المقالة

حيّرتني يا (دوت كوم)

شيئان اثنان صارا من أهم ما يميز إنسان العصر الحديث, ويعاد تعريفه بناء عنهما: الهاتف النقال, والبريد الالكتروني. إذ لم يعد تعريف الإنسان بأنه حيوان ضاحك صحيحاً, فقد أكتشف العلماء مؤخراً, بأن معظم فصائل الحيوانات باتت تضحك على بلاهتنا حينما نستخدم النقال, أو ننغمس مع الحاسوب, فننسى أنفسنا, ونفقد صلتنا بما حولنا, وتصدر عنا تصرفات وسلوكيات تدفع أكثر الحيوانات وقاراً على الانفجار ضحكاً.

ومن هنا اضطر هؤلاء العلماء إلى تغيير تعريف الإنسان إلى أنه حيوان يتكلم في النقال, أو حيوان ينتهي عنوانه (بدوت كوم) إذ ليس هناك من كائن غيره يحتاج إلى استخدام هذين الاختراعين للاتصال بأفراد عشيرته, إذ لدى كل واحد منهم من الوسائل الفطرية ما تغنيه عن ذلك. وانعكس هذا التغيير في السلوك الاتصالي للإنسان على كثير من المقولات الفلسفية الخالدة التي سادت الثقافة زمناً طويلاً, فالعبارة الفلسفية: (أنا أفكر إذاً أنا موجود) لم تعد صحيحة, وثبت بطلانها, لأنها تتناقض تماماً مع ثقافة النقال و(الدوت كوم), فالإنسان حينما يتعامل معهما ينتهي نشاط ذلك الجزء الحيوي الغامض الموجود بداخل جمجمته, فهذا الجزء صار بفضل المحمول و(الدوت كوم), من الغدد الصماء, التي ليس لها وظيفة سوى الحفاظ على البقاء.

ولهذين الاختراعين تأثير كبير على الحياة الاجتماعية للإنسان, وانقراض بعض المهن, واختفاء مخلوق جميل كان يسمى -ذات يوم- ساعي البريد. وساعي البريد من لا يعرفه. هو شخصية كانت لها شأن كبير في المجتمع, الكل كان ينتظره, ويترقب إطلالته بلهفة صادقة, إذا لا تكتفي مهمته بتوصيل الرسائل فقط, بل كان مرسول البشائر التي تطفئ أشواق المنتظرين, كان يطمئن النفوس المترقبة, ويسعد القلوب الملهوفة. كانت له مواقف جميلة تجسد إصراره على توصيل الرسائل في ميعادها, فإذا تأخر شعر الكل بتأخره, فيما يطل يهلل الجميع لقدومه. ومن صفاته الأسطورية أنه كان يحفظ أسماء كل المناطق, ويعرف كل الشوارع. وكان لديه حدس نادر لمعرفة أصحاب الرسائل من خلال قراءة الوجوه المتلهفة, والعيون المترقبة, إنه الشخص الذي يحبه الجميع. الآن أصبح ساعي البريد رسالة (إلكترونية) وطيف خيال مستتر, يتسلل في الخفاء عبر بريدك (الإلكتروني), لا ليسعدك بحمل البشارة, بل ليخبرك بعبارات مصنوعة (لم تصل رسالتك). أو (عنوان المستخدم غير موجود على الشبكة). إنه لا يكلف نفسه البحث عنك ليسعدك, فكل ما يهمه هو أن يكون عنوانك دقيقاً لا خطأ فيه, ولابد أن ينتهي (بدوت كوم), وإلا فلا معنى لكل مشاعرك وأحاسيسك المسطورة في الرسالة, إنه ليس مثل ذلك الكائن الرقيق -ساعي البريد- الذي يكفيه أن يعرف اسمك, وجزء من عنوانك, ويفعل المستحيل لإسعادك, حتى لو أخطأت في كتابة العنوان, أو نسيت أن تكتب أرقاماً بعد ص. ب, فهو يوصل الرسالة إلى إنسان وليس إلى أرقام, ثم أنه لا يقتحم انسجامك, ولا يلتف حول عقلك وأنت تتصفح رسائلك ولا يدس بين أسطرها رسائل إعلانية عن سلع وكماليات لابد أن تشتريها, وإلا لن تعرف السعادة, وحينما تستلم رسائلك على عنوانك الذي ينتهي (بدوت كوم), فإنك حتماً ستفقد جزءاً من رومانسيتك وعذوبة اللحظة فأنت لا تستطيع احتضان رسالتك, ولن تقدر على تلمس أحرفها المكتوبة بخط اليد ولهفة القلب, ولن تقدر على أن تقبِّلها قبل أن تضعها تحت وسادتك لتلهمك بأحلام رقيقة, لأنك لا تقدر على أن تضع حاسوبك تحت وسادتك, فهو سيؤلم رقبتك ويحرمك من النوم المريح !! ورغم كل ذلك, فمازلنا كلنا نتسابق لتكون عناويننا على شبكات المعلومات, وصرنا لا نقدر على أن نرفع رأسنا إلا إذا كان اسمنا ينتهي (بدوت كوم), وإلا فالكل سينظر إلينا على أننا كائنات من خارج الزمن, يأتي الكل للفرجة عليها في الأعياد والعطلات الرسمية.

_________________________________

صحيفة الجماهيرية.. العدد:3920.. 16/02/2003

مقالات ذات علاقة

الخيال… ابتكار المستقبل

يوسف الشريف

سمو الإنسان

علي بوخريص

وقـف التـنفـيذ

كميلة بريدان

اترك تعليق