حوارات

حوار مع الكاتب والمترجم عطية الأوجلي

حوار مع الكاتب والمترجم عطية الأوجلي

لا أترجم نصا لا أعشقه.

المترجم يعيد بناء النص ويمنحه الحياة في نظام لغوي وثقافي جديد.

 

حاورته: خلود الفلاح

• الترجمة فن لا يخضع لمقاييس ومعايير جافة.

• المترجم الجيد يبذل جهداً إضافياً لتقلص غربة النص في بيئته الجديدة.

• الترجمة هي الابنة الشرعية للحضارة. كل نهضة قامت في التاريخ كان يسبقها فعل التواصل مع حضارات وثقافات أخرى.

الكاتب: عطية الأوجلي

* يقول المترجم اسكندر حبش “عندما أترجم ابحث غالبا عن نصوص أحبها” والمترجم عطية الأوجلي ماذا يقول؟

– لا أستطيع أن أترجم ما لا أعشق. لا بد للنص من أن يغويني لأبذل الجهد من أجل تقديمه لقارئ في لغة أخرى. أخر ما قمت بترجمته هو أشعار للهنود الحمر. كنت أطالع النص متوقعا أشعارا مثقلة بالحزن والهموم. توقعت أن الهنود الذين حُرموا من التواصل مع ماضيهم وتراثهم، وزُج بهم في عالم ليس من صنعهم أو اختيارهم، ستقتصر قصائدهم على سرد مآسيهم وأوجاعهم، لأفاجأ بعذوبة العلاقة التي تربط الهندي بالطبيعة بكل تفاصيلها وجزئياتها؛ وأكتشف عمق وثراء المخيلة الهندية التي رغم قسوة التاريخ وجفاء الجغرافيا لا زالت نابضة بالمحبة والحياة، تسكنها روح إنسانية سمحة ويغمرها نفس شاعري رقيق؛ فالطبيعة بكواكبها ونجومها، بترابها وأشجارها، برياحها وأمطارها، بجبالها ووديانها، بطيورها وحيوانها. كانت هناك في أشعارهم. فكان لابد من الترجمة.

* يكتب المترجم نصه. برأيك إلى أي مدى يتحمل المترجم ما كتب المؤلف وفي المقابل إلى إي مدى يتحمل المؤلف مسئولية ما قد ترجم؟

– الترجمة فن. وكأي فن لا يخضع لمقاييس ومعايير جافة. فالجانب الإبداعي، وأنا أتحدث عن ترجمة النصوص الأدبية، هو ما يطغى على الأبعاد الأخرى. الترجمة الأدبية هي إعادة خلق للنص في عالم آخر بروح جديدة و لغة جديدة. النص في لغته الجديدة ينتمي للمترجم بنفس الدرجة التي ينتمي بها إلى المؤلف الأصلي. ولعل هذا ما دفع ميتسوس وهو مترجم شهير الى قول ما معناه. “إن أحسن مترجم هو الذي لا يترجم عن المؤلف سوى العنوان. ويعتمد في الباقي على إبداعه الأدبي”. المسئولية التي تقع على عتق المترجم هي الإخلاص لروح النص وبذل كل جهد لنقل المحتوى بإخلاص وجدية. و ككل القضايا الإبداعية والأخلاقية سيختلف تأويلها من مترجم إلى أخر.

* ما الذي يثيرك في النص الأخر لترجمته؟

– أشياء عديدة. عمق وثراء الخيال يثيرني، الموضوع، الجهد المبذول، الروح الإبداعية وكذلك زاوية الرؤية. فأنا أعشق النصوص التي تكشف لنا الحياة من زاوية جديدة. خذي مثلاً تناول ساراماغو لفكرة الوجود والموت بتخيله لبلد يتوقف الناس فيه عن الموت، أو قصة المحادثة للكاتب الجنوب أفريقي – وهو بالمناسبة رجل أبيض – التي تتناول موضوعا معقدً مثل الحروب الأهلية في أفريقيا واستخدام الأطفال فيها عبر حياة قس يمر بأزمة إيمانية.

* هل هناك عمل تمنيت القيام بترجمته؟

– العديد من الأعمال. أعمال إدواردو غوليانو، أعمال نيكوس كازنتزاكس. كتاب محمد للكاتبة كارين ارمسترونج. فهذه المرأة التي كانت راهبة كاثوليكية ثم تمردت على الكنيسة وتجولت بين عوالم الأفكار لتصبح مرجعا مهما في الغرب في علوم وتاريخ الأديان كتبت كتاباً غاية في الجمال عن رسولنا الكريم، كذلك رواية جامع العوالم للكاتب الألماني البلغاري الأصل إيليا ترويانوف عن سيرة الرحالة والمستشرق المذهل ريتشارد بيرتون الذي تجول بين العوالم وغاص في تفاصيلها وزار مكة المكرمة و ترجم قصة ألف ليلة وليلة ولازالت حياته تثير الجدل في الأوساط الثقافية الغربية.

* ترجمت العديد من النصوص الشعرية ذات الومضة. كيف استطعت أن تحافظ على شعرية النص؟

– الحقيقة تهيبت ترجمة الشعر وترددت كثيرا لأني مدرك لصعوبة كتابة الشعر. لكن قصيدة قصة صرصار للشاعر البريطاني المغرم ببنغازي أنتوني ثوايت تمكنت مني ذات ليلة فقمت بترجمتها ثم ازدادت جرأتي وقمت بترجمة نصوص شعرية أخرى معتمدا على مخزوني من القراءات الشعرية ومستهديا بآراء بعض أصدقائي .لا أنكر أن التجربة قد استهوتني وأن ردود الفعل قد شجعتني.

* لغة الأدب لغة فوق اللغة أو خارج اللغة أو ربما انحراف عن اللغة العادية. هل يمكن اعتبار الترجمة انحراف مضاعف؟

– الترجمة الأدبية نشاط إنساني معقد لا تشكل اللغة ومفرداتها سوى أحد جوانبه. فهناك فعل القراءة للنص الأصلي واستيعابه والتفاعل معه وحتمية التورط مع النص وكاتبه والثقافة التي يمثلها. فنحن نقرأ نفس الكتاب بعقول وأمزجة مختلفة فيصل كل منا إلى نصه. ولا يختلف حال المترجم سوى أنه بالإضافة إلى فعل القراءة عليه أن يعيد بناء النص ومعانية الظاهرة والخفية ويمنحها الحياة في نظام لغوي وثقافي جديد. الترجمة هي عملية خلق إبداعية ومغامرة قد تنجح في إيصال النص إلى جمهوره الجديد وقد لا تنجح. ولكنها عمل يستحق المجازفة.

* الإنسان يبحث في القراءة عن معنى. برأيك لماذا الإنسان العربي يجد هذا المعنى في الروايات المترجمة إلى درجة أن أسماء بعض المترجمين كصالح علماني وبسام حجار مثلا أصبحت أشهر من الروائيين العرب؟

– ربما نجد الإجابة على هذا السؤال في الجدل القائم حاليا في الغرب حول سر انتشار الروايات المكتوبة باللغة الانجليزية من كتاب ذوي أصول أسيوية أو إفريقية أو من أمريكا الجنوبية. أعتقد إنها الإضافات الجديدة التي يأتي بها هؤلاء الكتاب القادمون من ثقافات تختلف عنا. فأسلوب المعالجة و زاوية الرؤية و التعامل الإبداعي مع اللغة يخلق عالما جديدا من الإدهاش ويشد القارئ إليه. ربما لهذه الأسباب ينشد القارئ العربي إلى النصوص المترجمة وهي فيما أرى ظاهرة جميلة يجب أن نحرص على دعمها لما فيها من إثراء للحياة الثقافية لدينا وتحفيزا لها على التجديد والإبداع. كما يجب أن نتذكر أن أولى الروايات التي قراءها العرب كانت مترجمة منذ قيام الشيخ رفاعة الطهطاوي بترجمة رواية “فيميلون” عام 1867 و بطرس البستاني بترجمة رواية “روبنسون كروز” عام 1861 ثم تعريب محمد عثمان جلال لرواية “بول وفيرجين” عام 1872. فالرواية المترجمة كانت هي الأقدم و الأكثر انتشارا من الرواية العربية. وظلت هكذا لعقود من الزمن. أما عن انتشار الروايات المترجمة حديثا فيشير،دونما شك، إلى براعة المترجمين الأدباء أمثال بسام حجار، أسامة أسبر، ممدوح عدوان، آدم فتحي، صالح علماني، محمد علي اليوسفي، أسامة منزلجي، اسكندر حبش، وغيرهم مما اشتهروا بجودة الإنتاج، وحسن الاختيار، وباللغة الراقية الجذابة. لقد أثبتوا أن المترجم المبدع قادر على خلق جمهور له وعلى خلق جماعات تلق جديدة.

* مجموعتك القصصية المترجمة “ليلة المكالمات الغامضة” جمعت كتَاب ينتمون لأجيال متباينة وثقافات مختلفة. هذه المختارات هل يمكن اعتبارها رافد للقاص عطية الأوجلي؟

– هي بالتأكيد نصوص لها كتابها. ولكني مثل إي مترجم يهوى الأدب وجدت نفسي قد أعدت صياغة العمل بما يتوافق مع روحه الأصلية و إمكانياتي كمترجم. هل يمكن اعتبارها رافدا لي أم لا؟ بكل صدق، لا أملك إجابة. وأترك الأمر لمن شاء من المهتمين بمثل هذه القضايا.

* هل الترجمة قادرة على نقل ثقافات الشعوب المختلفة وتقريب المسافات الجغرافية؟

– تخيلي معي حال العالم دون الترجمة. تخيلي حال العالم مع انقطاع واستحالة التبادل الثقافي والتجاري والعلمي. الترجمة هي الابنة الشرعية للحضارة. كل نهضة قامت في التاريخ كان يسبقها فعل التواصل مع حضارات وثقافات أخرى. فالترجمة ظاهرة اجتماعية ثقافية تلعب دورا كبيرا في تشكيل الذائقة الأدبية وصياغة البنى الفكرية وبناء تصورات محددة عن جماعات وثقافات أخرى. وأنا هنا أتحدث عن الترجمة الشاملة التي تكون جزء من رؤية مستنيرة تهدف إلى خلق حالة من الإبداع و إلى صنع شروط التقدم. الترجمة هي اعتراف بأننا جزء من هذا العالم وأننا نحترم تجاربه وثقافاته ونسعى للتعلم منها. لعلي لا أبالغ لو قلت إن مثل هذه الترجمة ستجعلني أكثر اطمئنانا على مصير أبنائنا وأحفادنا. أما بالنسبة لنقل ثقافات الشعوب المختلفة. فأعتقد أن الترجمة الجيدة تفعل ذلك. ولكنها في بعض الأحيان ولأسباب موضوعية تعجز عن نقل نص ما لأن المفاهيم التي يطرحها تكون مجهولة تماما في ثقافة المتلقي. فعلى سبيل المثال المفاهيم التي تعبر عن معتقدات دينية أو سياسية أو اقتصادية. بل حتى عن المأكولات والملبوسات. وهذا مما يتطلب جهدا إضافيا من المترجم لتقليص غربة النص في بيئته الجديدة.

عن صحيفة الجماهيرية

مقالات ذات علاقة

علي بن جابر: لا أعتقد إن الوعي بحقوق الملكية الفكرية موجود!!

رامز النويصري

الكاتبة والناقدة الليبية د. فريدة المصري: الأدب الليبي يحتاج إلى جهود المؤسسات لاستعادة حضوره عربياً وعالمياً

المشرف العام

الشاعر الليبي محمد الفقيه صالح: “الشعر الجديد يمـتـلك المغامرة”

المشرف العام

اترك تعليق