غلاف رواية خريجات قاريونس
قراءات

(خرّيجات قاريونس)… روايتان في رواية

غلاف رواية خريجات قاريونس

رواية (خرّيجات قاريونس) للمبدعة عائشة عمر الأصفر لا يمكن اعتبارها رواية واحدة. بل هما روايتان ممتعتان تؤكدان تمكن المؤلفة من أدواتها الفنية وعناصرها في الكتابة السردية: اللغة، الأسلوب، الحبكة، الخيال. وقد استطاعت الكاتبة بكل سلاسة أن تجعل الرواية الأساسية التي أبطالها “أم العز القاسي” و”فاطمة شرف الدين” والساردة “نجاح” “ومهدي المحجوب” و”خالد ابوشيحة” و”صلاح” و”فتحية العمامي” و”خالتي حوا” تصرح بتفاصيل الحياة العصرية بشكل عام تتجلى فيها صور ومشاهد الفضاء الطلابي الجامعي داخل مدينة بنغازي بكل عناصره، بينما الرواية الأخرى والتي يمكن أن نعتبرها رواية داخلية موازية أو فرعية فقد ظهر أبطالها “الحمّال” و”ياقوتة” و”ابن أبيه” و”الأفعى” و”برنيكا” و”الشيخ” و”القط الأسود” في شكل خرافة أو أسطورة تاريخية أو حكايات رمزية تتحرك داخل الفضاء الروائي الأساسي أو العام لتبوح بما لا يمكن البوح به وتوجه إشارات معينة. ولقد استطاعت المؤلفة أن تجعل الروايتين متماسكتين ومرتبطتين تماما من خلال عنصرين أساسيين هما كاتبة الرواية الموازية الداخلية “أم العز” وكذلك قارئتها الساردة “نجاح” أو كاتبة الرواية الأساسية أو العامة، وهما بطلتا رواية (خرّيجات قار يونس).

أما من حيث مضمون النص فقد تميزت رواية (خرّيجات قاريونس) إجمالاً بمقدرة الكاتبة على نسج فضاء دافيء يعكس عمق العلاقات الحميمية المتوطدة بين طالبات جامعة قار يونس أثناء مرحلة الدراسة الجامعية وتواصل تلك العلاقات وامتدادها بينهن بعد مضي سنوات الدراسة مستمدين من ماضيهن المشترك محركاً يمدهن بالكثير من البهجة والصراحة والحنين.

أبانت الروائية الأستاذة عائشة الأصفر عن إمكانيات معتبرة في السرد وثراء قاموسها اللغوي وسلامته النحوية، ونقلت العديد من أفكارها المتنوعة سواء عن طريق الحوارات المتعددة التي أدارتها بكل اقتدار وتشويق أو من خلال إطلاق الأسئلة الفلسفية والفكرية في فضاء النص بشكل عام وهو ما يمنح العمل الروائي بعداً أوسع وصدى مميزاً في ذهن القاريء وفكره يترك أثره بكل وضوح.

(خرّيجات قار يونس) عمل إبداعي كُتب بروحِ طالبةٍ جامعية يعج رأسها بالعديد من الذكريات الممتعة والأفكار المتصارعة، وترصد عيونها الكثير من المشاهدات والمواقف التي سجلتها بكل عناية ونقلتها بلغة عذبة تتسم بالبساطة ودقة التعبير والوصف المفعم ببعض الخيال الذي يضفي على الواقع وأمكنته الحقيقية امتزاجاً درامياً مطلوباً في العمل السردي يحلق بالقاريء في عوالم المقارنة بين ما يطالعه بين دفتي الرواية وما يشاهده في عين المكان، وهذا بلا شك يمثل خاصية فنية تبعث المزيد من التشويق والجاذبية. وإن كان الفضاء الجامعي قد سجل حضوره في المشهد الروائي الليبي من خلال روايتي “يوميات زمن الحشر” للأديب الدكتور صالح السنوسي و”صراخ الطابق السفلي” للدكتورة فاطمة الحاجي بموضوعه السياسي، فإن رواية “خرّيجات قاريونس” والتي صدرت في طبعتها الأولى سنة 2007 قد سبقت تلك الروايتين في تناوله من منحى مختلف انحاز إلى سرد تفاصيل الحياة الاجتماعية وابتعد كلياً عن تناول ونقد الشأن السياسي بشكل صريح ومفرط ومباشر.

