المقالة

حول الكتابة

بوابة الوسط

أدى تمكن بعض التجمعات البشرية من إنتاج فائض في الغذاء يمكن تبادله مع تجمعات بشرية أخرى في معاملات تجارية واسعة، إلى اختراع الكتابة لتسجيل حركة هذه التعاملات. ذلك أنه لم يعد ممكنا الاعتماد على الذاكرة وحدها، ثم توسع الاحتياج إلى الكتابة واستعمالها مع نشوء ونمو مؤسسات الدولة المختلفة، كما أصبح الاعتماد عليها بالغا في تسجيل الأعمال الدينية والأدبية لحفظها من الزوال وتوريثها للأجيال المقبلة، فالكتابة بنت المدينة والحضارة المدنية.

ولعل أولى الوظائف التي لزمت عن اختراع الكتابة وظيفةُ الكاتب، الذي يتولى تسجيل المعلومات المطلوبة ووظيفة الحرفي الذي يهيء أديم الكتابة. في البداية كانت الكتابة تصويرية تعتمد على الصور والرموز، ويعزى إلى السومريين في وادي الرافدين اختراع الكتابة التي كانت تكتب على ألواح طينية ومواد أخرى مشابهة بأدة تشبه المسمار قبل جفاف هذه الألواح. لذا سميت الكتابة المسمارية، ويعود تاريخ أول لوحة كتابية من هذا النوع إلى سنة 3600 قبل الميلاد.

ظهرت، بعد ذلك، كتابات تصويرية لدى شعوب أخرى، وتأخر ظهور الكتابة الأبجدية التي يعبر كل حرف فيها عن صوت محدد ساكن أو متحرك. ويعزى هذا الاختراع الباهر إلى الفينيقيين حوالي سنة 1100 قبل الميلاد، ثم تأثرهم الإغريق ومن بعدهم الرومان.
الكتابة، مثلها في ذلك مثل اكتشاف النار وابتكار طرق ووسائل للاحتفاظ بها، وأدوات لإعادة إنتاجها، واختراع البكرة والعجلة، أعطت قوة هائلة دافعة في تطور الحضارة الإنسانية عموما. فمثلما أن العقل ابتكر الكتابة، قامت هذه الأخيرة بتطوير العقل (= مخترعها)

ووسعت آفاقه، ومازالت توسعها، باتجاه مديات غير محدودة. من خلال الكتابة ورثنا علوم الأولين واطلعنا على آدابهم ونتاجاتهم الفكرية، فاغتنينا علميا ومعرفيا وروحيا. ومن ناحية أخرى، كانت الكتابة وراء نشوء وظائف وحرف وصناعات أسهمت في إعالة أعداد هائلة من البشر.

فإلى جانب وظيفتي الكاتب المهني والحرفي صانع أديم الكتابة اللذين أشرنا إليهما، كانت وراء اكتشاف الورق وتطور صناعته، وظهور مهنة الوراقة وصناعة الحبر وتنوع أدوات الكتابة وظهور الكتب والدفاتر المعدة للكتابة، ثم ظهور المطبعة والصحف وصناعة الكتاب التي نشهد تجليات تطورها حاليا. بل أسهمت في ظهور اللافتات الدالة على أسماء المحلات والمدن والشوارع، والتوجيهات الإرشادية التي يتولى صناعتها وتنفيذها حرفيون وصناع وفنيون يسهمون في الدورة الاقتصادية للمجتمع.

مقالات ذات علاقة

المُوَاطَنَةُ فِي الدَّوْلَةِ الحَدِيثَةِ

خالد السحاتي

تاء مربوط

محمد الترهوني

مُقترح مبدئي للاحتفاء وللتوثيق، وأرشفة التاريخ النسوي الليبي (*)

فاطمة غندور

اترك تعليق