ثم ما الخطب في تلقي بعض الصفعات بين الفينة والأخرى؟ لم أكن لأمانع ذلك بكل صدق، لا بأس ولا ضير إن كنت مقصّرة في أداء واجباتي؛ لكن الأمر لم يتوقف عند الصفعات والواجبات بل تجاوزها بكثير.

“تقصيري في ركل والدتك أنجبك للعالم” قال والدي مرّة بشكل مسعور في نوبة من نوباته، صارخًا في وجهي لأنني تأخرت في الخروج من المدرسة ذات اليوم، بسبب انشغالي مع إحدى زميلاتي. تأخرت سبع دقائق تدرجت فيها على ما يبدو سلّمًا للخطايا، لأصل في أخره للخطيئة الكبرى، وجودي على قيد الحياة وكوني ابنته. لم يفقد والدي أعصابه بشكل هيستيري بسبب انتظاره لي تلك الدقائق أمام المدرسة، بل لأنني أجبته لأول مرة قائلة بشكل أقرب للهمس: “لا أرى مشكلة يمكن أن تتسبب بها سبع دقائق يا أبي، كنت فقط أتفقد ما فاتني من دروس”.

عويل.. الجميع يحدق بنا. رذاذه يتناثر؛ ليكسو روحي قطرانًا أسودًا قبل أن تلفح قطراته لحمي. ركلني حال وصولنا إلى المنزل. ركلني كتعويض عن الركلات التي فشلت في إجهاضي داخل ملاذ أتمنى لو أن بالإمكان الرجوع إليه، يا ليتني أعود إلى رحم أمي.

لا يؤلمني شتمه لي، بل أنني أجهل أسبابه. أبلغ من العمر 13 سنة و9 أشهر وأتساءل في كل يوم لما نلاقي معه هذه العذابات؟ أعلم أسباب والدتي في عدم هجره، فلم تكن توجد أذرع في بيت جدي لنا، اللهم سوى لحثّنا ودفعنا للعودة لمنزلنا في المرة اليتيمة الذي استنجدنا فيها بجدتي وخالتي؛ فقد فارق جدي الحياة قبل أن أرى ظلام العالم وترزق بي والدتي. “معليشي تحمليه علي خاطر صغويرتك” تمتمت خالتي مرة مخاطبة والدتي التي تسبح في دموعها وتغرقنا نحن في بركة من دماء لا تُرى؛ لكن طعمها يلسع حناجرنا الصغيرة.

لم يسألنا أحد -نحن – الذين يتحججون بنا لإبقاء والدتي رهينة عبودية تتخذ “الزواج” كاسم مستعار، إذا ما كنا نستطيع الاحتمال أكثر من ذلك. لم يكن قرارنا أن نأتي من راحة العدم للدنيا، ولم نختر والدينا، ولو بالإمكان فعل ذلك، لاخترت والدًا يشبه والد صديقتي فاطمة. أبتسم لرؤية السيّد عبد الحفيظ. يمسك بيدها، ويستحيل بؤبؤ عينه إلى لون السعادة. إن كان للسعادة لون، فسيكون لون عينيه لدى رؤيته لفاطمة.

وإن كان للأسى لون وطعم ورائحة فيسكون الكيان الذي يمثله أخي محمد تجسيدا له. من الممكن أن أشفع لي والدي ركلي كوني أنثى، والجميع يعلم أن الأنثى ليست كالذكر؛ لكن والدي الظالم عادل أو يسعى لأن يسود العدل فيما يخص ظلمه على الأقل؛ فقد أصبح ينزل بسخطه بالتكافؤ علينا جميعنا. ابنه الوحيد محمّد، “رجل العائلة” إن كانت الظروف مختلفة؛ لكنه لم يصبح بعد رجلا، ولم تسنح له الفرصة أن يكون طفلا يوما. أخي محمد مسخ قام بلملمة أطرافه والدي، بيديه وشتائمه. أودّ لو أنني أستطيع دفعه للابتعاد عن إلحاق الأذى به؛ لكن جسدي النحيل يأبى الانصياع لأمنياتي. أمي تحاول التكفّل بتلك المهمة؛ لكنها أيضًا ليست ندًّا له بمنكبيه العريضين وطوله الشاهق.

