قصة

حُجـرة مُفرّغــة

>

تنتشرُ في آخر الغابة أدخنةٌ مُتصاعدة بخطواتٍ حثيثة نحو السماء تُريدُ ملامسة الشمسَ المختبئة خلف الغيمات , كان هُنالِك و إلى الأسفلِ قليلاً مِن هذا المنظر كومةُ حطبٍ سوداء تتآكل بينرانٍ شحيحة, و مجموعة من الحِجارة تلتفُ حول الكومة , و بعضُ مخلفاتِ نزلاءِ سابقين قد غزت المكان , لفافات السيجارة المتناثرة تحت الأشجار , و الأشجار المنقوش على جسدها العاري ذكريات , و تواريخاً مُتعددة , ” ذكرى يومُ الأربعاء . . . . سامي يحب أسماء” , ذكرياتُ حب , ذكريات لقاء , و ذكرياتُ وداع , و ذكرياتٌ لمجرّدِ التذكر . . .

في الطرف الآخر من هذا المشهد و على بُعدِ أمتار عِند تقاطع الغابة في طريقٍ رملية , خلف الشُجيرات كان يستلقي كوخٌ قديم على إحدى عتبات نهرٍ جارٍ , كان يحتوي على حُجرة واحدة تحتوي بدورها على لا شيء سِوى شُباكٍ و باب و مرآة مُكسّرة , شهدت هذه الغرفة على العديد من الأحداث , و استنشقت مِن شُبّاكِها المفتوح دائماً كل الروائح , روائح الصيْف , و روائح أوراقِ الخريف , روائِح الشتاء , و روائح زهور الربيع , تعرفت مرآتها على العديد من الوجوه العابسة منها و الضاحكة , الممتلئة فرحاً و التي يفيضُ منها الحُزن و الأسى . . .

كان الجو خريفاً في ذاك الوقتُ مِن السّنة , و لذا كان من الطبيعي أن تشاهد الأوراق الصفراء و الأوراق المُحترقة بأشعة شمسِ الصيف قد غزت هي الأخرى كل المكان , تُسارع لكي تتساقط حول الكوخ , لكيْ تسبح و بهدوء على النهر الجاري بسلام . . . , و صوتُ مُحرّكِ سيارة من بعيد يقتربُ إلى المنطقة رُويداً رُويداً , يمكنك سماعُ تناغم الأصوات , صوت السيارة مع تساقط الأوراق و ألحانُ هدهدٍ يشذو فوق إحدى أشجار البلوط العظيمة , تتمنى لو يستمر في عرض سمفونيته إلى اللانهاية لما فيها من إشعال للمشاعر و إلهاب للأحاسيس , و ما هي إلا دقائق حتى تقف سيارةٌ قديمة على باب الكوخ و ينامُ محرّكها . . .

دقائق أخرى و ينزل منها جرمٌ إنسان أو إنسانة في الخامسة و العشرين من عمرها تقريباً بملابس اتخذت من الأسود لوناً لها , و قبعةٌ سوداء تغفو فوقها وردةٌ بلاستيكية حمراء فوق الرأس , قبعة كتلك التي ترتديها نساء الإنجليز , تتجول في المكان قليلاً و كأنها تتحسسه , لم تلبث كثيراً حتى جلست بجانب النّهر تقذف بعض الحصى المتجمع على أطرافه في جوفه فيحدث ارتطامها بمياه النهر نغمة أخرى تُكمّل موسيقى المكان , تقذف حصاة ثم تتوقف مدة لا بأس بها و تعاود الكرة , مشهدٌ متكرر و لكنه جميل , تنفذُ كمية الحصى في يدها فتتلاعب بالوريقات المتجمعة تحت قدميها , تشقُ بعضها , تتحسس بعضها الآخر , تشتمُ البعض . . .

ثم تنهضُ لتدخل الكوخ في دقائق معدودةٍ أخرى , تلامس بأصابعها – في تجوالٍ سريع – حيطان الكوخ التي تعرضت زواياها لغزوٍ مُكثّف من شبكاتِ العناكِب , متجهة نحو الشُبّاك , تنظر من وراء الشباك إلى صورة فنية من إبداع الخالق , إلى لوحةٍ من أشجار البلوط تحاول إخفاء جبلٍ صخريْ خلفها و لكن دون جدوى , تترأى بسمةٌ خفيفة على خديّها , تشد قُضبان الشُباك , تلتهبُ عيناها . . . تتساقط بضعُ دمعاتٍ مُكملة لتساقط الأوراق الخريفية . . .

تتجهُ إلى المرآة المُكسّرة موليةً ظهرها للشباك , تقفُ أمامها , تُحاول قراءة تفاصيل جسدها , ملامح وجهها و لكن عبثاً تحاول , فالمرآة تُشكل لوحة شبيهة بلوحات بيكاسو من جسدها , يتقاطع كتفها الأيمن مع عنقها و القلادة الملتفة حوله , تتشكل أشكالٌ كثيرة من القبعة و الوردة , منتصفُ وجهها للأسفل و الآخرُ للأعلى , فوضى و عبثُ حقيقيان . تتداخل الصور كما تتداخل مشاعرها و أحاسيسها , كما تتداخل أفكارها , أنفاسها و نبضاتُ قلبها , – لا زالت عيناها تجود ببعض الدّمع – , اشتياق ؟ , احتراق ؟ , لوعةٌ أم أنين , أم دمعُ الحنين ؟ , تعلق الأفكارِ بالماضي؟ . . . تضعُ يداها على صدرها , تلامس قلادتها , تُحاول إخفاء ملامح وجهها عن نفسها . . .في شهقة و زفرة تفصحُ عن ما يخالِجُها قليلاً !.

إلى الخارج باحثة بنظرها عن إحدى الأشجار , شجرةُ بلوط ضخمة , بها جوف في أوسطها , هذه هي الشجرة المطلوبة , تلتقطها عيناها , فتتقدم بخطواتٍ حثيثة كالأدخنة أو كأوراقِ الخريف , تتفقدها بترويٍ , آه , ها هي رسالةٌ نُقشت , حروفٌ اتخذت من الشجرة ورقةً لها , “أشعرُ بقلبي حجرةٌ مُفرّغة من المشاعر , ليس به إلا بعض الذكرياتُ المكسّرة في سجنٍ يطلُّ على شخصٍ يحاول أن يخفي نفسهُ عنّي ! ! ” .

مقالات ذات علاقة

‏إِعْـــــــدَامٌ‬

جمعة الفاخري

المربوعة

محمد الأصفر

فـأر المـكتـبة

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق