قصة

حوش الطليان

الزهراء البُقار

من أعمال التشكيلية المصرية “أميمة السيسي”

لا يبدو على ألوانها التي تغطي جناحيها أنها ستصمد طويلا أمام شحوب الحياة بوجهها المنكسر وأهدابها المترهلة، اراقب انطفائها فتدمع عيني، أضع إصبع السبابة اليمنى على ما تبقى من اللون الأخضر، أغوص بإصبعي وأحركه بشكل دائري؛ كي أضمن التصاق المسحوق، أرفع إصبعي أتأكد ثم أغمض عيني اليمنى…

“شن ادّيري؟” على السرير خلفي تنقلب أمي على يمينها متسائلة، محاولة ستر ساقيها بفستانها “الباصمة” ذات الأشكال والألوان المزعجة.

“أنظُم في الشكماجة” أرد قائلة، مخبئة يدي اليمنى بالمنشف.

يعتري وجهها قسمات الملل الذي يجبرها على مسايرة عادات ابنتها، موصية بالحفاظ على محتوياتها، ومهددة “بحرق شفتي بالفلفل الحار” في حال ضياعها.

أغلق علبة مكياج “pretty woman” المقلدة، التي تأخذ في شكلها الخارجي هيئة فراشة حمراء، تتكون العلبة من ثلاثة طوابق على شكل أجنحة، يحتوي الطابق الأول على علبتي طلاء أظافر، وقلم، وفرشاة، بينما تتناغم الألوان الخاصة بطلاء الجفون في الطابق الثاني، أما الأخير فيضم مجموعة من حمرة الشفاه والخدود، وكريم، ومسحوق من بودرة الوجه. فتجمع العلبة وحدة متكاملة من المكياج لتصبح علبة باذخة، أجبرت أمي للاستغناء عن اقتناء المساحيق التجميلية الأخرى المنفردة، ثم أضعها في مكانها المعتاد، في الرف الثاني من الأرفف الثلاثة الموجودة في الجهة اليسرى من “الشكماجة” مع مجموعة من علب المكياج الأخرى الفارغة.
ومن الجهة اليُمنى مزهرية متوسطة الحجم، عسلية اللون، في منتصفها وردة حمراء كبيرة، وفي عنقها تتعانق الزهور البلاستيكية مُتّفقَ على قتل آخر نفس لجمالية المكان، وتحت قامتها غطاء بنّي يتلاحم مع اللون ذاته “للشكماجة”.
فوق الزهور البلاستيكية تتجمع الأتربة، والعناكب، والذباب الميت، وللمرة الأخيرة، أغمض عيني، أحاول الاقتراب منها آملة في استنشاق رائحتها، اقترب، ثم اقترب أكثر، فأصحو على صوت زجاج ينكسر وصراخ أمي وتوبيخها.

أحمل بين دراعي حذائي المصنوع من المطاط الأحمر، أهرب مسرعة خلف المنزل، أستند على حائط بيت قديم مهجور جدرانه ضخمة، يتبيّن ذلك من خلال سُمك مساحة أبوابه وشبابيكه، درجتين تقوداني لمدخل المنزل الذي شيّد على شكل قوس كبير، أرضيته رخامية بيضاء اللون فائقة الجمال، وفي منتصف المدخل باب الحوش الرئيسي، صنع من اللوح وطلي باللون الأخضر، وفي الجزء العلوي من طرفي الباب، شباكين يتوسطهما نقوش من الحديد، يطلّ على المساحة التي تقع وسط المنزل غرفتين على اليمين، بجوارهما ممر صغير يقود إلى مطبخ صغير أيضا، وعلى اليسار غرفة كبيرة، تغطي المساحة بلاط أحمر قاتم مكعب الشكل، وبجانب الغرفة باب خارجي آخر يطل على الفناء وعلى دورة مياه صغيرة، ومن الخلف يلتصق بالمنزل فرن كبير، يعلو قمته مدخنة مربعة الشكل، يُسمى المنزل بــ”حوش الطليان”؛ لأنه هم من أنشؤوه وعاشوا به عندما جاء “الطُّليان لِيهُود” لقتل مسلمي وطننا ونهب ثرواته، وعلى بعد مساحة عشرة أمتار خلف المنزل، غرفتين كبيرتين يطلان على الفناء، إحداهما خالية، وفي منتصف الأخرى حوض عميق به مصفاة حديدية، وفوقه لوحة ضخمة دائرية الشكل تُسمى الغرفة بــ “الفوسي”؛ تستخدم لعصر حبات العنب.

أقف بمدخله، أطالع الباب العتيق الذي ظل دائما محل اهتمامي ومحط إعجابي، أسأل نفسي في كل مرة ماذا لو استبدلناه بباب بيتنا الحديدي المتآكل بالصدأ، قلت ذات مرة بعيون مرتجفة وبحروف متلعثمة محاولة تفادي سخرية أمي المتكررة “باب حوش الطليان جميل جدا”، فتسخر من ذوقي ومن حوش الطليان الذي تتجمع به الفئران، وتلعن الطليان الذين حاربوهم أجدادي كما تقول، أسأل نفسي أيهما فعل ذلك؟ هل جدي الذي يأتي من المدينة البعيدة كل صيف؟ هو لا يبدو عليه أثر حرب، جدي الذي تربكني نصاعة ثيابه العربية ذي اللون الأبيض، المكوية بشكل مبهر، ونظارته الشمسية السوداء التي يخبئ بها عينه العوراء، جدي الهادئ ذو اللسان الفصيح والبنية القوية، المتحدث بلغة الطليان والإنجليز لا يبدو أنه محارب. أم هو جدي الفلاح؟ القوي، الطيب، ذو الثياب البالية، المشغول جدا بمواسم الزراعة والحصاد.

أراقب الحائط الخارجي للمنزل، أزيل الحلزون العالق به، اتفقد قشور الطلاء باهتمام شديد، فيظهر لي أنه نهشته أظافر المارة. كحسناء يتآكل وجهها ببطء على مر السنين، يأتي الشتاء غاضبا، فيهتز جدرانه وتنهمر من سقفه وابل من الأحجار، ثم تطل شمس الربيع فينتفخ طلاؤه ويتساقط أو يُسقط، شاخ بأناقة كصاحبته “ماريا” الإيطالية الجميلة التي سكنته مع عائلتها وتركته قبل خمسة وأربعين سنة.

يأتي جدي، يصطحبني معه لمزرعته الكبيرة، نمشي مترجّلين على طريق ترابي يقسم المزرعة إلى نصفين متوازيين، في كلا النصفين حقول من الخضروات وأعلاف الحيوانات زرعها جدي، يفصل كل حقل عن الآخر أشجار زيتون زرعت بشكل هندسي مدهش، أشد بيد جدي الخشنة، يحاول فتح مواضيع شتى للاستماع إلى كلامي الذي يضحكه دائما، يستغرب صمتي فيسألني “صف كم تقري تو؟” أرد متأففة “قلتلك أمس في الصف الثاني”، فيضحك، أنظر بعيني السوداويتين إلى الأعلى مستنكرة ردة فعله، فيضحك أخرى.

توقف خطواتي السريعة زهرة “البسباس” البرية، تفرد أهدابها الصفراء الناعمة، وبخجل تهمس بقدوم الربيع، تدفعني لهفة الطفولة إلى الحقول بحثا عن زهور يشغلها غيابي.

بعد ساعة من التجول تحت شمس الربيع الدافئة، أجلس مع جدي تحت شجرة زيتون أوراقها طرية وناصعة، وبين يدي باقة من الزهور، بينما ينشغل جدي بالنظر طويلا هنا وهناك بين الحين والأخرى، مطمئنا على حقول القمح، والشعير، والقصيبة، وأشجار اللوز التي بدأت تنضج للتو.

يضع جدي يده اليسرى أعلى عينيه، يفرد أصابعه متفاديا أشعة الشمس، تتجمع التجاعيد حول عينيه العسليتين، ينظر طويلا، إلى هناك، إلى حيث يعرف كل شيء، جدي لم يحفظ جداول الضرب والقسمة، لكنه يعرف، يعرف كل شيء، لا أدري ما الذي يعرفه، لكنه حتما يعرف.

يتأمل جدي “الهُناك” البعيد، إلى الفجر الصارخ، حيث أعداد كبيرة من الفلاحين الليبيين، ينهمكون بأجسادهم الضعيفة التي أهلكها الجوع والظمأ في الوحل، يتباطؤون قليلا، فتنهمر سواط الجنود الإيطاليين على ظهورهم، مذكريهم بالمسافة الطويلة التي قطعتها شجيرات الزيتون؛ كي تحيي الأرض الميتة وتُروى أحشائها.

يتكئ جدي بيده على الأرض، يميل النظر إلى صديقه الأسمر قائلا: “هيييه يا لولا الطُّليان” يرتفع صوت الحق مناديا “الله أكبر”.

يقف الجاران جنبا إلى جنب مُتّجهان إلى القبلة، يُكبران الله، يركعان، يسجدان على الأرض مولينها نحث آثار سجودهما، يُسلّمان، يفترقان.

في طريق العودة، يمشي جدي بكامل حيويته ونشاطه، ثم ينحرف يمينا موليًا “حوش الطليان” خلف ظهره، حيث “فِسكِيّة الطليان”، حوض مياه دائري الشكل، بجانبه غرفة صغيرة بها مضخة مياه تسقي المزرعة عبر أنابيب وضعت تحت الأرض، كلا البنايتين، صنعتا بذات الأحجار التي صنع بها المنزل وطُليتا بنفس الطلاء.

أمام قوس الطليان وبابه المُهمل، قطعة حديدية صدئة بيضاوية الشكل، بها فوهة تجعلها فارغة من الداخل، يخبرني أخي الأكبر، مستعرضا ذكائه وخبرته التي يفوقني بها بعامين، أنها هيكل قنبلة رمتها طائرات الإيطاليين، أو ربما سقطت من إحدى طائرات حروب عالمية حدثت منذ عشرات السنين، مشيرا أنها ستصبح قطعة أثرية يوما ما، ثم يعجبه حديثه فيبالغ، ينظر إلي بجدية محذّرا بأنها قد تكون مازالت مؤهلة للانفجار.

أسند القطعة الحديدية على قامتها، أضعها في حفرة صغيرة صنعتها لها، أثبتها على الأرض، وبينما أملأ فوهتها بزهور البسباس، والأقحوان، وشقائق النعمان التي التقطتها، تصيح أمي: “إعويشاااااا”، أهرب مسرعة احتمي بــ “حوش الطليان”.
أدخل الغرفة التي مازل سقفها يقاوم وجوده، أختبئ خلف الباب، أنظر إلى الغرفة الخالية إلا من مرآتي المكسورة وبقايا حمرة شفاه، استعيد أنفاسي، استمع لصمت الجدران حولي، ولصوت جدي متهكّمًا “هيييه يا لولا الطليان”.

مقالات ذات علاقة

الجري في منطقة الظل

عبدالله الشلماني

زحل…

فهيمة الشريف

ما بين الظهرة وبوستة (اللاي)

عزة المقهور

اترك تعليق