وازدان الفضاء المكاني في رواية “خرّيجات قار يونس” بأنفاس الأمكنة الحية المنقولة من معالم مدينة بنغازي مثل “السلماني” ومقهى وجسر منتزه “أبو دزيره” و”الصابري” و”مطار بنينا” والبحيرة وغيرها. كما احتوت على الكثير من أجناس الموروث الشعبي الذي تشتهر به المدينة مثل غناوة العلم (الليل بطوله.. عليهن خطر غالي صعيب وصوله.. سامرات ما باتن) التي وطّنتها الكاتبة في النص الروائي، وكذلك الأغاني الشعبية التي ترددها فرق الزمزامات أثناء إحياء أعراس وأفراح المدينة كما نقلتها الروائية:

(كان إتريد تبكّي عيني … قوللها وين اللي غالي
كان إتريد تسمر عيني …… ذكرها بأيام دلالي)

وجاء الخيال خلاباً في رواية (خرّيجات قاريونس) سواء في النسج والتحريك الدرامي للشخصيات المبتكرة، وأيضاً في ابتكار أساطير وخرافات من صناعة وحي المؤلفة نفسها. ولعل حكاية سرقة القمر وفيضان بحيرة “الصخيرات” تبرز تلك السبحات الخيالية التي أضفت الكثير من التشويق وأطلقت العديد من الأسئلة التي دارت على لسان شخصيات الرواية أو علقت بأذهان القاريء. أما الحوار فقد ظل مشوقاً ومتصاعداً بلغته المتداخلة بين الفصحى واللهجة العامية غير الموغلة في الغموض بل ظلت في متناول القاريء لفهمها لفظاً ومدلولاً.

رواية (خرّيجات قاريونس) للروائية عاشة الأصفر ظلت تغمرني بالدهشة والانقياد وراء أسئلتها البسيطة الممتعة، وكذلك بدفء أجواءها وعذوبة مفرداتها وصورها البلاغية ومشاهد فضائها المكاني والزماني المكلل بالشوق والحنين، لأنها حملتني إلى عالمي الذي غادرته بكل المحبة وأعادتني لتلك السنوات الخوالي في ربوع الحياة الجامعية بكل مباهجها وبساطتها، المتزامنة مع الكد والمثابرة والعمل من أجل تحقيق النجاح والتقدم صوب مرحلة أخرى من العمر. فكل التحية للمبدعة على هذا الوفاء لتلك المرحلة العمرية، وللرفقة والصحبة الجميلة، والأمكنة المستيقظة على الدوام في ذاكرتنا. ويظل هذا العمل الروائي تجربة مثمرة للمبدعة عائشة الأصفر تضيف إلى رصيدها الكثير كما تمثل بالنسبة إلى مشهدنا الأدبي كافة والروائي على وجه الخصوص إضافة إبداعية تملك العديد من الجماليات، ولن أدعي هنا أنها بلا سلبيات أو هنّات لأن ذلك يظل موجوداً في كل عمل وتجربة ومرحلة، لأنني على يقين تام بأن العمل الإبداعي الكامل والمتكامل لم ينجز بعد، وهو ما يزيدنا إصراراً على المزيد من الإبداع، وفي نفس الوقت المزيد من القراءة للبحث عنه واكتشافه. هذه التجربة ستظل في هذا السياق مكللة بالثناء على مبدعتها والفخر بأنها أضافت لنا عملاً يرتقي بذائقتنا الفنية ويبعث فينا الكثير من البهجة والمحبة.

______________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

كتاب (محمود أحمد المنتصر ودوره السياسي في ليبيا) إثراءٌ للمكتبة السياسية والتاريخية

يونس شعبان الفنادي

هل للظلِّ… قصائد؟

يونس شعبان الفنادي

(قصيل) عائشة إبراهيم تستنطق جماليات المكان في “بني وليد”

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق