قصة

خطوط صغيرة في دفتر الغياب

 

الحديقة

تنقصها فصاحة الورد، ائتلاق طزاجة العشب، ولا مكان بها لغواية الياسمين، أو تألق النرجس.

تستلقي، بفتور، تحت رماد الغيم الذي يأكل قلب السماء فوقها، ولا مبالاتها، الواضحة، بي مدعاة لاستفزازي.

حين دخلتُ البيتَ، أول مرة، معايناً، قادني صاحب الوكالة المكلفة ببيعه، عبر باب صغير وزجاجي، نحوها. لم تكن حديقة بل حرشاً صغيراً تكاثفت أعشابه نتيجة الإهمال. قلت في نفسي لو اشتريت البيت سأحول هذا الحرش الصغير إلى حديقة غنّاء. سأقوم أولاً بقص العشب وتسوية الأرض، وبعدها سأزرعها بشتى أنواع الورود.

حين اشتريتُ البيتَ قمت بصيانته وطلائه وتأثيثه بشكل جميل أتى تقريباً على كل مدخراتي، وتركتُ الحديقةَ على حالها من الإهمالِ متذرعاً بضيق الوقت واليد، ولكني ظللت مُصِرّاً على ممارسة عادة تدخيني للسجائر بها. افتح الباب المؤدي إليها، وأمد قدميّ خارجه ثم أغلقه خلفي. أشعل سيجارتي وأنفث أنفاسها على راحتي، وحين أنتهي منها أُلقي بها في زاوية قريبة على الأرض، ثم أعود أدراجي داخل البيت.

بعد سنة من سكناي بالبيت صرت أفكر، جدّياً، في تخصيص يوم كامل لتنظيف الحديقة من أعقاب السجائر بعد أن أكّد لي صديق زارني، ذات يوم، أنه لم ير ،في كل حياته، منفضة سجائر بهذا الحجم !!

العجوز والكلب

رأيتهما معاً، أول مرة، ذات صباح شتائي بارد جداً ورمادي، في جرين لين، بورستر بارك. كنت خارجاً من بيتي في طريقي إلى محطة القطار،مدثراً بمعطفي الصوفي الثقيل، الغامق اللون، ووحشتي التي تشبه لون الغيم الذي يحجب عن قلبي ضياء النهار، أنقل خطواتي بسرعة كي أسرّعَ من جريان دمي، شبه المتجمد، في شراييني، ولأنعم بشيء من الدفء.

 كان شارع جرين لين، ككل صباح، مختنقاً بزحمة السيارات.  رصدتهما عيناي قادمين باتجاهي، على نفس الجهة من الرصيف الضيق الذي كانت تذرعه قدماي. ارتدى العجوز معطفاً قديماً أخضر اللون وقصيراَ لا يكاد يصل ركبتيه، وسروالاً بني اللون، وحذاءاً قديماً يكاد يكون بلا لون. رصدت عرجاً خفيفاً بقدمه اليمنى، يجعل قامته تتمايل قليلاً، يُمْنة ويُسرى، وهو يسير بخطوات نشطة. أخفى يده اليمنى في جيب معطفه الأيمن، وأمسكتْ يده اليسرى بمقود جلدي ملفوف على رقبة كلب كبير الحجم، شعره كثيف، وبلون بني فاتح تتخلله مساحات صغيرة بيضاء اللون. حين وصلتهما تنحيت جانباً مفسحاً لهما الطريق. شكرني العجوز دون أن ينظر نحوي، وألتفت الكلب برأسه نحوي ونظر إليّ نظرة شزرة، ونبح بشراسة، إلا أن العجوز جذبه من مقوده بقوة، وأسكته، وواصلا السير في عكس اتجاهي، وعاودت أنا سيري باتجاه المحطة.

 في اليوم التالي، حينما التقينا على نفس الجهة من الرصيف، في نفس الشارع، وفي نفس الوقت الصباحي تقريباً، صبّحت على العجوز ورد التحية بابتسامة، في حين رماني الكلب بنظرة مشابهة لنظرة اليوم السابق وأعقبها بنباح مزعج. تكررت لقاءاتنا اليومية ولم يتوقف نباح الكلب في وجهي حتى بعد أن صرت أتبادل مع العجوز الابتسام والسؤال عن الحال والأحوال.

 منزعجاً من مواصلة الكلب العداءَ لي دون سبب وجيه، رويت القصة، مرة، لصديق فضحك وقال لي أنه من الأفضل أن أحاول التودد إليه وأقترح عليً أن أقدم له في المرة التالية التي ألتقيه فيها قطعة بسكويت من النوع المفضل للكلاب أو لعبة ما تستهويه.

ظللت وقتاً أفكر في ما يمكنني شراءه كهدية لكلب مدلع جداً، إلا أن معلوماتي الضئيلة لم تسعفني في الوصول إلى قرار. في اليوم التالي ذهبت إلى سوبر ماركت وتوجهت نحو الأرفف المخصصة لأطعمة الحيوانات. ترددت كثيراً قبل اختياري لعلبة بسكويت عليها صورة كلب شبيه بالذي ينبح في وجهي كل صباح.  حين عدت إلى البيت أفرغت البسكويت في إناء زجاجي خاص محكم الإغلاق كي لا تطالها الرطوبة وتفقد طزاجتها، كما تؤكد على ذلك التعليمات المكتوبة على العلبة، ثم وضعت العلبة في مكان ملحوظ لي في المطبخ.  في صبيحة اليوم التالي حملت معي قطعتي بسكويت إلا أن العجوز والكلب تغيبا عن الحضور ذلك اليوم وما تلاه من أيام حتى كدت أنساهما.

ذات مساء رجعت صحبة نفس الصديق، صاحب النصيحة، إلى بيتي، تعشينا معاً، وقضينا ليلة ممتعة. في صبيحة اليوم التالي، وكان يوم عطلة، استيقظت متأخراً من نومي. اغتسلت ونزلت درجات السلم وتوجهت نحو صالة الجلوس. رأيت صديقي وقد سبقني، جالساً على الكنبة، يغمس قطعة إثر قطعة، من بسكويت الكلاب، في كوب قهوة بالحليب، و… يزدردها بنهم وتلذذ!!

مقالات ذات علاقة

قشور الكاكاوية

عزة المقهور

الليدو

علياء الفيتوري

خصوصيّة !!

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق