سيرة

حوافز ومفارقات كتابة سيرة*

* نص الحديث الذي قدّم به الكاتب نورالدين خليفة النمر مسامرته الرمضانية بعنوان (طرابلس الستينية في ذاكرة طفولة ممتدة ) في بيت نويجي الثقافي في المدينة القديمة بطرابلس في إطار البرنامج الثقافي الرمضاني 2013 م الذي أشرفت عليه (هيئة دعم وتشجيع الصحافة ) بوزارة الإعلام .

 طرابلس الستينية

((1))

إن ماحفزّني مباشرة لكتابة هذا الحديث ـ وإن كان لا يلحظ من قبل من يستمع إليه في المسامرة بعنوان :(( طرابلس الستينية في ذاكرة طفولة ممتدة )) ، أو يقرأه نصا منشورا في العدد الأوّل من صحيفة المسار المتوّقفة بعنوان ((إمتدادات ذاكرة : قبس من تداعيات الطفولة الستينية)) ـ هو سبب ثقافي بإمتياز وإن الغرض من سرده في امسية رمضانية طرابلسية في بيت نويجي الثقافي وعلى بعد أمتار من مسقط رأسي في وسعاية (بوراس) الإيفاء بالوعد الذي قطعه صديقي ومقدّمي الذي رعى النص / السيرة ، ونقّح هوامشه برصانة وشغف أشكره عليه كاتبنا القدير (( عمر أبو القاسم الككلي ) بأن يكون حديثي لرّواد تلك الآماسي الرمضانية بعد يوم صوم طويل وشّاق ماتعا ومحفّزا ومنعشا لذاكرتنا المدينية.

إن الغرض الآصيل لكتابة نص شبه السيرة الذي هو مدار هذه المسامرة هو إبداء نوع من الإعجاب ــ في شكل لم تعتده حياتنا الأدبية الليبية المعاصرة بأجيالها العمرية المختلفة ــ بالنشاط الكتابي والثقافي شبه الفردي الذي قام به في لندن في النصف الثاني من العشرية الأولى من هذا القرن 21 عبر موقعه الألكتروني (( إمتداد)) ويقوم به حاليا وبشكل إلى حدّ ما مختلف عبر صحيفته الألكترونية ((الكاف )الكاتب التسعيني المرهف والمثقف النابه الذي لم ألتقيه حتى الآن غازي القبلاوي الذي بثّ بإقتدار و بشكل جديد ومختلف ((روح الأوّربة)) في وجدان الأدب الليبي تلك التي بثّها الكاتب (صادق النيهوم) منذ منتصف الستينيات حتى آوائل السبعينيات عبر كتاباته الشائقة في قالب تميّز به أدب المقالة الليبي عن نظائره في الآداب العربية المعاصرة له . وهي الروح التي تمّ تجفيف منابعها عبر ثلاثين سنة ونيّف من العقود العجاف التي إستهدف فيها رأس النظام المستبّد السابق ومتعلّقاته الغوغائية لإغراض شرّيرة لاتخفى أبعادها على المراقب المنتبه هذه الروح بالقتل والإستئصال ناعتا أسسها وتمظهراتها الثقافية والإجتماعية المابعد ـ كولونيالية والكزموبوليتية النفطية بكل النعوت المكروهة والتي كان يبثّها لمدة أربعين عاما قاموسه الديماغوجي الممقوت . فالنص المنشور والحديث المرسل بعنوانيهما هو في أساسه تحية لغازي القبلاوي ومعاونيه في تحرير الـ (البودكاست)) صديقنا القاص المرموق (جمعة بوكليب) والكاتب الواعد (محمد بعيو المصراتي) الثلاثة جميعهم الذين منحوني في صقيع اواخر شتاءات إغترابي في ألمانيا دفء طرابلس عبر صقيع لندن .

* * *

((2))

الحافز الثاني يتعلّق باللون الكتابي الذي هو مثار مسامرة الليلة . وهو مجال السيرة أو شبه السيرة الذي أخوضه علنيا للمرّة الأولى مذّ إرتباطي الشعوري والمهني بعالم الكتابة الذي تجاوز الثلاث عقود والذي لم أقدّم فيه لإعتبارات ذاتية وموضوعية لاأوّد الخوض فيها الآن إلا مساهمات قليلة مست مجالي المهني وهو الفلسفة ومجالي الوجداني وهو علم الأدب او الدراسة الأدبية .فالنّص محور المسامرة وهو مالايخفى على الزملاء الذين لهم علاقة بهذا الشأن هو مايسمّى بـ (( النص المتعدّد المستويات)) فانا على سبيل المثال عندما أقدّم جردا تاريخيا للأجيال الشّابة التي لم تعاصر وسائل نقل البضائع في طرابلس الخمسينية والستينية كالكياليس التي انتقلت من خانة المواصلات الشخصية للمقتدرين من الآعيان الي خانة عربات الإتجار بالحليب لدى حلاّبة شطّ الهنشير وساحل العمروص والشراييل والتريشيكلوات فاتوقّف عند الكوارطين مستفردا إيّاها بصورة ادبية مداعبة تمسّ الدلالة الحميمة في ذاكرتنا الطفولية للحيوان الذي يجرّها في الغالب وهو الحمار فاقول : (الكوارطين التي تسحبها البغال المتينة والحمير النشطة نادرا والمرهقة غالبا تحت احمالها الثقيلة ) . والأمر نفسه يتعلّق بوسائل االمواصلات الفردية والعامة مثل الدرّاجات الهوائية والنارية والفيسبات والسيارات والحافلات فأستفرد وسيلة المواصلات التقليدية الكراريص ومفردها كرّوسة وأكتبها متعمّدا (بالصاد)كما تنطق جمعا في اللهجة : بصورة ادبية تغذّي مسألة الحنين فأصف الجو أو (الأتموس فير) المتعلّق بها : (بصخبها إذ تجنح بها الخيول تحت وطأة فرقعات سياط الساسة طرق نعالها يلهب أسفلت الطريق ) . الشان نفسه يتكرر في منتصف النص عندما اتعرّض بالذكر للمرتزقين والمرتزقات القابعين تحت الآشجار الوريفة خلف سوق الحوت بإتجاه باب الحرية فأستفرد بائعات الآعشاب وأخصّ (خالة أبي فاطمة) بهذا الوصف : (المتشحة دوما بلحافها البالي الحافية المتأبطة نعليها خوفا عليهما من البلى (…) والتي كنت أشفق عليها تندب حظّها العاثر : ترملّها وفقرها وكف بصر إبنتها الضريرة وضياع أبنها الوحيد في الشرق ، وأخافها كعجائز القيلولة وقد لفّت جبينها بعصابة جبالية تدّلت منها خصلات من شعرها الأشيب، وبدا على انفها إصفرار من آثار نشوق التبغ ) .

* * *

((3))

امّا المفارقة فتتعلّق باللاشعور وتداعياته التي تقفز بشكل غير محسوب إلى عالم الكتابة وبالذات في لون الكتابة السيرية أو شبه السيرية ، وهو ما أنتبهت ونبّهتني إليه (قيلندا باتشالد) السيّدة الخمسينية الآلمانية وهي تستمع بصبر تحسد عليه في احد المرّات وكان ذلك بعد مرّات عديدة الى احاديثي النستلجية (الحنينية ) المسهبة بتفرّعاتها المتشابكة عن طفولتي وشبابي المضيّع في ليبيا والتي أوقفت ذات مرة إسترسالي بملاحظة أن الشخص شبه المحوري في ذكرياتي وحديثي عن ماضّي الشخصي غالبا مايكون ابي وليس أمي ، وهو ما يمثّل نوعا من المفارقة فمن خلال خبرة جيلها من نساء المانيا في أجانب ألمانيا أن الأم هي الأيقونة المقدّسة التي يحملها الرجل الأجنبي والشرقي بالذات بين جوانحه من بلده إلى غربته حسب تنوّع أسبابها وتبقى هذه الأيقونة مضيئة بل مشتعلة في وجدانه بطول إمتداد الغربة التي غالبا ماتتحوّل إلى منفى بالنسبة للذي اتت به دواع ثقافية إلى بلد الاغتراب .

فجسارات أبي المحتشد بها نصّي والتي فتّحت شهيتي الطفولية الى لذّات طرابلس الستينية مجال حديثي في المسامرة هي مايشعل أقباس تداعيات طفولتي ،ويؤتث عوالمها التي كشفت الغربة مكامن سحرها وهو ماكان مثار إندهاش عدا السيّدة (باتشالد) السيّدات ( أرندت، وآبل ،وكيناست….الخ)، وامّهات وعمّات وخالات وحتى الجدّات من ضيوف أعياد ميلاد زميلاتي وزملاء الدراسة الألمان اللآتي إنجررن الى فخ الآستماع الى احاديثي المسهبة عن ماضيّ الشخصي الذي يسكن الذاكرة الممتدة لطفولتي بكّل مميّزتها . المثير في المفارقة أن هذا الحديث كتب في الحضور الآخير لحياة أمّي/ أيقونتي المقدسّة التي قضّت الأشهر الآخيرة من حياتها بمعيّتي في شمال المانيا وألقى بها المرض طوال عشرة أشّهر ممضّة في عيادة في قرية اسمها ((زاند قروك )) يمكن ترجمتها إلى العربية (بإبريق الرمل ) .

إن ما اعنيه (بمسألة الأب) في هذا التقديم وهو مااعتبرته من مفارقات اللاشعور والتي لم تصل بعد إلى إشكالية الأب التي لابست وعي ووجدان الجيل الحداثي الليبي الذي انتمي إليه عمريا وثقافيا وهي الأشكالية التي قاربها بنباهة القاصّ المقتدر عمر أبوالقاسم الككلّي في قصته (( أبـي )) المنشورة في مجموعته القصصية (منابث الحنظل ) والتي وصّفها 🙁 بتمدّد سؤ الإستيعاب المتبادل بين السارد الذي ينتمي إلى جيلنا والذي لم يستوعب رؤية أبيه للعالم والتي كانت تبدو له،كلّما تقدّم به العمر ، شديدة الغرابة والصلابة وبين أبيه الذي لم يستوعب متطلبات أبنه وتطلّعاته والتي ألقت به مبكّرا ،في حمأة التمرّد والعصيان ثم أفكار وقيم الثورة في مختلف أبعاد الحياة وتفاصيلها )) . إذن صورة الأب ومتعلّقاتها التي تؤتت تداعيات طفولتي الستينية التي نشرت في المسار بعنوان ((إمتدادات ذاكرة : قبس من تداعيات الطفولة الستينية)) وتسرد في هذه الأمسية بعنوان :(( طرابلس الستينية في ذاكرة طفولة ممتدة )) هي صورة إلى حد ما أيقونية لم تعتّم بعد بريقها القتامة الإشكالية التي إستبصرها الككلّي في قصّته والتي أتمنّى أن يكون حضورها في مسامرتي هذه حضورا ماتعا يجلّله إعترافي بجميل أبي على طفولتي وليس نكراني الذي انا ربما في هذا العمر وفي أحايين كثيرة بصورة او بأخرى نادم عليه .

______________

* نشر المقال بصحيفة فبراير العدد 522 بتاريخ 29.08.2013 واعيد نشره بموافقة الكاتب

مقالات ذات علاقة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (22)

حواء القمودي

الذكرى 25 لرحيل عاشق الوطن

المشرف العام

سيرة الراحل يوسف بالريش

رامز النويصري

اترك تعليق