من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه
قصة

حوش العيلة

من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه
من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه


 
1
  ما أن تتدبر ثمن قطعة الأرض التي ستشيد عليها بيت المستقبل.. دينارا دينارا حتى تسارع بشرائها.. تبتسم فرحا فأخيرا صرت صاحب أرض وقريبا ستكون صاحب بيت..
 
2
ما أن يسمع الآخرون بانتهاء الصفقة حتى ينهالوا عليك تقريعا وتوبيخا.. بعضهم لم يعجبه موقع قطعة الأرض فهناك أرخص منها بكثير.. البعض الاخر يتناثر رذاذ تقريعهم على وجهك لأنهم اعتبروك أكبر مغفلٍ في العالم.. فلا أحد يشتري هذه الأرض بهذا السعر إلا أنت.. البعض الأخر يعترض عن توقيت الشراء.. قليلون غاضبون لأسباب لم يبدوها لك.. تمسح رذاذهم وتتجاهل غضبهم وتلتفت إلى أرضك تخطط كيف تبنيها.
 
3
ترسم في ذهنك آلاف الخرائط لبيت المستقبل.. تحاول ألا تتسرع حتى لا تقع في المحظور.. تقارن بينها وتفاضل لتختار ما يتناسب مع حلمك وقدراتك.. أخيرا تضع الخريطة التي استقر عليها رأيك.. يسارع احدهم -دون طلبٍ منك- باقتراح ما.. سيكلفك الكثير من الدنانير لتنفيذه.. تقع في حرج كبير فاقتراحه لا يتناسب مع مخططاتك. لكنك تذعن صاغراً خشيت التقريع والتوبيخ وتطاير الرذاذ..
 
4
تقرر أن تبني بيتك من بالطين فهو أقل كلفة.. فالطين متوافر بكثرة في كل مكان ويمكنك ان توفر الكثير من الدنانير. ثم ما الغيض في ان تكون الجدران من طين أو من إسمنت.. فوظيفة الجدران هي رفع السقف وحمايتك من البرد والحر وتسترك عن فضول الآخرين.. ثم أن بنائك لبيتك بالطين يمكنك من ان تبنيه فسيحا واسعا..
 
5
لكن صاحب الرذاذ المتطاير لا يتركك وشأنك.. فيتدخل قارناً حواجبه غضباً نافثاً رذاذاً كثيفاً في وجهك.. يمنعك الحرج من مسح رذاذه أو التغاضي عن اقتراحه بتقليص مساحة البيت للتمكن من بنائه بالإسمنت الأكثر صلابة ومتانة.. لكنه يتجاهل أنه الأغلى ثمنا أيضا.. تتحسس دنانيرك في جيبك.. تجد أنها لا تكفي لتفادي رذاذ مقرّعك وموبخك.. فتقرر تقليص مساحة حلمك حتى تتمكن من التوفيق بين ما يريده الاخرون وبين ما في جيبك من دنانير.
 
6
ما ان تبدأ في الشروع في بناء بيتك الذي تقلص إلى غرفتين فقط ومطبخ صغير وحمام بالكاد تقف فيه لتقضي حاجتك.. المهم أن كل ذلك سيكون بالإسمنت –الأكثر متانة-.. تضحي بحلمك من أجل تحقيق رغبات الاخرين.. يقف أمامك أحدهم شاهرا نصائحه في وجهك.. معبراً عن أسفه على ما آلت إليه أمورك لعدم مشورتك لأصحاب الرأي مثله وسقوطك فريسة سهلة أمام آراء السفهاء..
تخبره بأن دنانيرك لا تمكنك إلا من بناء غرفتين وبعض المرافق.. حينها يبتسم في وجهك ليذكرك بأنك يمكنك أن تستلف بعض الدنانير ليكون بيتك لائقا بأمثالك..
 
7
يتنصل منك بمجرد أن تطلب منه سلفة صغيرة لتتمكن من تنفيذ بيتك كما اشار.. تبحث عن مغفل يمكن أن ستنازل عن بعض الدنانير.. يعبس جميع المغفلين في وجهك.. تكتشف انك الوحيد المغفل.. تتورط في كتلة من الإسمنت.. لا يمكنك التراجع.. تبيع سيارتك لتوفر بثمنها بعض لوازم بيت المستقبل ممنيا نفسك بشراء غيرها وأحسن منها بمجرد الانتهاء من بناء بيت المستقبل فلا مستقبل لمن لا بيت له..
 