والدي رجل وسيم، ورثت عنه الشعر الأسود الفاحم، أشبهه أكثر من محمّد، ولعل ذلك يثير حنقه بدوره، فقد ذكر ذات مرّة حينما أشارت والدتي للشبه بيني وبينه أن ذلك لا يدعو للفرح. ذاكرتي انتقائية، فلا أكاد أذكر لحظات سعيدة معه؛ لكن ذلك لا ينفي حدوثها، كتلك الليلة حين عاد في وقت متأخر وكانت والدتي في انتظاره، دخل وعيناه محمرّتان بشكل صارخ وابتسامة بلهاء لم تفارق وجهه. كنت قد استيقظت لشرب الماء، فرآني، حدّق في عيني مطوّلا، ثم ابتسم. لم أحرّك ساكنا ولم أشأ تحطيم الصمت، بل اكتفيت بمشاهدته جالسًا أرضًا في غرفة المعيشة، حتى افترش الأرض بشكل كامل، أغمض عينيه، وغاب، غاب هو ولم تغب ابتسامته تلك عن مخيلتي.

في اليوم التالي، نقلنا والدتي للمشفى، فقد كسرت ذراعها لدى تعثرها من الدرج. أي درج؟ يجهل الدكتور الذي قام بتجبيرها حقيقة أننا لا نمتلك درجًا وأن مشادّة حامية مع والدي تسببت في ذلك. ما عدت أذكر سبب الشجار، لا طاقة لذاكرتي باستيعاب كل ذلك. كانت تلك الليلة أول مرة يراودني حلم أقتل فيه والدي، وعقب ذاك الحلم، سُلِبت حتى لذة النوم. ليت الأمر توقف على السلب، فقد منحت في المقابل رغبة عارمة تتأجج يوما بعد يوم في داخلي لتحويل الحلم إلى حقيقة، إما ذلك أو الزواج والهرب كما تفعل العديد من الفتيات بشكل طواعي أو قصرًا. أختار في كثير من الأحيان الخيار الأول بيد أن الثاني أسهل، فالجميع سيذلل الصعاب أمام الزواج، فأنا مطالبة بالستر، والزاوج أفضل ستار لكثير من الأشياء.

صديقتي فاطمة تعتقد أنني ناضجة، تمطرني بمدحها لي وتفكيري “المختلف”، أثير اهتمامها وتنفث هي بعض الدفء في قلبي. لا أعلم إن كان ذلك واقعًا إلا أن والدتي تشير إلى ذلك بدورها. “ربّي يكملك بعقلك” تخبرني وتبتسم ابتسامتها الخجولة المعتذرة، ملامح والدتي ومسامها تنضح بالاعتذار. ما فائدة الاعتذار؟ لن يفيد محمّد. أين محمّد؟

ليس نائمًا حيث تركته في جانبي. اختفت أصوات والديّ، يبدو أن الطقس انتهى في وقت قياسي اليوم؛ لكن أين محمّد؟ أتراه خرج لينتشل والدتي؟ أناديه.
محمّد.
لا يجيب.
أكرر ندائي له، ولا إجابة.

أخرج من الغرفة بحثا عنه. هناك، يقف والدي في غرفة المعيشة ممسكا به من صدره الصغير حيث يقف بدوره بينه وبين والدتي الجاثية على الأرض غارقة في دموعها. يلتصق كف والدي بوجه أخي، يمسكه من شعره ويلقي به أرضًا، تحاول والدتي دفعه، ترجوه أن يتركه، تركله وتحاول خدشه، صرخاتها تعلو، تنشج بشكل مرير، يجثو أبي فوقها لاكما إياها، تأوهات أخي تخفت، قلبي يكاد يمزق لحمي ويقفز خارجًا. أمسك بشيء قربي وأهوي به على رأسي أبي. يتهاوى ويسقط، وأسقط أنا في غياهب سوداء ليغيب كل شيء لمدّة.

أين أنا؟ ما الذي حصل؟
محمد، أين أخي محمّد؟
يتمتم صوت حولي لبرهة، تعلو ابتهالات أجهل مصدرها في محيطي، ويحتضنني الظلام مجددا.

مقالات ذات علاقة

ونصوص قصصية ساخرة

حسن أبوقباعة

الـفـراغ الـشاسـع

محمد العريشية

العم صالح

حسن أبوقباعة

اترك تعليق