8
تمر سنوات من عمرك كان من المفترض أن تقضيها داخل بين المستقبل.. لكنك تنفقها هذرا وأنت تعد هذا البيت بالإسمنت والحديد المسلح بعد ان تخليت عن فكرتك مستبدلا إيهاب أفكار صاحب الرذاذ المتطاير وغيره من الحكماء الذين لا يتركونك تستمتع برأيك السفيه.. تقفل أبواب البيت بعد أن غزا الشيب جل شعر رأسك وأحاله إلى كومة صوف نصفها تساقط بفعل الديون ونصفها المتبقي أبيض لونه بفعل الهموم..
 
9
تتنفس الصعداء بعد الاقتراب من الانتهاء من أعمال البناء والتشطيب.. في ليلة ليلاء يطرق باب بيتك الجديد أحدهم.. يستنكر ويحتج عليك بقاءك طيلة هذه السنوات دون زواج.. متهما إياك بالإسراف وأنك من أخوة الشيطان.. فلو أنك أحسنت التصرف في مالك لكنت الآن تنعم بزوجة جميلة وثلة من الأولاد الأشقياء.. تحاول أن تنفي عنك تهمة الإسراف وتوضح أن دنانيرك استنفذتها في بناء بيت المستقبل.. بل تخبرها بأن كثيرين يتربصون بك من أجل استرداد دنانيرهم التي استعنت بها من اجل اكمال هذا البيت.. يغادرك وهو اكثر قناعة بأنك لا تستحق النصح بل التقريع والسب والشتم ويتأكد له انك اخ للشياطين بما لا يدع مجالا للشك.
 
10
تقرر البحث عن إحداهن ترضى بمشاركتك بيت المستقبل.. يطول بحثك دون طائل.. يبدو أن اخبار جيوبك الخالية من الدنانير يعلمها الجميع.. لكن إحداهن توافق على مضض.. فقطار الزواج قد لا يعود لمحطتها.. تخبرك إنها مضطرة للموافقة على الارتباط بك فقط إشفاقا ومناً منها عليك فهي تؤمن بالمثل القائل ظل راجل ولا ظل حيط.. تخبرها أنك تملك بيتا خاصا بك.. مبنيّ من الاسمنت والحديد المسلح كلفك الكثير من سنوات عمرك وشطرا من شعرك.. تضحك من سذاجتك وتشترط لإتمام هذه العملية أن يكون بيت المستقبل خالصا لها ومسجلا باسمها.. فهي تؤمن بالمثال يا مأمن الرجال يا مأمن المية بالغربال..
 
11
تذعن صاغرا.. فلابد من تفادي رذاذ ذلك الصديق الناصح مهما كلف الأمر.. يتم الاتفاق على الصفقة.. تقيم عرسا تحاول أن تبدو فيه سعيدا.. لكن وجوه الأصدقاء المتجهمة في وجهك تمنعك أن تنسى أنك بنيت هذا البيت بدنانيرهم التي لم تعرف بعد طريقها لجيوبها.. كما أن عرسك أيضا أقمته بدنانيرهم.. وتحاول كذلك أن تنسى انك تخليت عن كل ذلك لتلك المرأة  التي صارت زوجتك..
 
12
تدخل بيت المستقبل لتنعم فيه بما تبقى من حياتك بكثير من الهموم وبرأس فقد جل شعره.. وبجيوب خالية من الدنانير.. تتحسس أصابعك ورقة واحدة مكتوبا عليها أن هذا البيت ملكا لزوجتك.
 
طرابلس ديسمبر 2015 م

_________________________
الفصول الأربعة، العدد 119 – ديسمبر 2018.

مقالات ذات علاقة

الهلال…

أحمد يوسف عقيلة

الـشـرف

سعد الأريل

ذاكرة مفقودة

رحاب شنيب

اترك تعليق